في ذكرى مولد واستشهاد سيد الوصيين وامام المتقين الأمام علي(عليه السلام) )/ الجزء الخامس/عبود مزهرالكرخي

19 يوليو، 2014
172

تمر علينا هذه الأيام في شهر رمضان الكريم ذكرى جرح سيدي ومولا ي أمير المؤمنين أبا الحسن علي بن أبي طالب(ع) عندما ضربه بسيف الغدر والخيانة المسموم من قبل أشقى الأولين والآخرين اللعين عبد الرحمن بن ملجم على رأسه في نفس المكان الذي ضربه به عمر بن ود العامري في واقعة الخندق وهو في منبره في صلاة الفجر وهو كان يعرف باستشهاده على يد الأشقى اللعين والذي اخبره بها حبيبه وأخوه نبينا الأكرم محمد(ص)عندما كان في أحدى المرات مع رسوله الحبيب أحتضنه أبن عمه أي سيدنا محمد(ص) وبكى وقال له ((أتعرف من أشقى الأولين؟))فقال له (ع) (( الذي عقر ناقة صالح)) فقال (ص) ((نعم ! وأن أشقى الأولين والآخرين هو الذي يضربك بالسيف على قرنك حتى تتخضب لحيتك بالدم))وبكى رسول الله على استشهاد يعسوب الدين وأمام المتقين فكان يعرف روحي الفداء حتى ومن يقتله حيث كان يمشي مع الصحابي مالك بن الأشتر(رض) ومر من أمامهم اللعين عبد الرحمن بن ملجم فقال لمالك((أن هذا هو أشقى الأولين والآخرين الذي اخبرني به حبيبي محمد الذي يخضب لحيتي بالدم)) فقال له مالك((فلنأخذه ونقتله)) فقال (ع) ((لا!أخبرني حبيبي بأنه ليقضي الله أمراً كان مفعولاً)).(1)

وفي جزئنا آليت على أن أكمل ما بدأت به من عرض بطولات سيدي ومولاي أمير المؤمنين الأمام علي(ع) وما تعرض من تزييف في تاريخه وبطولاته ولكي نكمل ما بدأناه في سرد هذه الحقائق المهمة ولنتابع معاً تلك السيرة المشرقة والوضاءة لسيد الوصيين روحي له الفداء.

ولكن أحب إن أشير إلى مسألة مهمة أن الكثير من كتابنا ومن خطباء المنبر الحسيني يشيرون ويذكرون بأن أئمتنا(سلام الله عليهم أجمعين)كانوا قابعين في بيوتهم وخانعين ومهادنين لحكام بنو أمية وبنو العباس لرسم ملامح شخصية الخنوع والضعف عن أئمتنا المعصومين والحقيقة غير ذلك بل كانوا رمز للمواجهة ورفض تسلط وظلم الحكام مما حدا بهؤلاء الطواغيت إلى سم كل أئمتنا وذبحهم دلالة على أنهم كانوا يشكلون مصدر قلق وخوف من سقوط عروشهم المتعفنة والمتهالكة ولأسوق هذه الحادثة لسيدي ومولاي الأمام محمد الباقر(ع)مع الحاكم الأموي هشام بن عبد الملك لنثبت صحة ما ذهبنا إليه وهي :

“قال أبو عبد الله جعفر بن محمّد عليه السّلام: فأخبر مُسْلمةٌ أخاه بما سمع فلم يعرض لنا حتّى انصرف إلى دمشق وانصرفنا إلى المدينة.. فأنفذ بريداً إلى عامل المدينة بإشخاص أبي وإشخاصي معه، فأُشخصنا إليه، فلمّا وردنا دمشق حَجَبنا ثلاثة أيّام ثمّ أذن لنا في اليوم الرابع، فدخَلْنا وإذا هو ( أي هشام ) قد قعد على سرير المُلْك وجندُه وخاصّته وقوفٌ على أرجلهم سماطَين مستحلّين، وقد نصب البرجاس ( وهو غرض أو هدف في الهواء على رأس رمح ) حذاءه ( أي جانبه ) وأشياخُ قومه يرمون..

فلمّا دخل أبي وأنا خلفه، ما زال يستدنينا منه حتّى حاذيناه وجلسنا قليلاً، فقال لأبي: يا أبا جعفر، إرمِ مع أشياخ قومِك الغرض. فإنّما أراد أن يهتك بأبي، وظنّ أنّه يقصر ويُخطئ ولا يُصيب إذا رمى، فيشفى منه بذلك، فقال له أبي: قد كَبُرتُ عن الرمي، فإن رأيتَ أن تَعفيَني، فقال ( أي هشام ): وحقِّ مَن أعزّنا بدينه ونبيِّه محمّدٍ لا أَعفيك.

ثمّ أومأ ( أي هشام ) إلى شيخٍ مِن بني أُميّة أن أعطِه قوسك، فتناول أبي عند ذلك قوسَ الشيخ، ثمّ تناول منه سهماً فوضَعَه في كَبِد القوس، ثمّ انتزع ورمى وسط الغرض فنصبه فيه، ثمّ رمى فيه الثانيةَ فشقّ فُواقَ سهمه إلى نصله ( فواق السهم موضع الوتر منه )،.. ثمّ تابع الرميَ حتّى شقّ تسعة أسهمٍ بعضها في جوف بعض! وهشام يضطرب في مجلسه، فلم يتمالك أن قال: أجَدْتَ يا أبا جعفر! وأنت أرمى العرب والعجم، هلاّ زعمتَ أنّك كَبُرتَ عن الرمي ؟ ومن علمك هذا الرمي وفي كم تعلمته؟! فقال أبي: قد علمتَ أن أهل المدينة يتعاطونه فتعاطيته أيام حداثتي ثم تركته ، فلما أراد أمير المؤمنين مني ذلك عدت إليه ، فقال: ما رأيت مثل هذا الرمي قط مذ عقلت ، وما ظننت أن أحداً في أهل الأرض يرمي مثل هذا ! فأين رمي جعفر من رميك؟

فقال: إنا نتوارث الكمال والتمام والدين اللذين أنزل الله تعالى على نبيه (ص) في قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً . والأرض لا تخلو ممن يُكَمِّل دينَه من هذه الأمور التي يقصر عنها غيرنا ، فكان ذلك علامة ! فلما سمع ذلك انقلبت عينه اليمنى فاحْوَلَّتْ واحْمَرَّ وجهه ، وكان ذلك علامة غضبه إذا غضب ، ثم أطرق هنيهة ورفع رأسه إلى أبي وقال: ألسنا بني عبد مناف نسبنا ونسبكم واحد ؟

فقال أبي: نحن كذلك ولكن الله جل ثناؤه اختصنا بمكنون سره وخالص علمه ما لم يختص أحداً غيرنا .

ثمّ أدركته ( أي هشام ) الندامةُ على ما قال، وكان هشام لم يُكَنِّ أحداً قبل أبي..(2)

ومن هنا تبين أن أئمتنا المعصومين وأهل البيت كانوا رمز للعنفوان والشجاعة والكبرياء ورفض كل سياسة الظالمين وأنهم أولاد الأمام علي بن أبي طالب(ع) الذين زقوا العلم زقاً وأنهم لهم الصولات والجولات في سوح البطولة والشجاعة ولا يأتي ويقول أن الأمام علي روحي له الفداء قد انزوى وأخذ يجمع القرآن فقط وهذا صحيح ولكنه كان مقدام وشجاع وعندما كسروا باب بيته هب واقفاً وواجه كل حشود الظالمين ولم يسكت والذي سوف نأتي إليه عند الوصول إلى هذه الفقرة وبالمصادر والتي المراد منها النيل من شجاعة الأمام والتصوير بأنه خانع ولم يدافع عن أهل بيته والنيل من سمعته ومكانته العظيمة والذي سوف نتعرض إليه لاحقاً. وتعرضي لهذه الفقرة العرضية أني أردت من هذه النقطة العرضية توضيح هذا الأمر الهام الذي يقع فيه ومع الأسف الشديد الكثير من كتابنا وحتى مؤرخينا وخطبائنا والتي من الضروري الانتباه لها والبحث في هذا التاريخ المزيف والذي كان جل هدفه النيل من أهل البيت وتشويه الحقيقة وتزويرها.

والآن نرجع لموضوع بحثنا ونلقي بظلاله علينا.

هجرة النبيّ إلى يثرب :

—————–

وكان على الدوام هناك تأمر على الرسول محمد(ص) من أجل قتله والقضاء على الرسالة المحمدية ولهذا اجتمعوا في دار الندوة وكانوا معهم إبليس وقرروا قتل النبي(ص) وبضربة واحدة ومجتمعة من قبل كل العشائر وبحضور إبليس ورؤوس الشرك والنفاق وأولهم أبو سفيان(لعنه الله)ولمّا حان اليوم الذي عيّنته قريش لقتل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحاطوا ليلا بداره من جميع الجهات شاهرين سيوفهم يترقّبون بفارغ الصبر طلوع الفجر لتمزّق سيوفهم جسم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويطفئوا ذلك النور الذي أراد أن يحرّرهم من ظلمات الجاهلية ومآثم الحياة. لقد أرادت قريش أن تنصر أصنامها وأوثانها وتعيد ما فقدته من الهيبة في أوساط العرب. وقد أخبره الله سبحانه وتعالى عن تآمر قريش عليه ونيتهم الغدر به ولهذا أمره بالهجرة وأنه سيكون مسدداً من الله سبحانه وينصره كما نصره في مواطن كثيرة.

مبيت الإمام على فراش النبيّ :

———————

وأوعز النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى أخيه وابن عمّه الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام أن يبيت في فراشه، ويتّشح ببردته الخضراء (3)؛ ليوهم على أولئك الأقزام أنّه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى يسلم من شرّهم ، وهنا تتجلى صفحة من صفحات عظمة علي (عليه السلام)، إذ استقبل أمر الرسول (صلى الله عليه وآله) بنفس مؤمنة صابرة مطمئنّة، فرسم لنا أكمل صورة للطاعة المطلقة في أداء المهمّات استسلاماً واعياً للقائد وتضحية عظيمة من أجل العقيدة والمبدأ، فما كان جوابه (عليه السلام) إلاّ أن قال للرسول(صلى الله عليه وآله): «أوتسلم يا رسول الله إن فديتك نفسي؟».

فقال (صلى الله عليه وآله): «نعم بذلك وعدني ربّي»; فتبسّم علي (عليه السلام) ضاحكاً، وأهوى إلى الأرض ساجداً، شكراً لما أنبأه به رسول الله (صلى الله عليه وآله) من سلامته.(4)

ثمّ ضمّه النبيّ (صلى الله عليه وآله) إلى صدره وبكى وَجْداً به، فبكى عليّ (عليه السلام) لفراق رسول الله (صلى الله عليه وآله)(4).تلقّى الإمام عليه‌السلام أمر النبيّ بمزيد من السرور والابتهاج وشعر بالسعادة التي لم يحلم بها من قبل ليكون فداء لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وخرج النبيّ من الدار، ورماهم بحفنة من التراب أتت على وجوههم الكريهة قائلا: « شاهت الوجوه ذلاّ ».

وأخذ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتلو قوله تعالى : { وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ }.(6)

إنّ مبيت الإمام عليه‌السلام على فراش النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووقايته له بنفسه صفحة مشرقة من جهاده ، ومنقبة لا تعدّ لها أيّة منقبة ، وقد أنزل الله تعالى آية من كتابه ، قال تعالى : {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ} (7)، ويقول الرواة : إنّ الله تعالى باهى ملائكته بالإمام ، فقد أوحى إلى جبرئيل وميكائيل أنّي آخيت بينكما ، وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر ، فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة، فاختار كلاهما الحياة على صاحبه ، فأوحى الله عزّ وجلّ إليهما : أفلا كنتما مثل عليّ ابن أبي طالب آخيت بينه وبين محمّد فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة ، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه ، فنزلا فكان جبرئيل عند رأس عليّ ، وميكائيل عند رجليه ، وجبرئيل يقول للإمام :

« بخّ بخّ ، من مثلك يا ابن أبي طالب ، يباهي الله عزّ وجلّ به الملائكة » ، فأنزل الله على رسوله وهو متوجّه إلى المدينة في شأن علي :

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ}.(8)

إنّ مبيت الإمام في فراش النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوحي أنّه الشخصية الثانية في رسالة الإسلام الذي يخلف النبيّ ويمثّل شخصيّته ويقوم مقامه ، ولهذه الكرامة دور مهم في دعوة الإسلام لم ينلها أحد من اسرة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه.

ولمّا حانت ساعة تنفيذ خطّتهم; هجموا على الدار، وكان في مقدّمتهم خالد ابن الوليد، فوثب عليّ (عليه السلام) من فراشه فأخذ منه السيف وشدّ عليهم فأجفلوا أمامه وفرّوا الى الخارج، وسألوه عن النبيّ (صلى الله عليه وآله): فقال: لا أدري إلى أين ذهب.

وهنا جاءت الآية الكريمة ، ففي ظلّ قوله تعالى: { ويَمكُرون ويَمكُر اللهُ واللهُ خيرُ الماكرين}.(9)

قال الطبري في ( جامع البيان في تفسير القرآن ): هذه كناية في عليٍّ عليه السلام. ثمّ ذكر أنّ مكرهم هو توزيع السيوف على بطون قريش، أمّا مكرُ الله فهو منام عليٍّ على فراش النبيّ صلّى الله عليه وآله أمّا أهل التفسير فكانت لهم بيانات وتعليقات.

ولدي ملاحظة على هذه الحادثة في انتزاع السيف من يد خالد بن الوليد وهروب الجمع الكافر فأنه يدلل على شجاعة الأمام علي(ع) في أنه أول فدائي في الإسلام وأنه لم يخف من هذا الجمع الكثير وأنه في وسط مشركي قريش ولتثبت صحة ما ذهبنا وقلناه من شجاعة أهل البيت واستبسالهم وذودهم عن حياض الإسلام والرسالة المحمدية بكل شيء لتصل إلى بذل النفس والتي هي أقصى غاية الجود وقد صدق قول الشاعر الذي يقول :

يَجُودُ بالنَّفْسِ إِنْ ضَنَّ الجَوادُ بِها ***والجودُ بالنَّفْسِ أَقْصَى غايةِ الجُودِ

مهامّ ما بعد ليلة المبيت :

————–

مع إطلالة فجر اليوم الأوّل للهجرة المباركة وإحاطة السلام والآمان الآلهي لنبينا الأكرم محمد(ص) والتي كانت تمثل الخطوة الأولى للهجرة إلى يثرب حيث هي العاصمة الإسلامية للنبي محمد(ص) وذهاب الخطر إلي كان يحدق بأخيه ورسوله وانفراج الليل الرهب الذي كان يمثل كل الخطر على حبيبه ونبيه للأمام علي(ع) وكل الاحتمالات الواردة من مكر وغدر قريش للرسول الأعظم(ص) ودون إن يمس أي خطر للنبي وله ولهذا كان أن قام بالمهمة العظيمة الموكلة إليه من السماء على أحسن وجه و كان على قدر عال من الانضباط والدقّة والوعي في التنفيذ والذي يعتبر أول فدائي في الإسلام..

وبقيت أمام عليّ (عليه السلام) مهمات اُخرى لم يكن بمقدور أحد أن يقوم بها، منها: أداء الأمانات التي كانت مودعة عند النبيّ (صلى الله عليه وآله) الى أصحابها ـ وهم من المشركين ـ الذين وثقوا بالنبيّ (صلى الله عليه وآله) لأمانته وإخلاصه، فقد اشتهر بين قريش بالصادق الأمين، وكذلك من يقدم من العرب في الموسم فأودعوا عنده الحلي والأموال، ولم يكن الرسول ممّن يخل بتعهداته أو يخون أماناته حتى ولو كانت الظروف المحيطة صعبة والخطورة تهدّد حياته الشريفة في تلك اللحظات المتسارعة التي يطير لبّ العاقل فيها، لم ينس النبيّ (صلى الله عليه وآله) أن يوكل هذه المهمّة الى رجل يقوم بها خير قيام، ولم يكن إلاّ عليّ (عليه السلام) لأنّه الأعرف بشؤون رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبالمودعين وأموالهم وهو القويّ الأمين.

فأوصل (عليه السلام) الأمانات الى مَن كان من أصحابها، ثم قام على الكعبة منادياً بصوت رفيع: يا أيّها الناس هل من صاحب أمانة؟ هل من صاحب وصيّة؟ هل من صاحب عدة له قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ فلمّا لم يأت أحد لحق بالنبيّ (صلى الله عليه وآله)، وكان مقام عليّ بن أبي طالب بعد النبي بمكّة ثلاثة أيام.(10)

فهل كان يجسر أحد من الصحابة القيام بهذه المهمة الخطرة والصعبة ثم يقوم بأداء الأمانات وينادي بوسط مكة هذا النداء أكيد أنها تحتاج إلى رجل له من القلب والجنان الثابت والمؤمن بربه ورسوله ودينه ولم نر من قام بهذه المهمة على أحسن وجه أحد غير الإمام روحي له الفداء وهي تعبر عن مدى بسالة وبطولة أمير المؤمنين ودفاعه عن الإسلام ونبيه وبدون خوف ووجل والذي لم نسمع أو نقرأ أن احد من الصحابة والذين يدعون انه المقربين أن قام بمثل هذه المهمات الجسيمة والصعبة بل بالعكس كانوا يهربون ويفرون عند اشتداد وطيس المعركة والوقائع لها تشير إلى ذلك والذي يزيد العجب والاندهاش أن كل ذلك لم يتم ذكره أو الإشارة إليه ولو ذكروه فأنهم يمرون عليه مرور الكرام من أجل طمس وإخفاء فضائل ومناقب الأمام علي(ع) وهذه هي مشكلة تاريخنا الذي تم التلاعب به والتحريف والتزوير بشكل لا يصدقه العقل وبكل حقد وبغض لأمير المؤمنين وأهل بيته وهذا الآن قد أصبح حقيقة واقعة ومعروفة من قبل الجميع ومن جهات أموية وعباسية وناصبية لا تريد لهذه الجذوة المتألقة أن تشع بنورها وخيرها على عموم المسلمين لأنه يعني نهاية عروشهم وممالكهم القائمة على القتل والدم وبغض كل مايمت لأهل البيت من قريب أو بعيد ليشمل التصفيات التي نراها اليوم للموالين وبكل وحشية وأجرام والذي مايزال ولحد الآن وبشكل أعنف ووحشية وأقوى من السابق.

هجرة الإمام عليّ (عليه السلام) :

———————-

وصل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى (قُبا) بسلام، واستقبلته جموع الأنصار، ومن هناك بعث بكتابه إلى عليّ (عليه السلام) يأمره فيه بالمسير إليه والإسراع في اللحاق به، وكان قد أرسل إليه أبا واقد الليثي، وحين وصل إليه كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) اشترى عليّ (عليه السلام) الركائب وأعدّ العدّة للخروج، وأمر من بقي معه من ضعفاء المسلمين أن يتسلّلوا ويتخفّفوا(11) إذا ملأ الليل بطن كلّ واد إلى ذي طوى(12)، وبدأت المهمّة الشاقّة الثالثة أمام عليّ (عليه السلام) وهي الرحيل برفقة النساء نحو يثرب، وخرج هو ومعه ضعن الفواطم: فاطمة بنت رسول الله، واُمّه فاطمة بنت أسد، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب، وفاطمة بنت حمزة، وتبعهم أيمن مولى رسول الله وأبو واقد الليثي.(13)

روى أنه:(( أن علياً (عليه السلام) لما عزم على الهجرة قال له العباس…الى آخر ما تقدم من أبياته (عليه السلام) ، ثم قال: فكمن له مهلع غلام حنظلة بن أبي سفيان في طريقه بالليل ، فلما رآه سل سيفه ونهض إليه ، فصاح عليٌّ به صيحة خرَّ على وجهه ، وجلله بسيفه ! فلما أصبح توجه نحو المدينة ، فلما شارف ضجنان أدركه الطلب بثمانية فوارس)).

وهذه أول صيحة وأول ضربة سيف من علي (عليه السلام) صلوات الله عليه.(14)

وتولّى أبو واقد الليثي سوق النياق، ولشدّة خشيته كان يحثّ الخطى سريعاً حتى لا يلحق بهم الأعداء.

وعزّ على عليّ (عليه السلام) أن يرى نساء بني هاشم على تلك الحالة من الجهد والعناء من سرعة الحركة، فقال (عليه السلام): أرفق بالنسوة أبا واقد، إنّهن من الضعائف.

وأخذ (عليه السلام) بنفسه يسوق الرواحل سوقاً رقيقاً، وهو ينشد ليبعث الطمأنينة في نفوس من معه:

ليـس الا الله فارفع ظنَّكا***يكفيك ربُّ الخلق ما أهمَّكا

ومن بطولة الأمام علي (عليه السلام) أنه قام بدوس غطرسة قريش في طريق الهجرة وذلك في هجرته حيث روي :((وسار فلما شارف ضجنان أدركه الطلب ، وعددهم سبعة فوارس من قريش مستلئمين وثامنهم مولى لحرب بن أمية يدعى جناحاً ، فأقبل علي (عليه السلام) على أيمن وأبي واقد ، وقد تراءى القوم ، فقال لهما: أنيخا الإبل واعقلاها ، وتقدم حتى أنزل النسوة ، ودنا القوم فاستقبلهم (عليه السلام) منتضياً سيفه ، فأقبلوا عليه فقالوا: أظننت أنك يا غُدَر ناج بالنسوة؟! إرجع لا أباً لك ! قال: فإن لم أفعل؟ قالوا: لترجعن راغماً أو لنرجعن بأكثرك شعراً ، وأهون بك من هالك ! ودنا الفوارس من النسوة والمطايا ليثوروها ، فحال علي (عليه السلام) بينهم وبينها ، فأهوى له جناح بسيفه فراغ علي (عليه السلام) عن ضربته ، وتختله علي فضربه على عاتقه ، فأسرع السيف مضيَاً فيه حتى مسَّ كاثبة (15)فرسه ، فكان (عليه السلام) يشد على قدمه شد الفارس على فرسه ، فشد عليهم بسيفه وهو يقول:

خلوا سبيل الجاهد المجاهدِ***آليت لا أعبدُ غير الواحدِ

فتصدع عنه القوم وقالوا له: أغن عنا نفسك يا ابن أبي طالب. قال: فإني منطلق إلى ابن عمي رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيثرب فمن سره أن أفري لحمه وأريق دمه فليتعقبني أو فليدن مني. ثم أقبل على صاحبيه أيمن وأبي واقد فقال لهما: أطلقا مطاياكما )).(16)

وهذه ثاني ضربة سيف لعلي ، صلوات الله عليه .

فواصل الركب المسير حتّى وصلوا «ضجنان» فلبث فيها يوماً وليلة حتى لحق به نفر من المستضعفين، وبات فيها ليلته تلك هو والفواطم يصلّون ويذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم حتى طلع الفجر، فصلّى بهم عليّ (عليه السلام) صلاة الفجر، ثمّ سار لوجهه يجوب منزلاً بعد منزل لا يفتر عن ذكر الله حتى قدموا المدينة.

وقد نزل الوحي قبل قدومهم بما كان من شأنهم وما أعدّه الله لهم من الثواب والأجر العظيم بقوله تعالى: {الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكّرون في خلق السماوات… فاستجاب لهم ربّهم… فالذين هاجروا واُخرجوا من ديارهم وأُوذوا في سبيلي وقاتلوا… ولأدخلنّهم جنات… والله عنده حسن الثواب}.(17)

وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) في «قباء» نازلاً على عمرو بن عوف، فأقام عندهم بضعة عشر يوماً يصلّي الخمس قصراً، يقولون له: أتقيم عندنا فنتّخذ لك منزلاً ومسجداً؟ فيقول (صلى الله عليه وآله): لا، إنّي أنتظر عليّ بن أبي طالب، وقد أمرته أن يلحقني، ولست مستوطناً منزلاً حتى يقدم عليٌّ، وما أسرعه إن شاء الله!. (18)وحين وصل عليّ (عليه السلام); كانت قدماه قد تفطّرتا من فرط المشي وشدّة الحرّ، وما أن رآه النبيّ (صلى الله عليه وآله) على تلك الحالة; حتى بكى عليه إشفاقاً له، ثمّ مسح يديه على قدميه فلم يشكهما بعد ذلك.(19)

ثمّ إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمّا قدم عليه عليّ (عليه السلام); تحوّل من قباء الى بني سالم ابن عوف وعلي معه، فخطّ لهم مسجداً، ونصب قبلته، فصلّى بهم فيه ركعتين، وخطب خطبتين، ثمّ راح من يومه إلى المدينة على ناقته التي كان قدم عليها وعليّ لا يفارقه، يمشي بمشيه، وأخيراً نزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند أبي أيوب الأنصاري وعليّ معه حتى بنى له مسجده وبنيت له مساكنه، ومنزل عليّ (عليه السلام) فتحوَّلا إلى منازلهما.(20)

من معاني مبيت الإمام (عليه السلام) في فراش النبيّ (صلى الله عليه وآله):

1 ـ إنّ مبيت الإمام (عليه السلام) ليلة الهجرة في فراش النبيّ (صلى الله عليه وآله) بمثابة إعلان عن نضج شخصية الإمام علي الرسالية، وأهليّته في أن يمثّل شخصيّة الرسول الّذي يعهد اليه في كلّ أمر مستصعب وخطب جليل ودعوة مهمّة.

2 ـ كانت عملية التمويه على قريش بارتداء الإمام (عليه السلام) رداء رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومبيته في فراشه ربطاً لص

التصنيفات : اقلام حرة