عاشوراء..عشق الأحرار بقلم /أحمد كريم الشمري

6 نوفمبر، 2014
77

 

أبى ألا يبدأ هو بقتالهم وأعلن كراهته لذلك، بل تسامى بخلقه المحمدي ليصرح بأنه يتأسف دخولهم النار بسببه ، حاججهم بذاته وبنسبه ، فقتلوه وقطعوه ، وأسسوا لثقافة محو الحرمات وتجاوز الخطوط الحمر، تماما كما يحدث الآن في

 العراق.

إن الاعتداء الإرهابي الذي تعرض له إمام البشرية الناشد للحرية العالمية الحسين بن علي “ع” ، في عاشوراء ، تجمعت فيه كل صنوف الإرهاب الفكري والعنفي وكل التجاوزات على القيم البشرية الناصعة التي سجل فيها إرهابيو بني أمية السبق في ابتداعها والتهيئة لها وممارستها ، التقتيل عبر الخداع والحصار اللاإنساني ورفض الحوار والنقاش الهادف والمكابرة برفض الحجة البالغة والنيل من السامي طمعا بمنصب أو مال أو رضا الحاكم وربما يضاف لذلك كره سطوع نور الصواب، بشكل غريب لمجرد الكره أو لتعارضه مع الأهواء الدنيوية أو لضعف مجاراة العقل المحدود لما هو نبيل دينيا وإنسانيا وأحيانا انعدام وظائف ذلك العقل وتخديره

 وتغييبه.

أجزم أن كل من يمارس تلك الصنوف آنفا أو يرغبها ، جميعا أو بعضا منها ؛ إنما هو في عداد تلك الثقافة الأموية، الإرهابية.

ليس جديدا أن تحذر المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف من استهداف المواطنين المؤمنين بالحسين “ع” وفكره ومنهجه ، محبة أو تطبيقا ، أثناء زيارة عاشوراء في محرم الحرام والشعائر الخاصة بذكرى استشهاده في واقعة الطف ، فوق الميلودرامية، على مر العصور ، ليس جديدا ذلك لأنها تدرك كم من النفوس تهوى محق أمر الحسين “ع” لأنه يتعارض مع صنوف الإرهاب الفكري والعنفي الذي يبيح التجاوزات جميعا على المقدسات والتابوات الانسانية ، بمعنى ان كل من يرفض منهج الإرهابيين يصبح هدفا أمنيا مباحا عندهم .

الحسين “ع” وكل المظاهر التي تدعو إليه وتعيد شحنه وإنتاجه على مستوى المفهوم والفهم إلى الذاكرة البشرية ،هي أهداف مباحة للإرهاب وللإرهابيين ، تماما كما يفعل الشخص المسيء الذي لايريد التوبة ، فهو يتناسى ويكره ويحقد على كل ما يذكره بذنبه أو ذنوبه.

نهضة سيد الشهداء الإمام الحسين بن علي عليهم السلام شكلت تحديا لإرهاب بني أمية ( بنو أمية -السلطة والثقافة المتبعة والمؤيدون لها – وليس العشيرة بالضرورة ).

تضحية الإمام الحسين بحياته قضت على استفحال وانتشار الإرهاب بأشكاله، (الإرهاب الثقافي أو الفكري عبر الحرب النفسية والتضليل الإعلامي، الإرهاب الاقتصادي الذي يستهدف كل من يعارض العقائد الفاسدة لمنهج السلطة والحكم، الإرهاب السياسي عبر إسكات المعارضة بشتى أدوات التصفية والإسكات ، ناهيك عن الإرهاب الديني الهادف إلى شرعنة الظلم وتأليه الحاكم الظالم وتحويل فساده إيمانا وإيمان غيره فسادا وخروجا على

 الشرعية). 

وبسبب ذلك ثار الحسين بن علي عليهما السلام مطالبا بإصلاح تلك المنظومة التي بدأت تزداد سطوة وتهدد البشرية جمعاء وأن ما نراه اليوم من جرائم الإرهابيين بكافة مسمياتهم البعثفاشية والقاعدة و”داعش” والنقشبندية وثوار الفنادق وغيرهم من أصحاب أجندات الطلقاء وأبناء الطلقاء، معاوية ويزيد ، ما هو إلا انعكاس لرغبات متوالدة مستمرة لقتل الحسين بصوره ومظاهره الإنسانية المختلفة المتجددة على مر الزمان ، والمتوحدة في الهدف.

لقد سبيت نساء الحسين “ع” وحرقت خيامه ومنع عنه الماء وشوهت صورته في البلاد كما تعرض للسباب والشتم والتسقيط والمحاصرة والتضييق وألحق به الأذى رغم مكانته الربانية وكادت الكعبة تهان وتداس قدسيتها ، وتجمعت عنده المعطيات ليكوّن فكرة سعادة الموت وتعاسة العيش بوجود الظالم في السلطة ؛ فثار حرا ليكون شهيدا قادرا على تحويل التضحية إلى مجد وصحوة بدأت إسلامية ولن تنتهي كونيا.

التطرف الظلامي يمارس اليوم في بقاع شتى من المعمورة ، ذات الصنوف الإرهابية المذكورة آنفا، والعراق أوضح مكان أعيد فيه إنتاج أنواع الإرهاب التي تعرض لها الحسين “ع”.

 وقد فقد العراقيون آلاف الضحايا طمعا في إصلاح منظومة الطلقاء الجدد باعتبارهم نظراء في الخلق ، لكن حدود التضحيات زادت دونما صحوة ضمير ؛ فتوجب تحويل مفهوم الثورة الحسينية من تضحية إلى مواجهة ترسيخ وجود واقتلاع أنواع الإرهاب الذي يمارسه نفس أصحاب نهج الإرهاب الأموي ولكن بأدوات قد تبدو اعنف وأكثر خسّة ودناءة.

 الأمويون اليوم يحزّون رقاب كل من يخالفهم ويرفض فساد السلطات الممولة لإرهابهم وعقائدهم التكفيرية، ويهدمون دور من يرفضهم ويفجرونها ويحرقونها ، يصادرون أموال الخارج على سياساتهم القمعية المتخلّفة والدكتاتورية، فقد رفع يزيد شعار إبقاء اسم الإسلام دون معنى وورثته يوافقونه بضرورة إرجاع المجتمع إلى

 الجاهلية.

وهكذا تبدو عاشوراء أكبر من ممارسة وطقس ، فهي عشق لمريدي الحرية والأحرار في هذا الزمن ؛ لكنها تشكل كابوسا يقض مضاجع الإرهاب والإرهابيين ، الذين يدركون أن بقاء الحسين “ع” عند العراقيين (ذكرىً وشعائرَ ونهجاً )، كفيل بإبادتهم، كما حصل مع الثورات العراقية التي طردت أنواع الاحتلال من البلاد وردت غزوات الطائفيين الوهابيين أكثر من مرة وانتفضت على الظلمة والدكتاتورية وعليهم اليوم .

العراقيون اليوم – وليس الشيعة فحسب- مدركون أن قيم الحسين في عاشوراء سبيلهم الوحيد لنقل البلاد من حالة التعرض لهجمات إرهابية إلى حالة تحقيق النصر على الدواعش والمتحالفين معهم والممولين لهم، فتلبية العراقيين لنداء الواجب الكفائي للجهاد ضد الإرهاب تماثل بالضرورة تلبية نداء الحسين “ألا من ناصر ينصرنا”، وهو وعد يتماهى مع التمني الخاص بالمؤمنين الحسينيين حين يدعون “ياليتنا كنا معكم فنفوز فوزا

عظيما”.

الفوز هنا ليس بجنة خلد ورضا الله سبحانه وتعالى ، بل بالإضافة اليهما ؛ يتأتى بتحقيق الذات البشرية الرافضة لقوة الاستعباد ، الذات الحرة التي رسمها سيد الأحرار للناس جميعا ، دونما تمييز مذهبي أو عرقي ، وهو ما حققه ضمن خليط أنصاره، الذات التي يقترب العراقيون أكثر من سواهم اليوم في تقمصها وتبني مفاهيمها عمليا ، فالتضحية لا تنتهي بالموت والشهادة ، بل بالنصر الذي يفرح الحسين “ع” باعتبار وجود الناصر وحجة توفر إمكانية المال

والسلاح.

 

 ليست دماء الشهداء اليوم لوحدها ، ترضي الحسين “ع”، ففي الفهم العراقي الجديد ضمن معطيات المواجهة مع “داعش” ؛ ليس يرضيه سوى النصر الصريح على منظومة الإرهاب والانتصار له ولمنهجه الشريف “ع” ، بل ان الاستلهام الصحيح لدروس وعبر عاشوراء في زمننا الحاضر يقضي بأن لا تمتد التضحيات إلى الأبد ، حيث أن مفهومي القوة والمال اللذين يمتلكهما العراق يتلازمان بالضرورة مع هدف وحيد وهو الانتصار العسكري ، إضافة إلى انتصار التضحيات الغالية ؛ لأن من خلال ذلك فقط ، يتحقق دحر أنواع الإرهاب – آنفة الذكر – وتدحر أيضا تفرعات أساليبه التي أسست لها الثقافة الأموية البليدة ؛ وقد يكون ما تحقق في بيجي وجرف الصخر وأجزاء من تكريت والرمادي وقبلها سامراء ، ما هو إلا انعكاس لتحقيق الفهم الحسيني بشكله الجديد –عراقيا – ذلك الفهم الجامع بين انتصار الدم والسيف معا.

التصنيفات : اقلام حرة