إعادة قراءة تاريخ الطائفة اليهودية في العراق (1)..يهود العراق : قراءة متأخرة لتاريخ مستعاد

25 فبراير، 2015
10

حفّزني على كتابة هذا المقال أربع مناسبات متتابعة، هي حسب الترتيب الزمني : صدور كتاب أوريت باشكين “البابليون الجدد” عن تاريخ اليهود في العراق الحديث، الذي يقدم مقاربة نقدية للرواية الصهيونية الرسمية لتاريخ الطائفة اليهودية في العراق وما يحيط بتهجيرها القسري، كما يقدم نقدا لطريقة تلقين الجيل الجديد المولود في إسرائيل حزمة المفاهيم المتعلقة بتاريخ يهود أوروبا وتطبيقه على سياق يهود العراق، وهو سياق مختلف تماما. 

والأهم في الكتاب من وجهة نظري انه يطرح سؤال الهوية لدى يهود العراق ويضعنا في قلب شعور أفراد الأقليات الدينية في العراق بهذا السؤال، وعلى نحو يرتبط بالتعايش في المثال الاول وبغياب الإحساس بالمواطنة في المثال الثاني. ففي الكتاب مقاربات في غاية الاهمية لأعمال المثقفين اليهود العراقيين تحلل من خلالها باشكين الوطنية العراقية من وجهة نظرهم، وطبيعة احساسهم بالعروبة من هذا المنظور الوطني بوصفها “تعايشا”، لذا اصبح التاريخ والتراث العربي الاسلامي هو تاريخهم وتراثهم.

 

وفي ذات السياق الذي يعيد قراءة تاريخ الطائفة اليهودية في العراق فإن المناسبة الثانية تنطلق من نجاح فيلم مطير الحمام، والعنوان الاصلي “المطيّرجي” اثناء عرضه في اسرائيل، وهو ما يعد مؤشرا على صحوة “روح جديدة” لدى اليهود العراقيين، فهولاء اليهود العرب الذين تحولوا الى “مزراحيم : يهود شرقيين” في ظل دولة اشكنازية الطابع يعيشون صحوة هوية ويعيدون قراءة تاريخ طائفتهم المتجذرة في الذاكرة العراقية.
الفيلم، ومن قبله القصة التي كتبها إيلي عمير (ولد في بغداد 1937) التي استغرقت بحثا وكتابة اكثر من عقد من الزمن تتناول فترة في غاية الأهمية في تاريخ الطائفة اليهودية في العراق، فترة الاربعينيات وبداية الخمسينيات (الفترة الفاصلة بين الفرهود وتهجير الطائفة اليهودية)، هاجرت عائلة الكاتب في 1950 مع اكثر من 140 ألف يهودي، وهي ايضا فترة فاصلة في بناء الدولة/الأمة من خلال صعود نخب عسكرية قادت البلاد الى مفترق طرق جديد، وهو ما تجسد في ما يعرف بحركة مايس 1941، واضفى طابعه الحاسم على الدولة بعد ثورة 1958 ولحين سقوط نظام البعث 2003.
يتناول “المطيرجي” هذه الفترة على نحو أخاذ، فالفيلم باللهجة اليهودية البغدادية وهي قريبة من لهجة اهل الموصل، الامر الذي يجعل منه قطعة حية من ذاكرة مفقودة و مستعادة. 
وسياق تناول : التمييز الاجتماعي، الفرهود، التهجير القسري، الاندماج، الريادة الاقتصادية، طبيعة المشاركة السياسية، اصبحت مسرحا للصراع بين قراءتين في داخل اسرائيل هي القراءة الصهيونية للتاريخ التي تحاول اثبات ان الفرهود كان معادلا للهولوكوست، وان تهجير اليهود كان حتميا في ظل اضطهاد اليهود، وفي مثل هذه الرؤية تصبح الحركة الصهيوينة خشبة الخلاص من شرور الحركة القومية العربية التي بدورها تصبح معادلا اقليميا للنازية.
أما الرؤية الاخرى التي يمثلها ابناء يهود العراق من الجيل الاول (شموئيل موريه، سمير نقاش، ساسون سوميخ، سامي ميخائيل، شمعون بلاص وآخرين) أو الجيل الثاني (إيلا شوحاط) او الثالث (الموج بيهار) فتقدم قراءة اخرى، يتضح من خلالها أن الفرهود لا يمكن مقارنته بالسياق الذي انتج ليلة الكريستال Kristallnacht (ليلة الزجاج المكسور) في ألمانيا النازية 1935 التي دمر خلالها أكثر من 500 من المعابد اليهودية ونهبت ودمرت فيها مئات المصالح الاقتصادية و الشركات اليهودية. وهو ما سوف اتناوله بشيء من التفصيل تباعا في مقالات متسلسلة.
تتمثل المناسبة الثالثة بصدور (اثنان) وهي انطولوجيا ثنائية اللغة للادب العربي والعبري الشاب والمعاصر، عن دار كيتر، 2014، اسهم في تحرير الانطولوجيا “آلموج بيهار” وهو ناشط وشاعر يمثل الجيل الثالث من يهود العراق المنتمين الى “روح حية” جديدة تناضل من اجل استعادة هويتها العربية في محيط تمييزي مركب، وقد كنت شغوفا في الاعوام الماضية بمتابعة اعماله القصصية والشعرية.
أهمية الانطولوجيا يصوغها تساؤل المقدمة : هل في هذا الوقت الرّاهن من النّزاع والصّراع، المستمرّ والمتراكم في قلب اللّغتين نفسيها، أُذُن مُتَفَرِّغة لِسَماع الشّعر والقصّة بلغة من اللّغتين العربيّة أو العبريّة؟ 
هذه ليست نصوصا ادبية بحتة يمكن عزلها عن الصّراع القائم، فالأدب حسب ما تذهب اليه المقدمة يمكنه أن يعبّر عن شيء من هذا النّزاع والصّراع القائم، وعليه ينبغي أن تتمّ قراءة هذا الأدب من داخل هذا الصّراع واللّقاء المتخبّط بين اللّغتين! 
وبالرغم من أن انطولوجيا (اثنان) لا ترفع سقف هدفها الى الادعاء بأنّها بديل “للصّداقة والشّراكة”، أو استمرار مباشر للماضي الطّويل نفسه من “الحياة والعيش معًا” الّتي يتحدّث عنها نجيب محفوظ، أو تخفي التمني الذي تنطوي عليه كلمات محمود درويش “إنّ معرفة الشّعر ستقرِّب تقلُّب القلوب للإيجاب حتمًا”، فإنها تنطوي على هدف أكثر “تواضعًا” يتمثل بتقديم أنطولوجيا عبريّة- عربيّة ثنائيّة اللّغة لنصوص نثريّة وشعريّة لمؤلّفين شباب، يهود وعرب، وتعرِض عيّنة مِنَ الكاتبات والكتّاب والأعمال الأدبيّة المعاصرة باللّغتين، فقد كانت مشاريع التّرجمة السّابقة، غالبًا، باتّجاه واحد (أي ترجمة مِنَ العربيّة إلى العبريّة فقط، أو مِنَ العبريّة إلى العربيّة)، وتمركزت في الأجيال السّابقة في الأدب (ترجمة بياليك للعربيّة، ترجمة محمود درويش للعبريّة)، وأهملت الأدب المعاصر. (من مقدمة الانطولوجيا)
أما المناسبة الرابعة فتتمثل بزيارتي للعمارة، بدأت بزيارة كنيسة “أم الاحزان” شبه المهجورة وكنيسة “مار يوسف البتول” للسريان الكاثوليك المتآكلة الجدران، التي قامت عائلة حنا الشيخ الشهيرة بتشييدها في أربعينيات القرن الماضي، وانتهت جولة اليوم الاول بانطفاء الامل بهذه العلامات المضيئة في تاريخ العمارة، فذاكرة هذه المدينة التعددية بسكانها من مسلمين ويهود ومسيحيين ومندائيين الذين كتب عنهم “نجم والي” رواية متميزة حملت عنوان “ملائكة الجنوب”، قد ختمت بمنظر قبيح كالح، فما تبقى من المعبد اليهودي قد تم الاستيلاء عليه وتهديمه وتشييد محال ودار سكن في مكانه. لم يتبق من تاريخ الطائفة اليهودية العريق في ميسان سوى جدار ضخم يسند البناء القبيح المنشأ حديثا للشخص الذي وضع يده على المعبد بكل بساطة. 
وذكر لي احد الجيران ان كتبا قديمة ومخطوطات قد ألقيت في النفايات قبل ان يتم إحراقها. اصطحبت صديقا فضّل ان نمرّ في المساء ونتسلل تحت جنح الظلام لتصوير الجدار الوحيد المتبقي من المعبد، فهو يخشى بطش الـ”هولاء” ، لذا توقف على بعد عشرين مترا في حين رحت أتأمل بقايا الذاكرة المتشظية.
من هنا مر القديس اليهودي “العزير” الذي ما يزال مقامه منتصبا في الناحية المسماة باسمه على بعد 70 كم من مدينة العمارة، وعاش هنا لعقود “داوود كبّاي” أشهر أطباء مدينة العمارة الذي كان أشبه بنبي مزود بمعجزات ويقدم خدماته مجانا للفقراء والمعدمين من أهالي العمارة (قيل انه كان يصرف لهم الدواء من جيبه)، ونجح في ارجاع البصر لفتاة عمارتلية عمياء، فتحول في مخيال الناس الى نبي متأخر يواصل مسيرة قديسه السابق “العزير” في شفائه للمرضى واجتراحه المعجزات. 
وتمسك بالبقاء مع مرضاه بالرغم من التهجير القسري لليهود على يد حكومة العراق الملكي، وبرغم توالي الانظمة الجمهورية العسكرية والتهجيرات القسرية والحروب العبثية، ظل هذا القديس العمارتلي يخدم مواطنيه بحماسة وتكريس للذات، وعند انتقاله قسرا الى بغداد ظل يستقبلهم يوميا في البتاوين الى ان اضطره البعثيون في بداية السبعينيات للهرب قسرا الى خارج الوطن. 
جعلتني هذه المناسبات الاربع اعيد التفكير بتاريخ الطائفة اليهودية في العراق مع هاجس بقراءة استعادية، موقناً بأننا لم نجرِ لحد هذه اللحظة مراجعة شاملة لفقدان اقدم جماعة يهودية في الشرق الاوسط، الامر الذي يضعني في احتكاك مباشر بأحد أهم القضايا المرتبطة بتاريخنا المعاصر وتاريخ الطائفة اليهودية في العراق، المتمثل بـ”تهجير اليهود”. 
لكني قبل ان اخوض في هذا النقاش المضفور بذاكرة ملتبسة ومذعورة، قد لا يكون مجديا الاشارة الى ان هذا النقاش لم يبتعد داخل العراق او خارجه عن تأثير التناول الايديولوجي طوال العقود الماضية، مثال ذلك سلسلة الكتب الدعائية الصادرة عن رجالات الموساد منذ خمسينيات القرن الماضي التي تتحدث عن (سفر الخروج الجديد) وتضفي هالة أسطورية على نضال هولاء من جهة، وعلى واقع التمييز ضد يهود العراق الذي يتم تصويره كتمهيد لهولوكوست مفترض. 
يشجعني على هذه المراجعة التي لا تمثل سوى خدش في جدار، نمو (روح حية) لدى الجيل الجديد من يهود العراق الذي بدأ بمراجعة تاريخ الطائفة واسباب تهجيرها القسري، مقدما نسخة مستقلة ومنفصلة عن السياق الرسمي للتلاعب بطائفة متجذرة في العراق، كما في قيام الجيل الاول بكتابة مذكرات تؤكد هويتهم العربية التي غيبت في ظل استخدام لفظ بديل هو “المزراحيم”.
وفي ظل الظروف التي يمر بها العراق اليوم، لا يغيب عن مثل هذه القراءة الاستعادية تناول السياق العالمي، فقصة تهجير يهود العراق تضرب كمثال على ارتباط تحول المجتمعات في الشرق الاوسط بالصراع الدولي أثناء الحرب العالمية الثانية، فكان فقدان واحدة من أقدم الجماعات اليهودية في الشرق الاوسط وانفراط تعددية المجتمع العراقي، مرتبطاً بأحداث صراع النفوذ بين القوى الكبرى التي تعيد رسم خريطة مجتمعاتنا اليوم.
صعود النازية الألمانية في اوروبا، وظروف الصراع الدولي بين الدول الأوروبية الكبرى في الحرب العالمية الثانية، كما في تأسيس دولة اسرائيل في الشرق الاوسط وتوجه الصهيونية نحو يهود الشرق الاوسط بعد (الهولوكوست) لملء الفراغ الذي نجم عن إفناء اليهود الأوربيين من أجل توفير مادة خام بشرية جديدة للدولة الجديدة، جميعها ترسم خلفية مشهد انفراط التعددية في الشرق الاوسط. 
أكثر من ذلك، فإن تهجير يهود العراق يفتح الباب لقراءة تاريخ تلك الفترة المعقدة وتبديد الأوهام والأساطير من خلال مناقشة فرضيات حول المسؤول عن التهجير 1950- 1951 وما اعقبه من “فرهود رسمي” من قبل حكومة العراق الملكي، وقبل ذلك عن “الفرهود الآخر” الشهير الذي طال يهود بغداد 1941، وشكل ذاكرة تم التلاعب بها لصالح نسخة محددة من التاريخ أعيد سردها من منظورات مختلفة لتخدم أغراضا سياسية، فأصبح عام 1941 نقطة تحول مفصلية في تاريخ يهود العراق وسرد قصتهم من منظور الحركة الصهيونية التي تمثل القومية اليهودية، كما أصبح بذرة لانطلاق الحركة القومية العربية في العراق حسب القراءة البعثية. 
هناك، إذن، قراءتان متقاطعتان للتاريخ في الماضي، وهنا في الحاضر قوى لاستعادة ذلك التاريخ، فقد أصبحت تلك الفترة بالذات نقطة انطلاق لروح جديدة لدى يهود العراق في اسرائيل، تخوض نضالاً في ظل صحوة هوية لاستعادة ثقافتها العربية، يمثلها اليوم الجيل الثالث من يهود العراق. فما أحوجنا نحن في داخل الوطن لتقديم إعادة قراءة مماثلة لكي نفسر تمزق الحاضر، ونحلل أسباب فشل الدولة الوطنية في فترة ما بعد الاستقلال في تحقيق توازن بالعلاقة بين الدولة والمجتمع، مفرزة نماذج سلطوية في الحكم أدّت بنا الى الدمار. 
يمهد هذا الفشل لإعادة ترسيم خرائط بلداننا على نحو جديد، وإعادة هندسة مستقبل أجيالنا من قِبَل قوى عالمية وإقليمية، ففي سياق الفوضى التي أعقبت الاحتلال الاميركي للعراق 2003 وعلى خلفية الحرب العالمية على الإرهاب التي انطلقت بعد احداث 11 ايلول 2011، وظلها المنسحب اليوم في حرب التحالف الدولي ضد ارهاب مقاتلي الدولة الاسلامية في العراق والشام المعروفة بـ”داعش” 2014، يعاد رسم خريطة الشرق الأوسط مجدداً، على نحو يهدد ما تبقى من تعددية في الشرق الاوسط، وهو ما ترسمه هجرة أقليات العراق من مسيحيين ومندائيين وإيزيديين وغيرهم من الجماعات الإثنية.