العراق القادم… مرحلة تغيير أم قتل وتهجير؟ / د.عمران الكبيسي

29 أغسطس، 2014
74

 

على الرغم من كل التجارب والأحداث المرة التي عاشها العراقيون على مدى عشر سنوات بعد الاحتلال، لملموا أطراف جراحهم العميقة، وأغمضوا جفونهم على الملح، وأبدوا تفاؤلهم على مضض، لعل القادم من الأيام يحمل لهم من التغيير ما يضع حدا لمعاناتهم القاسية مع القتل والخطف والاغتصاب والتهجير، ويحفظ لهم وحدة وطنهم على قاعدة “تفاءلوا بالخير تجدوه”، وشرعوا ولو من باب “إيصال الكذاب إلى باب بيته” يباركون للمرجعية موقفها بالدعوة للتغيير، ونوهوا بموقف الأميركيين الداعم لقيادة جديدة، وحمدوا للإيرانيين تخليهم عن المالكي عميلهم المزدوج وإن شككوا بجديتهم، وهنئوا البديل الجديد وشددوا على يديه، وقرؤوا على أرواح شهدائهم “سورة يس” ولسان حالهم من اليأس: “عفا الله عما سلف”، وإن كان القاضي والشهود من مجروحي الذمة.

عاش العراقيون يحلمون ويحدوهم الأمل بأن “الذي فات مات” وفي كل ليلة باتوا يتطلعون لصباح أفضل، سفهوا داعش، وداروا لها ظهورهم، قاوموها وحاربوها إكراما للوعد وإيفاء بالعهد الذي قطعوه بنبذ الإرهاب أيا كان لونه ومصدره، وقال قائلهم: “صفحنا عن بني ذهل وقلنا القوم إخوان، عسى الأيام أن يرجعن قوما كالذي كانوا”، وإذا بالأيام ووعودها “هدنة على دخن” وصورة عماد الدين توحي مع الصمت أنه أسوأ من أخيه، “فالطينة من الطينة والكعكة من العجينة”، “وطبخ حديد الفأس لا يعطيك صلصة”. وبعد قطع داعش رأس الصحافي الأميركي ذبحا، قامت ميليشيات طائفية بزي قوات الأمن ومركباتهم وسلاحهم على مرأى موقع امني قريب بقطع رؤوس شبان وتعليقهم على الأعمدة بلا رؤوس بمحافظة ديالى، وأعلنوا جهارا للفضائيات أنها على سبيل المعاملة بالمثل وليس إرهابا، ولم تتحرك الدولة ولا المجتمع الدولي كما تحرك لتهجير المسيحيين والأيزيديين بالموصل.

وبعد أيام من إعلان المالكي تنحيه لأخيه العبادي أفاقت شهرزاد على اختلاط أذان الجمعة بأزيز الرصاص وصوت الناعي، هبت لنجدة قرينها فسقطت فوقه شهيدة وحولها أربعة أبناء وعمهم صرعى ليكمل العدد 73 شهيدا في محراب الله بجامع مصعب ابن عمير، بقرية إمام ويس الآمنة على يد مليشيات عصائب أهل الحق موثقة بالأسماء وهي المعروفة بتشددها الطائفي وولائها لإيران والمالكي وإشراف القوات الحكومية. أما الفلوجة الصابرة المحتسبة فلم تشهد على مدى الأشهر الثمانية الماضية أسوأ مما شهدته ساعتها من قصف مدفعي وإسقاط للبراميل المتفجرة على المساكن والمستشفى التعليمي الذي يبعد عن ثكنات داعش خمسة كيلومترات حيث أبعدها أبناء العشائر وحاصروها في الحي الصناعي بأطراف المدينة ليجهز القصف على الجرحى الناجين من قصف سابق، ناهيك عن قصف الطائرات لمواقع سكنية ومساجد في الأنبار وصلاح الدين ومواقع أخرى، فهل يا ترى هذا القصف من بوادر حسن النوايا، وتصحيح الأخطاء، أم رسالة “لعودة حليمة إلى عادتها القديمة” أصافحك بيد وأطعنك بالأخرى تحت الحزام! على طريقة السيد المالكي الذي يحلو له تعطيل العملية الانتقالية، بوضع المحافظات المنتفضة أمام خيارين، إما القبول بالذل والسكوت على ما جرى، أو الخروج من العملية السياسية وخذلان العبادي ليبقى على رأس حزب الدعوة والحكومة، وإلا من يمتلك صلاحية الإذن للطيارين بالقصف؟

“لم يعد في القوس منزع” فما جرى هو الإرهاب والتصفية الطائفية بعينها، والخيارات مغلقة، فإما أن يظهر العبادي ويفضح المسؤول وينزل القصاص بالجاني أيا كان، ويضع الحق في نصابه، ويدي ويدك على المليشيات وداعش معا، والمصادر تشير الى أن رأس الخيط إلى الجناة عميد بالجيش على سابع جار للمسجد وعلاقته موثقة بالمليشيات المعنية، والمسؤول الأمني بالمحافظة المكلف بحماية الجامع أيام الجمع حصرا، ولا يمكن أن تقدم المليشيات شبه الرسمية على مثل هذا الفعل من دون علمهما، وأي تقاعس للعبادي عن القيام بواجبه يعني على حد المثل العراقي “الكع أخو الكخ” وعندها “لا يلدغ والمؤمن من جحر مرتين” ولا يبقى على أوباما إلا التدخل بالقوة التي تدخل فيها لنجدة الأيزيديين، ووضع حد للمليشيات وبخاصة عصائب أهل الحق فهي كداعش إن لم تكن أسوأ منها، أما استمرار الحال على ما هو عليه سيجعل أبناء العشائر يقطعون رؤوس أبنائهم ليشيدوا من الجماجم جسرا تعبر عليه داعش إلى البيت الأبيض، “ويا موت ما بعدك موت”

 

فإلى أين نحن سائرون؟ إلى التغيير؟ أم إلى القتل والتهجير؟ وأين يأمن الناس إذا لم يأمنوا على أنفسهم في بيوت الله التي أذن لهم أن يعبد فيها؟ ومتى يكون الإنسان أكثر سلما ورحمة ونقاء منه وهو بين يدي الله في صلاة الجمعة؟ وداخل مستشفيات يرفرف عليها العلم الأبيض للهلال أو الصليب، ليقتل بدم بارد غدرا، ظلما وعدونا، فكيف يكون الإرهاب؟ وهل له صورة أبشع من هذه الصورة ليتحرك الضمير الدولي إن بقي للعالم منه شيئا؟.

التصنيفات : اقلام حرة