نساء بغداد يتحدين الظروف الصعبة ويطالبن بحرية واحترام المرأة في المجتمع

3 مارس، 2015
59

 

تحقيق – فرح عدنان – بغداد

 

 قسوة الحياة في العراق، خلق تحدياً كبيراً على العراقيين جميعاً، خصوصاً النساء في مواجهة ظروف البلد، فالمرأة العراقية لا تواجه فقط خطر المفخخات والانفجارات، تواجه أيضاً انتشار التنظيمات الإرهابية ذات الأفكار المتشددة التي تُرهب المرأة في العراق، مع سيطرة بعض العادات والتقاليد الموروثة التي ظلمت وما زالت تظلم المرأة العراقية في الكثير من النواحي، على الرغم ما يكفله الدستور العراقي من الحق للمرأة في الحياة والحرية، والابتعاد عن السخرية والعبودية والتمييز ضدها.

تحدثت مع مجموعة من النساء في بغداد، يمتلكن الإصرار في تحدي وضع البلد الراهن، فابتدأت الحديث مع شيرين آدم، (اسم مستعار)، 14 عاماً، طالبة مدرسة، من منطقة الدورة، جنوبي بغداد، وهي من المناطق التي عانت وما زالت تعاني من الخطف والانفجارات قائلة-:

حق ممارسة الحرية

” أنني دائماً أرفع شعار (أريد أن أعيش شبابي)، وهذا أبسط شيء أريد أن أحققه، مع حق ممارسة الحرية، لأن الكبت والصمت والقيود المفروضة علينا بسبب الأوضاع التي نعيشها، ستقودنا إلى حالات نفسية ومرضية لا نحب أن نصل إليها، إننا نطالب بفرض وتطبيق القوانين التي تنصف المرأة العراقية وتعطيها حقوقها كاملة، منها حق ممارسة حريتها أينما تكون من دون تعدي الآخرين عليها، ومن ضمن هذه الحريات، حرية المرأة المحجبة وغير المحجبة في أن تختار وترتدي الملابس التي تريد، خارج البيت “مادام لا ينافي الآداب العامة”، من دون أن تكون مقيدة أو مجبرة في اختيار الملابس، خوفاً من التعرض إلى العنف الأسري في البيت من الأب أو الأخ، أو التعرض إلى المضايقات اللفظية والتدخل والتحرش في الشارع وأماكن العمل والدراسة، وهذا لا يتحقق إلا بفرض القوانين التي تحاسب وتعاقب أي شخص تسول له نفسه استخدام العنف ضد المرأة، وممارسة التحرش اللفظي البذيء والجسدي”.

 حرية الملابس لكل فتاة وسيدة وتوفير فرص العمل

من الواضح أن شيرين لم تكن هي الوحيدة التي طالبت بفرض القوانين التي تكفل حق حرية المرأة، وإنما بسمة عبد الحميد، 27 عاماً، موظفة ترتدي الحجاب، عزباء، تسكن منطقة حي أور، شمال شرقي بغداد، طالبت بتشريع قانون يكفل حق ممارسة المرأة العراقية حريتها، من ضمنها حرية اختيار الملابس، من دون أن يتعدى أحد على ذلك، مثلما نجده في بعض أماكن العمل من تدخل ومضايقات وتعدي على خصوصية المرأة، فنتيجة ذلك، تكون المرأة مقيدة في اختيار الملبس، وعادة ما تلجأ إلى ارتداء الحجاب، ليس عن قناعة دينية وإنما خلاصاً من هذه المضايقات، كذلك توفير فرص عمل للكثير من السيدات العاطلات عن العمل اللواتي يتحملن مسؤولية عائلة بأكملها.

هجرة خارج العراق

سألت بسمة، إذا تسنت لكِ الفرصة والهجرة خارج العراق، هل تهاجرين؟، كانت إجابتها “بالتأكيد لا أهاجر وأترك بلدي وذكرياتي، صحيح لا أستطيع أن أحقق حريتي وكل ما أحلم به هنا في العراق، لكن إذا صبرت وتحملت وتعبت سوف أستطيع أن أحقق ولو جزء من ذلك، ربما البعض سوف لا يؤيدني، والدليل الكثير من شبابنا تركوا العراق وهاجروا إلى بلدان أخرى، لكن أنا متأكدة أنهم يعانون من الغربة والمعيشة الصعبة، وفي أحيان كثيرة يعانون من “المذلة”، فالكثير من شبابنا لا يمتلكون الصبر، لأنه بالصبر والتحمل ممكن أن أحقق الكثير، وبالنسبة للموت مثل ما يقول البعض أنه ممكن أن يدركنا في أي لحظة هنا في العراق فإنني أقول لهم (أينما تكونوا يدرركم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة)”.

 

أحلام الشباب مدفونة

 

هديل خالد، 23 عاماً، موظفة، عزباء، من سكنة منطقة حي أور، من الشابات الطموحات والمتحمسات جدا،ً وذات شخصية جريئة، وهي الوحيدة من بين النساء اللواتي تحدثت معهن، وافقت على أخذ صورة لها، وأخبرتني أنها تحلم بالهجرة خارج العراق وإكمال دراسة الماجستير، مشيرة إلى أنه “أحلامي وأفكاري لا تواكب الوضع في العراق، فأحاول قدر الإمكان في السعي للهجرة، لأن أحلام الشباب مدفونة هنا بسبب أوضاع البلد”. وبعد حديث قصير مع هديل بشأن هجرة الشباب العراقيين إلى الخارج، أخبرتني أنها لا تريد أن يندثر شبابها هنا في العراق، لافتة إلى أنها “تحاول رمي الواقع المفروض خلفها لتستطيع إكمال حياتها طبيعياً”، مضيفة أنه “عندما أقول أنني في العراق أعيش حياتي طبيعياً، هذا بالنسبة لي وللفتيات اللواتي من عمري، بينما لو قارنا حياتنا هنا مع أي دولة فلا أستطيع أن أقول أنني آخذة جزء من حقي كإنسانة قبل أن أكون فتاة”.

ارتداء الحجاب بسبب الظروف

 

بعد أحداث 2003، ودخول القوات الأميركية إلى العراق وحدث ما حدث في البلاد، أصبحت نسبة كبيرة من الفتيات والنساء العراقيات يرتدين الحجاب ليس عن قناعة دينية وإنما خوفاً من الأوضاع، وهديل واحدة منهن، حيث قالت “إنني ارتديت الحجاب ليس عن قناعة دينية، وإنما بسبب ظروف البلد وحالات الخطف، كذلك بسبب مجتمعنا، ففي سنة 2008، كان الوضع معقد جداً من تهديد للنساء غير المحجبات، وخطف الكثير منهن، فتحدثت والدتي معي، ونصحتني أن ارتدي الحجاب خلاصاً من الوضع، فارتديت الحجاب بقناعة المجتمع وليس بقناعتي”، مضيفة إنه “مع الأسف هنالك بعض العقول المتخلفة التي تعتقد أن الفتاة التي لا ترتدي الحجاب تتقبل أي مضايقة أو تحرش، وهذه الأفكار في تزايد مستمر خصوصاً في المناطق الشعبية، صحيح أنا أتعرض للتحرش لكن بنسبة أقل من (السافرات) أي غير المحجبات”.

 

 

 

 

 

طالبات الجامعة

 

شمس سمير، 20 عاماً، طالبة جامعية، عزباء، من سكنة منطقة الدورة، تقول إن “أوضاع بلدنا وبعض الأعمال الإرهابية التي حدثت في الكثير من الجامعات العراقية، في الفترة السابقة، والتي أوديت بحياة الكثير من الطلبة، أصبح دائماً ينتابني شعور بأني هل سأكون واحدة من هؤلاء الطلبة الذين يقتلون بلا ذنب؟، لكن مع ذلك الحياة مستمرة، ولا نحتاج إلى أن نهاجر خارج العراق هرباً من الوضع، فالأمر فقط يحتاج إلى تحدٍ، وأنصح الفتيات والنساء العراقيات بصورة عامة (تحدوا الوضع)، وعيشوا حياتكم مثل ما تريدون، ولا ترضوا بالزواج المبكر والبحث عن الرجل الغني، مثلما تفعلن بعض النساء، للارتباط به خلاصاً من الوضع، فالأمل موجود دائماً، الله سبحانه وتعالى موجود دائماَ، وأتمنى وأطلب من رئيس الوزراء، فرض القوانين التي تقدر وتحترم المرأة العراقية بكل معنى الكلمة، احترامها في أي مكان تتواجد فيه، ولا أن ننظر إليها على أنها شيء نخجل منه، وأطلب أيضاً من العبادي مساواة المرأة العراقية بالرجل خصوصاً في أماكن العمل”.

المعاناة في الانبار

ريم صبري، (اسم مستعار)، 22 عاماً، طالبة جامعية، عزباء، من سكنة منطقة العامرية غربي بغداد، وهي من المناطق التي شهدت اضطرابات أمنية عديدة منذ الغزو الأميركي على العراق، ريم تدرس في جامعة الانبار، كلية التربية، وهي الآن في المرحلة الأخيرة من الدراسة، فكانت معاناتها من نوع أخر بسبب الأزمة في الانبار التي تشهد تنظيم ما يعرف بـ(داعش)، ريم تحدثت عن معاناتها في أثناء تنقلها من بغداد إلى الانبار للدراسة قائلة “لقد بدأت أذهب إلى المحافظة سنة 2010، وتقريبا شاهدت وعشت الأوضاع هناك منذ بداية الأزمة في الانبار، كذلك واجهت صعوبة في تكيفي مع مجتمع أهلنا هناك، لأنه مجتمع يحكمه العرف والعادات، وبيئتهم تختلف عن بيئتنا في بغداد، وكطالبه واجهت صعوبة في سكني في الأقسام الداخلية، بسبب الأزمة بالمحافظة، متحملة صعوبة الطرق ونقل أغراضي من بغداد إلى الانبار، وفي بعض الأحيان كنت اقضي في السيطرة العسكرية الواحدة في الشارع ثماني ساعات، وفي المرحلة الثالثة من دراسة الكلية توفي والدي، فأصبحت معاناتي أشد وتحمل مسؤولية أكثر لأنني أكبر أخوتي”.

 

اتحدن لمواجهة تقسيم البلد

“عائلتي تعيش ما بين القلق والرعب في أثناء ذهابي إلى الانبار، بسبب الأوضاع هناك، خصوصاً لأني بنت، وأكثر من مرة قدمت طلب نقل دراستي إلى بغداد، لكن الجامعات العراقية كانت ترفض هذا الطلب”، هكذا استكملت ريم شرح معاناتها في الانبار، وأشارت في الوقت ذاته إلى أن “جميع العراقيات تعودن على ظروف البلد من تفجير وقتل وخطف وتهجير، لكني سوف أتحدى وأواجه جميع هذه الظروف لإكمال دراستي وحياتي وطموحاتي، وأقول لكل عراقية، تحدي واجهي الظروف ولنضع أيدينا بأيدي بعض لمواجهة كل من يريد تقسيم البلد، ولنضع بصمتنا نحن النساء العراقيات في بناء العراق، رغم كل شيء أنا متفائلة دائماً ولدي الأمل في الحياة، وأطلب من السيد العبادي أن يغير مجتمعنا من ذكوري إلى مجتمع مساوي بين المرأة والرجل، وأن يضع القوانين التي تحمي المرأة وتقدر مكانتها في المجتمع”.

الأوضاع في كركوك

سهير محمد، (اسم مستعار)، 32 عاماً، ربة بيت وأم لثلاثة بنات، من سكنة بغداد، لكن في أثناء زواجها انتقلت مع زوجها للعيش في محافظة كركوك، وتحدثت قائلة “إن الأوضاع في كركوك غير جيدة أبداً، عمليات خطف منتشرة، قتل وتفجير، فصعب علي كامرأة أن أحصل على حريتي وأتنقل وأذهب وأمارس حياتي كما أريد سواء في كركوك أو في العراق عموماً”، مضيفة أن “المرأة العراقية مظلومة جداَ، فما عدا ظروف البلد التي نعيشها، مجتمعنا مجتمع عشائري، الرجل العراقي عبارة عن تقاليد متوارثة من الأهل، وهكذا نحن في دوامة مستمرة، المرأة العراقية تعاني هنا من عدم التقدير والاحترام بكل معنى الكلمة، ولا أتمنى لبناتي عندما يكبروا أن يتلمسوا هذا الشيء، وأطلب من رئيس الوزراء، حيدر العبادي، أن يجعل العراق مثل دولة الأمارات، لأنها برأيي من أكثر الدول العربية، التي تقدر مكانة المرأة في المجتمع، وتفتح أمامها العديد من المجالات”.

أوضاع العراق سببها بعض الدخلاء والسياسيين

منار مصطفى، (اسم مستعار)، 40 عاماً، ربة بيت، عزباء، من سكنة منطقة زيونة (التي تعد من المناطق الراقية في بغداد)، قالت إن “الأوضاع في العراق تعودنا عليها، لذلك أنصح جميع النساء العراقيات عيشوا حياتكم، لا تدعوا أحلامكم وعمركم يضيع هدراً بسبب الأوضاع التي خلقها بعض السياسيين والدخلاء على بلدنا، الأمر يحتاج إلى تحدٍ، وكل ما أطلبه من رئيس الوزراء، أن يضع القوانين التي تحمي المرأة من العنف والاضطهاد والتحرش الجنسي”.

السياسيون والتشدد الفكري

سهام سالم، (اسم مستعار)، 65 عاماً، ربة بيت، أرملة، لديها ستة أولاد، من سكنة منطقة زيونة، قالت “إنني عشت كل التجارب التي مر بها العراق من حروب وحصار ودمار، والآن العراق يمر بأسوأ حالاته، الكثير من الشباب هاجروا وتركوا البلد، الكثير من الشابات هنا يبحثن عن أي فرصة لخلاصهن من هذه الأوضاع، فالبلد الذي يدخل فيه الطائفية، يذهب إلى الهاوية من دون رجعة، ولا يستعيد عافيته إلا إذا انمحت الطائفية والقتال على (الكرسي)”، مشيرة في الوقت ذاته، إلى أن “بعض السياسيين الذين يحكموا العراق، أفكارهم متشددة خصوصاً تجاه المرأة، وهذا بحد ذاته يعد أمراً خطراً، لأنه سوف ينعكس سلباً على الشعب، من خلال تفشي الجهل وقلة الوعي في كيفية التعامل واحترام مكانة المرأة في المجتمع”.

إن هذه الفئة القليلة من النساء اللواتي تحدثت معهن، تمثل عينة بسيطة للكثير من النساء العراقيات، اللواتي يتحدين ظروف العراق الصعبة، واللواتي يجمعهن مطلب واحد من رئيس الوزراء، حيدر العبادي، وهو حق ممارسة الحرية للمرأة العراقية، وتقدير مكانتها واحترامها أينما تكون في البيت والشارع ومكان الدراسة والعمل، لذلك نناشد ونطلب من السيد رئيس الوزراء أن يسمع صوت المرأة العراقية دائماً، ويفرض القوانين التي تحميها وتعطيها حقوقها كاملة وتحافظ على مكانتها في المجتمع العراقي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التصنيفات : تقارير وتحقيقات