رسائل:إلى وزيرة الدولة لشؤون المرأة

25 فبراير، 2015
8

تقبّلي تحياتي واحتراماتي :
اطلعتُ على خبر مشاركتكِ باجتماع اللجنة العليا للنهوض بواقع )المرأة الريفية( .لا شك أنكِ واللجنة قد أنفقتما فسحة غير قصيرة من الزمن في هذا الاجتماع رغم انني ما شعرتُ بأي صورة إيجابية من خلال الخبر القصير المنشور عن الاجتماع .
أقول، أولاً، إن تجارب عمل (وزارة المرأة) في الدورات الحكومية المتعاقبة منذ عام 2003 لم تتميز بأي يقظة ذهنية تتعلق بحقوق المرأة . ما وجد أحد من المواطنين أو المواطنات أية إنجازات حقيقية جميلة تركت، أو ستترك، أثراً مدنياً أو حضارياً يتخصص بدور ومكانة وحقوق المرأة العراقية أو يمنحها حضوراً كلياً أو جزئيا في النموذج الديمقراطي العراقي المعلن . لم تكسب المرأة أي تطور جوهري من وجود وزارة تحت عنوان (وزارة المرأة). مرّ هذا المنصب مروراً عابراً لم يستطع أن يعمّق شعور الشعب العراقي ولا الدولة العراقية بــ(حقوق المرأة) .
ربما كانت موجات نزوح اكثر من مليوني مواطن بعد 10 حزيران 2014 وما قبله قد زادت في معاناة المرأة المدينية ، مما يجعلني ويجعل الكثير من المراقبين أمام سؤال صعب هو: هل تستطيع وزارة المرأة أو لجانها العليا أن تقدم أي ذخيرة حقوقية مهيبة أو حتى أية حقوق إنسانية بسيطة للمرأة الريفية، التي كانت وما زالت تعاني اقسى حالات التخلف والعنف، الناتجة عن الحرمان من الزراعة المتطورة ومن التصنيع الزراعي. لم يبق في الريف العراقي، كما تعلمين، غير عذاب البشر وهوانهم .
أقول ، أيضاً، إن تغيير حياة النساء الريفيات لا يتحقق بإنشاء (دولة اللجان) و(دولة الاجتماعات) بل ببناء (دولة المؤسسات) بمشاهد فعالة من الإلمام بفنون تقسيم العمل واعتماد تكوين فكري تربوي لا يغفل الزمن ولا يغفل تجارب وتطور المرأة الريفية والمدينية معاً. أنا يا سيدتي اقيم الآن في ريف مدينة لاهاي حيث لا توجد وزارة للمرأة لكن مدينتي الصغيرة أكثر عمرانا وحضارة ورفاهية من أي مدينة عراقية كبيرة ، لأن شعار جميع أعضاء المجتمع ، هنا ، هو : كل ساعة واحدة من (العمل المنتج) خير من ألف ساعة من (اجتماعات اللجان). كما أن كل امرأة ريفية عاملة في هولندا الرأسمالية متدربة تدريباً علمياً واسعاً على اتقان العمل المنتج لتمدين الريف وتطوير بيئة العيش فيه وتفجير الطاقات النسوية الإبداعية في العمل اليومي.
أتمنى لكِ ولوزارتكِ، أيتها السيدة الوزيرة، أن تتوفر أمامكِ: الإرادة في العمل، والوحدة في الحركة ،والحرية في الالتزام ، وامتلاك معارف وتجارب الشعوب المتقدمة ، بالاعتماد على ذوي الخبرة في الريف العراقي وعلى كفاءات الدارسين والباحثين في شؤون تطويره لخلق نموذج قوي وفريد في العلاقة بين وزارة المرأة والريف العراقي البعيد عنها والمليء بالآفات النفسية والجسدية والعصبية والاجتماعية ، مما يتطلب أن يكون عمل الوزارة ولجانها لا يصطبغ بحالات الاجتماع الروتيني المجرد، الاسبوعي او الشهري او الموسمي، بل في وضع الخطط الفورية واليومية، القادرة ،حقاً، على تعبئة وتفجير الطاقات الهائلة الكامنة لدى المرأة الريفية .
اسمحي لي ،ايتها السيدة الوزيرة، بتذكيركِ أن الريف العراقي كان وما زال يجسد جميع الأسس الصلبة لموروثات العنف والتخلف في حياة المرأة ،بل يمكنني القول إن هذا الموروث يولـّد التصورات الأبدية عن (السلطة الذكورية) الأبدية، التي تصنع نوعاً من أخلاقية سلبية تنتقل إلى المدينة في نهاية المطاف، مما يؤثر تأثيراً بالغاً ومباشراً في تأخير صيرورة مجتمعنا مدنياً .
إنّ عملية تغيير مجتمعنا لا يمكن ان يتم بتشكيل (اللجان) ، هنا أو هناك، وعقد (الاجتماعات الروتينية) ،التي لا تملك أي شكل من أشكال القوة التنفيذية الجماعية مثلما برهنت الاعوام العشرة الماضية . كما أن صور ميثولوجيا اللجان والاجتماعات لا تؤمّن لبلادنا نموذجاً ايجابياً أو رمزياً لاندماج المرأة ككل في صنع القرار السياسي – الاجتماعي، الضروري لإدخالها في عملية تغيير الواقع النسوي المتخلف. تحتاج وزارتكم أول ما تحتاج إليه هو توليد إرث جديد يقوم على شرعية نوعية متجددة للحركة النسوية العراقية، وفقا للحرية الواعية ، وللثورية النشيطة، وللتجديد التفاعلي المتبادل بين الدولة ومنظمات المجتمع المدني.
ألا تعتقدين ،سيدتي الوزيرة، أن اعتماد العمل الوزاري على (اللجان المجردة) وعلى (اجتماعات روتينية) يبقى أمراً نمطياً مرهقاً حيث الجدال والمناقشات يصبحان مضيعة للجهود لا تستطيع فيها وزارتكم أن تتفوق على الوقت وتنتصر عليه تماماً، مثلما ضاع زمان طويل في الحكومات السابقة، بلا أي دلالة على تقدم المرأة، لا في الريف ولا في المدينة.
تقبلي ،ثانية، يا سيدتي ،احترامي وتحياتي.