النصوص ضد نفسها

2 ديسمبر، 2014
22

تقف النصوص الأدبية ضد نفسها ، ففي الوقت الذي تنادي فيه أو تعتمد على نفي ومكافحة أمر ما فإنها تعمل على عكس ما توحي به . تتحرى هذه الورقة التساؤل : كيف يمكن للنصوص أن تهدم نفسها بنفسها لتفتح ثغرة تطل منها على الجديد وعلى المختلف ؟ ، والثغرة ثنية داخل النصوص تظهر بجلاء عند المبدعين ، ولا يضم الكون الأدبي مركزا واحدا فقط بل يحتوي عددا لا بأس به منها ، ثم أن هناك مراكز رئيسة ، وهناك فضلا عن ذلك مراكز صغيرة .

وليس التعرف على هذه الثغرة من قبل الأدباء مقصودا – ومصطلح القصد أو الوعي غير كاف لفهم هذه العملية ونحتاج إلى مصطلح آخر لا أريد البحث فيه الآن – فهم يعثرون بها ويقعون في شراكها دون أن يشعروا ، ودون أن يعلموا بأنهم إنما يكتبون عكس ما يريدون ، يقعون في شراكها بوصفها مقولة تعيش معهم وتشكل قلقا بالنسبة إليهم ومجال توتر لا يستطيعون مفارقته ، إذ يعايش الأديب اللغة ثم يكوِّن لها فكرة كلية يعتمد عليها في إبداعه فيكتب نصوصه على أساسها ولكن هذه الفكرة الكلية في الوقت نفسه ثغرة ينتقد بها اللغة نفسها ، فالأديب إذن يدق إسفينا في نعش يحمله .
تتيح هذه الثغرة للأدباء الجدد أن يكوِّنوا لهم أفكارهم الكلية من جديد عن لغة جديدة حتى يظهر أدباء آخرون يتناولون هذه الثغرة جاهزة ليصوغوا منها ثغرات جديدة .
لست متأكدا بعد عن دور الجدد الأوائل ، هل يمتلكون ثغراتهم أم أنهم بانتظار صياغتها ؟، أعني هل أنهم يعتمدون على النقض نفسه باستمرار أم أن بعضهم يعتمد على البناء فيما يقوم المتأخرون منهم بالنقض ؟ وهو سؤال يتعلق بالقطيعة والتواصل ومدياتهما .
جاءت النصوص الأدبية لتقوم على الاختلاف والتضاد لتفتح أفقا للتحول نحو مسارات أخرى ، والنص النثري الأول الذي يوفر لنا مساحة للتفكير في هذه القضية هو نص كليلة ودمنة لابن المقفع ولنأخذ مثلا على ذلك القصة الأولى التي وردت فيه وهي قصة الأسد والثور نجد أنها تقوم على ثنائية الظاهر والباطن فضلا عن ثنائيات أخرى ترافقت معها شكلت إطارات صياغية لها كثنائية الثبات والحركة وثنائية العقل والحمق وغيرها ، وقد قلنا بأن هذه القصة قامت على ثنائية الظاهر والباطن لأنها تتناول بالحديث مسألة الكذوب المحتال وكيف يفرق بين المتحابين بزعم الرغبة في النصيحة والمودة ، لقد تحلى دمنة بشكل ظاهري يوحي بالنصيحة والتقرب والمودة والإخلاص بينما كان يبطن الرغبة في التقرب من الملك والاستفراد به والحسد لكل من يقترب منه وخيانته .
وعلى الرغم من أن النص كان ميالا إلى تفضيل الباطن على الظاهر أو إلى المطابقة بينهما على الأقل فإن هذا التوجه عارضته اللغة التي ظلت مرافقة للظاهر ، فهذه الصياغة اللغوية الرفيعة والاعتماد في دلالات الألفاظ على المعنى الظاهر فقط دون الحاجة إلى الفكرة والتأمل والتأويل وعدم انفتاح النص على بعض التعدد في المعاني وتنظيم الكلام على وفق تهدج موسيقي ، كل ذلك كان يعني الاحتفاء بالصياغة اللغوية الظاهرية والاهتمام بموسيقى الكلام والابتعاد عن باطنية اللغة .
وأما الجاحظ فإنه اختار موضوع البخل بوصفه مبدأ نقديا تجلى في تلك السمة الأخلاقية الطبعية ومن الممكن لنا ان نفهم ان مفهوم البخل يمكن توسيعه ليشمل الاقتصاد اللغوي .البخل كمبدأ نقدي كان النقاد يقفون منه موقفا حرجا فعلى رغم أنهم كثيرا ما كانوا يعيبون على الأدباء المجددين خروجهم على النظام الجاهلي الأدبي المتمثل باللوحات الأدبية إلا أن جل نقدهم انصب على مقاطع من القصائد وعلى مقارنات جزئية بين الأمثال والآيات القرآنية والسجعات ، وإن التفضيل أصبح منصبا على تلك المقاطع التي يتبين فيها حديث الشاعر حول موضوع صغير ومحدد بحيث كان يجب على الموضوع أو الفكرة الواحدة أن تكتمل تماما في بيت شعري واحد فظهرت وحدة البيت الشعري مقابل وحدة القصيدة الجاهلية .
البخل إذن مبدأ نقدي عاش الجاحظ فيه موقفا مأزوما ، ففي الوقت الذي يساير فيه المقولات النقدية التي تحبذ الاقتصاد وتحبذ اكتفاء البيت الشعري بنفسه وتنظر إلى جماليات البيت الشعري الواحد بوصفه ممتعا ؛ نجده في المقابل يشن حملته على البخل بوصفه صورة من صور مقولاته النقدية ؛ ولست أزعم بأن الجاحظ كان واعيا بذلك بل أظن أن مقولة البخل طرأت على ذهنه بتأثير من الخطاب الذي كان مسيطرا والذي كان يريد الانفلات من سطوة البيت الجميل نحو النص الجميل ؛ أظن أن هذا الخطاب فرضته التركيبة الخطابية للغة وهي تقود المبدعين نحو تجاوز ما هم عليه دون أن يقصدوا ذلك .
ولكي يكون الجاحظ أمينا لموضوعه هذا تناوله من جميع وجوهه مقلبا إياه ظهرا لبطن ومتفحصا إياه ، ولذا قدم لنا مقدمة قال فيها بأنه سينظر إلى البخلاء وتبريراتهم ولم سموه إصلاحا واقتصادا ولم اهتموا بالمنع وسموه حزما ، ونحن نشم من هذه التمييزات أثر المناقشات العربية الفارسية حيث كان الفرس يحظُّون على الاقتصاد في مقابل الكرم العربي ويبدو الجاحظ هنا مدافعا عن العروبية في مقابل الشعوبية الفارسية ولكنه ينسى انه كان يحظى مع الفرس في تفضيلهم الأدبي على الاقتصاد اللغوي فهو الذي جعل الإشارة والاقتصاد بابا من أبواب البيان في كتابه (البيان والتبيين) بل جعله مفتاح أدبية النص الأدبي فقد تناول باب ما قل عدد حروفه وكثر عدد معانيه .وليس في ذلك تناقض بل هو الفكر الأدبي والخطاب اللغوي وهو يفتح لنفسه موقعا للهروب من شراكه القديمة نحو أدب جديد وخطاب جديد .
كما تقف مقامات الهمذاني الموقف نفسه ففي الوقت الذي كان موضوعها الرئيس فيه يدور حول التلون من خلال الشخصية الرئيسة في المقامات وهي شخصية أبي الفتح الاسكندري ، على الرغم من ذلك عمدت اللغة إلى التلون فهي لا تقصد موضوعها بشكل مباشر وتحتال عليه من خلال الالتفاف حوله نحو طرق أخرى للتعبير عن الموضوع ، وهذه الفرضية ، أعني ترك المباشرة والاتجاه صوب التلوين ، فرضية أدبية كانت قد برزت إلى الوجود منذ مجيء أبي تمام رائد التلوين الكبير ، وتبعه المتنبي الذي لوَّن نصوصه لتظهر بأكثر من شكل ، ومن هنا حيرة النقاد والمفسرين أمام نصيهما فقد تناولهما الدارسون كثيرا بالشرح والتفسير لأن النص الذي يكتبانه غير مؤطر تماما وغير واضح المعالم ، وهو مليء بالتلوين الأدبي ، فقد قيل أن ما جاء به أبو تمام هو مجرد الإغراق في المحسنات البديعية التي وجدها عند سابقيه ولست أريد أن أتفق مع ذلك الآن ولكنني أريد أن أشير إلى مسألة التلوين والتحسين والاهتمام بوجوه النص التي يجب أن تكون على صورة حسنة .
يلخص هذه الفكرة قول الإسكندري بطل المقامات :
ويحك هذا الزمان زور فلا يغرنك الغـــــــــــــرور لا تلتزم حالة ولكـــــــــــن در بالليالي كما تدور
لم تعد مسألة الظاهر والباطن عاملة بشكل فعال كما كانت عليه في عصر الجاحظ فأصبح الشيء متملكا لعدة وجوه في الآن نفسه وأصبح يمتلك جوهرا واحدا يستطيع التلاؤم مع الوجوه المتعددة ، والحقيقة أن عصر الجاحظ لم يكن يعترف بسوى الوجوه ولم يكن يرى بأن هناك جوهرا ما خلفها وكان يرى بأن كل شيء بارز على السطح وأن الوجوه المتعددة لا تدل على الشيء نفسه بل هي أشياء متعددة ، ومن هنا برزت إلى الأدب فكرة التلون ، ومن هنا أيضا هاجمها الهمذاني بوصفها فكرة مضللة في الوقت الذي كان فيه نمطه النصي متلونا .
وعندما يكون النص متلونا يكون قابلا للتأويلات المتعددة لأن اختيار الطرق الأخرى للتعبير عن الموضوع وأعني الطرق المجازية للغة تفتح أمام النص مجالات لتعدد المعاني ، والناقد الفطن هو الناقد الذي يستطيع القبض على جوهر متخف خلف بهرجات وتلوينات لغوية ، أصبحت المعرفة تمرينا للبحث عن هذا الجوهر خلف ستائر اللغة .
الجوهر محرك بحثي أصبح الكل منشغلا به ، حتى جاءنا ابن طفيل ليخبرنا عن قصة حي بن يقظان الذي فتش قلب الغزالة بعد أن توفيت ليتعرف على العلة التي قادت إلى موتها من خلال بحثه في جوهرها ولكنه أدرك أنه ليس هناك شيء مادي يمكن الحصول عليه في هذا الجوهر ، ولذلك سوف تتخذ المعرفة إطارا بحثيا آخر ولكنه إطار في البحث عن الجوهر الحقيقي ربما تمت تسميته بالحياة ولذلك أيضا كانت تسمية البطل بلفظ ( حي بن يقظان ) كان يتم التركيز على الحياة اليقظة بدلا من الحياة اللاهية المتلونة.