تربية الأطفال وتعليمهم في المجتمع النجفي / تحقيق : حيدر حسين الجنابي

4 أكتوبر، 2014
330

 

 

 

تحقيق : حيدر حسين الجنابي

 

بالأمس كان اطفال النجف جالسين على الارض يرتدون طاقية على رؤوسهم ويلبسون ثوبا عربيا ،وهم يضعون كتاب الله بين ايديهم ، ملتفين على شكل دائرة حول (الملا) في الكتاتيب في ذلك المسجد او هذا الجامع .

واليوم يضعون حقائبهم على رحلاتهم امام (معلمهم) في المدرسة ،في مدينة تعددت فيها منابع العلم والمعرفة ،لتعلو بعلومها اعلى من النجوم ،وهي تحمل الفكر الرباني بين عنان السماء واقطار الارض .


فالنجف عبر التأريخ ركزت على ان يكون درسها عام وشامل ،لا يقتصر على علم او يقف عند حد معين او سن محدد .

ومدارسها على مدى العصور تميزت بتربية الاطفال وتعليمهم مختلف العلوم الدينية والانسانية والعلمية ،فخرجت علماء وقياديين ،اسهموا في بناء المجتمعات فكريا وصنعوا جيلا اسلاميا متعلما بعيدا عن الخرافة والاساطير التي لطالما حاولت ان تحرف المجتمع وتعبث به وتسيطر على عقول الناس.

فالنجف لا زالت مدينة البناء البشري عبر العصور.

 

 

 

القيم الروحية والعلمية اساس لبناء الاطفال

 

يقول الحاج احمد مجيد 75عاما “لا زلت اتذكر ايام طفولتي ودراستي في المسجد ،فالمعلم النجفي (الملا) او (الملة) مميزا عن باقي المعلمين في العراق والدول الاسلامية ،مما ساهم في انشاء جيل مهم حمل ذهنية علمية فذة ،اذ كان يجتهد في مادة الدرس ،بسبب عدم وجود مدارس حكومية قبل عام 1918م ،فكانت البيوت النجفية ترسل ابنائها الى الملا ، بينما ترسل بناتها الى الملة ،لتعليم القراءة والكتابة وحفظ وتلاوة القراّن الكريم، والاخلاق الاسلامية ،والخط العربي والعلوم ومبادئ الدين الاسلامي،وبعض الرياضيات في المساجد ،اما الاسر العلمية فكانت تدرس ابنائها في البيوت “.

 

ويتحدث الدكتور محمد باقر البهادلي عن تأريخ المدارس في النجف ” كانت مدرسة الغري اول مدرسة اهلية ، بينما تعد المدرسة الاميرية الاولى، اول مدرسة ابتدائية حكومية للبنين فتحت في النجف،وكانت اول ثانوية هي الخورنق للبنين تأسست عام 1927 ،ولم تؤسس مدرسة ابتدائية للبنات في المحافظة الا بعد الاربعينات تسمى الفاطمية”.

 

اما الدكتور ناجح الرماحي مدير الاشراف التربوي فيشير”ان المجتمع النجفي مجتمعا دينيا ملتزما لديه خزين من الثقافات التاريخية والمعاصرة، فضلا عن اطلاعه على كل ما ينشر من الثقافات العالمية وهذا ما انعكس على تربية الطفل وتغذيته روحيا وفكريا “.

ويتابع “ان تربية وتعليم الاطفال يبنى على الجانب العلمي من جهة ،وعلى القيم الروحية والدينية و العادات والتقاليد من جهة اخرى ،مما جعل الطفل النجفي تواقا للعلم ومحبا للمعرفة والارتقاء العلمي ، كما ان النجف تعد النبع الفكري الذي لازال يغذي الكثيرمن المثقفين داخل وخارج العراق “.

ويبين الرماحي “ان الطفل النجفي يجمع بين التعليم والتربية البيتية والبيئية المميزة وبين ما يتلقاه من دروس في المدرسة الامر الذي جعله متمسكا ببيئته التي علمته حب اهل البيت (عليهم السلام ) “.


 

ويوضح جبار عبد العباس “ان المدارس الدينية ورجال الدين والمكتبات العامة والاهلية والمكتبات المنزلية الموجودة في اغلب دور النجف العامل المهم الذي ساهم في تطوير العقلية النجفية للأطفال والكبار ،فضلا عن تربية الاطفال اعتمادا على وصايا ال البيت (عليهم السلام) لانهم النموذج الامثل للنجفيين في الحياة”.

 

واكد اسامة محسن 38 عاما “ان أساليب التنشئة الأسريّة السائدة في المجتمع النجفي تبدأ منذ اللحظة الأولى لميلاد الطفل، حيث يبدأ الوالدين في الاهتمام والعناية به مما ينعكس سلبا او ايجابا على الأطفال وشخصيّتهم في الفترات العمريّة اللاحقة. وتختلف طرق التنشئة الأسرية من مجتمعٍ لآخر، ومن طبقةٍ لأخرى، فالطّفل اما يكون طرفاً فاعلاً في الأسرة والمجتمع ، ممّا يُمكّنه الاعتماد على الذات وتعزيز الثّقة بالنّفس او يكون متمرّدا ومعارضا مستمرّا لكلّ ما تُريد الأسرة منه أنْ يفعله، لذا نلاحظ ان الاسر النجفية تطبق الاسلام في حث الطفل على الاخلاق ومبدأ الحقوق والواجبات في التعامل مع الوالدين ،وتثقفه في السير على نهج الائمة (ع) في تطبيق دروسهم الاخلاقية والتربوية للتعامل مع المجتمع “.

 

اما الحاج عماد جبار 70عاما ،أضاف” ان وجود مرقد الأمام علي (عليه السلام )يعطي للمجتمع النجفي ميزة مهمة تجعل التربية والتعليم للأطفال من الامور المهمة التي تميز النجف عن غيرها من مدن العالم، لأنها تسمى عالميا مدينة امير المؤمنين (ع) ،وهذا ما يجعلنا نركز على تربية اطفلنا تربية اسلامية تتناسب مع مكانتها ،و مكانة اطفالنا ,لانهم مستقبلنا “.

 

ويرى احمد غني 47 عاما يعمل معلما “ان الاساليب والوسائل المستخدمة في المدارس تحتاج الى تطوير اكثر فكان الملا في السابق لا يعتمد على منهج محدد او اسئلة مركزية او جول دروس ،ومع هذا كان الملا مدرسة اسلامية علمية متنقلة بين المساجد ، وبالرغم من تطور الوسائل والمناهج الا ان القرأن الكريم لم يستفاد منه بما يتناسب مع ما فيه من كنوز وعلوم تحتاج الى ان يكتب منه في كل علم ما يتناسب مع الاختصاص ، فمدارسنا الحالية جيدة ولكن نحتاج الى تطوير الدروس فالمعلم النجفي ،يحمل مستوى علمي جيد والتلميذ النجفي ذا عقل متوقد ويستوعب شتى العلوم والمعارف “.

 

 

المنبر الحسيني اسهم في بناء الطفل النجفي

 

ويؤكد الحاج سلمان جاسم 60 عاما ” ان تربيتنا الاولى هي البيت وتعليمنا الاول في المدرسة لم يعطنا مثلما اعطانا المنبر الحسيني من دروس وتربية واخلاق وعلم وعبرة وموعظة اسهم كثيرا ونحن أطفال في توعيتنا مع تشجيع ابي وامي والمجتمع الذي كانت بيئته مهيئة ماديا ومعنويا لتعليمنا على حب الرسول الاكرم محمد واله الاطهار (ص)”.

والحاجة ام علي الحداد 75 عاما تتحدث عن تعليمها” لقد كنا نتربى ونتعلم من الملة عندما كنا صغارا ، وتربينا على حب الائمة والحوزة العلمية الشريفة ،ولازلت اتذكر والدي (رحمه الله) كيف كان يرسلني يوميا الى الملة ام احمد ، وقد حفظت القران في خمسينيات القرن الماضي بمدة اربع سنوات ،وكان والدي لا يقبل ان اتعلم في المدرسة الحكومية، وقد كانت عادتنا ان تذهب البنات من جيراننا وانا معهم يوميا لتعليم القران والاحكام في محلة العمارة في المدينة القديمة في النجف ،قبل ان يزيلها الطاغية صدام ويهدم المدارس الدينية والمساجد والبيوت”.

 

من جانبه اكد الشيخ عبد الله حسن طالب علوم دينية ” ان الحوزة العلمية في النجف الاشرف جعلت المجتمع النجفي يتميز عن غيره ويكون اكثر عناية بتعليم الاطفال وتربيتهم وفق التعاليم الاسلامية والعقائد واكثر من يطبق قول الرسول الاكرم (ص) ” اطلب العلم من المهد الى اللحد “من المجتمعات هو المجتمع النجفي ، وهذا ما نلاحظه امامنا يوميا حيث نرى الصغار والكبار في النجف مهتمين بتلقي الدروس ومختلف العلوم في المدارس الدينية والمدارس العامة “.

مبينا ” ان المرجعية الدينية في النجف عبر العصور اثبتت عنايتها بالعلم والتعلم مما ساهم في تغذية المجتمعات الاسلامية من نتاج المجتمع النجفي في اعداد القادة والعلماء والادباء والمفكرين والمثقفين “.

والسيد احمد ابراهيم 40 عاما اوضح” ان ابائنا واجدادنا ربونا على حب العلم واحترام العلماء ،والحث على السير في نهج المعصومين (ع) ، فالطفل منذ اللحظات الاولى في رحم امه وحتى الولادة ثم اليوم الاول وحتى الممات جعلته ملتزما دينيا وفكريا ، فبين الآيات القرآنية والادعية والصلوات ننشأ محبين لله، كما ان الاسرة والمدرسة والمجتمع يشترك في بناءنا صحيا بعيدا عن الكذب والتخلف ويحذرنا اهلنا من مختلف العادات السيئة ويعلمونا العادات الجميلة والصحيحة التي تسهم في تكاملنا انسانيا “.

 

 

 

الامام علي والحوزة والمراجع جعل النجف نموذجا

 

ويتكلم السيد جبار العذاري طالب علم ” ان سبب فشل المجتمع الغربي وتفككه اسريا ،لأنه ابتعد عن رسالات الله سبحانه ، وهذا ما يجعلنا نعلم اهمية النجف ومجتمعها وسمعتها عالميا ، لان النجف متميزة بتربية وتعليم الاطفال وتنشئتهم على الفضائل الحميدة ،وحب الانسانية ،كما ان وجود الامام علي (عليه السلام ) ، والحوزة العلمية والمراجع العظام زاد من اهمية وهيبة النجف وحفز الاطفال على التعلم ،لبناء المجتمع ،فالمجتمع الواعي الملتزم اساسه الطفل والتربية السليمة وهذا ما جعل مجتمعنا نموذجا وقدوة”.

ويوضح الدكتور عباس علي “ان المجتمع في النجف يجد ان التفاهم والتعاون بين المسجد والمدرسة والبيت ينعكس على اسس التربية الاجتماعية والعقلية والنفسية والعلمية والإيمانية، وقد اكدت التعاليم الالهية على ضرورة تربية الأولاد ورعايتهم وعدته الشريعة الاسلامية واجب ديني

“.

موضحا ” ان التزام مجتمعنا الاسلامي وعدم قدرة الغرب على تفكيكه وخصوصا في النجف ،لما للدين والحوزة والاسرة والمدرسة من دور كبير، فهي عقبة كالجبل تقف امام تنفيذ مخططاتهم وخصوصا باستهداف الاطفال ،فالمجتمع النجفي يعي ان التلفاز ليس حاضنة أطفال ،وان تاثير وسائل الاعلام لن تنجح في هدفها ما دام للتوجيه الديني دور كبير بناء واساسي يقوم النجفيين ، وان كل المحاولات البائسة للغرب في استهداف الطفل المسلم محكوم بالفشل ،بسبب وجود المنبر الحسيني والتوجيه الاخلاقي الذي يلازم النجفي من ولادته لحين وفاته “.

والشيخ احسان محمد ،باحث في الشأن العشائري يربط التعليم بمكانة النجف “فلم تكن العشيرة بعيدة عن المساهمة في المجتمع النجفي في صقل ابنائهم وتعليمهم، فالديوان العشائري لعب دورا كبيرا في تربية الفرد النجفي وتعليمه وتثقيفه ،وكان للمضيف والديوان مرحلة مهمة في حياتنا عندما كنا اطفال وحتى اذا ما اصبحنا كبار ،فلا زلنا نتذكر الروايات والقصص ، ونتعلم من الاحداث التي تمر بنا دروسا وعبر نستفيد منها في حياتنا ،بل اننا جمعنا من الاسرة والدين والعادات والتقاليد من العلوم الشيء الكثير جعلتنا نعي اهمية النجف الاشرف وما تمثله من مكانة في نفوس المسلمين لانها عاصمة للشيعة في العالم وعلينا ان نحفظ النجف ونحافظ عليها ، من خلال تعليم ابنائنا كيف يكونوا بمستوى المسؤولية الشرعية والدينية”.

 

النجف لن تخترقها الاساطير والطقوس المنحرفة

 

وترى زهراء عبد الكاظم 45 عاما خريجة كلية الفقه ” ان النجف لن تخترقها الاساطير ولن تسيطر عليها الطقوس المنحرفة والاهواء الضالة ، لان مجتمعها منفتح وواعي ومؤثر في نفس الوقت ،ولعل الكثير من العادات الضالة والحركات المنحرفة لم تفلح في كسب الشارع بسبب التأثير الديني والعلمي للنجف على سائر المدن ،وان كلمة النجف مسموعة و فتاوى مرجعيتها نافذة وواجبة التطبيق ،مما جعلت للنجف ولمجتمعها مكانة بارزة لطالما اسهمت في القضاء على الاباطيل والشعوذة وقتلت الفتن وانهت الملاحم بين الناس”.

وقال رحيم الخفاجي 40 عاما ” ان اهتمام النجفيين بتطبيق الروايات الشريفة للنبي واله الاطهار (ص) ، ساهمة في تنشئة الاجيال واعطاء الطفل مكانته ،كما ان تعاليم الاسلام جعلت من الابوين قدوة في تربية وتعليم ابنائهم ،فصلاح المجتمع يأتي من صلاح الابوين وصلاح الابوين يأتي من صلاح البيئة التي تؤثر عليه ،فكم من قائل يقول (الانسان ابن بيئته )، وهذا ما يجعل الطفل النجفي مميزا لانه ابن النجف وبيئتها الدينية والعلمية “.

وللطفل عبد الله حسين 10 سنوات رأيه عن التعليم فيقول ” عندما اتوجه للدرس والتعلم يوميا ،لا اغادر البيت حتى استمع الى توجيه والدي ،وهذا ما يجعلني انصت واطبق ما يقولونه ، فهم يقصون على بين الحين والاخر قصة لاحد المعصومين (ع)، فاحس الفائدة من دروس والدي ،كما ان جارنا والناس المحيطة بمنزلنا ايضا اسمعهم يتحدثون مع ابنائهم ويوجهونهم فاستفاد الشيء الكثير ، ولا انسى دروس معلمتي ومعلمي في المدرسة وما تعلمه لي ولزملائي ، يجعلني افكر كثيرا بكلامهم واطبق اقوالهم “.

 

مدينة العلوم والمعارف… تغذي كل الامم

 

ورغم استهداف النجف الاشرف المتكرر فكريا وعقائديا وسعي المجتمعات الى الهيمنة والتأثير على ثقافتها وهويتها الاسلامية الاصيلة ،الا ان المجتمع النجفي بقى عصيا منيعا لم ينهزم ولم تغره الاهواء والاساطير والفتن ،ولم يخترق فكريا ،لانه يستمد قوته من الوجود الطاهر لمولى الموحدين ووجود الحوزة العلمية التي تركت عبر التاريخ تاثيرها الواضح على الجيل النجفي واثرت على تنشئته في شتى الميادين .

ومهما اختلفت واتفقت الآراء حول عقلية الطفل النجفي عن اقرانه في العالم ،الا ان ما زاد تميزه انه يزق العلم ويتعلم الدروس على ارض مقدسة ،تتنفس فكرا وتتغذى علما من الامام علي (عليه السلام).

ومن المهم ان تسعى المؤسسات التعليمية التربوية والاكاديمية في المجتمعات الاسلامية الى الاستفادة من طرائق التعليم القديمة والحديثة التي استخدمها النجفيون والتي عكست مكانة النجف العلمية ودورها ،وان تسعى االمؤسسات التعليمية الى وضع مناهج حديثة لكل علم في كتاب مستقل يتضمن ما ورد في القران الكريم مع ما اثبته العلم الحديث

لذا …فالنجف الاشرف تبقى مدينة العلوم والمعارف التي تغذي كل الامم ).



المصدر وكالة الميزاب

 

التصنيفات : تقارير