المواطنة والتحديات الجديدة في العراق / د . رزاق محمود الحكيم

24 مارس، 2015
78

 

تعاقبت على العراق عبر تاريخه الطويل حضارات متعددة، ودول وحكومات تركت بصماتها على شخصية المواطن العراقي وطبعتها بطابع الجدية والرزانة والنظرة الموضوعية والمتبصرة للحياة والكون والإنسان ، ولم يزل العراق يستقطب الناس ، ويغريهم بالهجـــــرة إليه والاستقرار فيه، بما يمتلكه من طاقات وثروات طبيعية ساحرة ومياه متدفقــة ، حتى استقرت فيه أجناس وأعراق متعددة ، مثل العرب والفرس والهنــــــود والأتراك وغيرهم ، فكان هــــذا الامتزاج الحضاري والفكري بين هــــــذه الأمم سبباً آخر من اسباب ازدهار الحيـاةالفكرية والاجتماعية والعلميـــة ، نضيف إلى ذلك التشكيل الحضــــــاري والإنساني تنوع الديانات ، وتعاقب الأنبيــــاء والرسل والفلاسفة، ومن هذا التنوع اللغوي والفكري والاجتماعي والديني تشكلت شخصية الإنسان العراقي ، ومنحته قوة وثقة في النفس وارتباطاً بالأرض والموروث والوطن ، كمــــا منحته إرادة وقــــوة في الصبر والجلد والتواصل في مواجهة تقلبات الزمن، وتعاقب الأحداث فكان هـــذا شاهــداً آخــــر على قوة شخصيــة المواطن العراقي المرتبط بأرضه ومجتمعه وإرثه الفكري والثقافي منذ العصر البابلي مروراً بالعصــر الإسلامي والعباسي والعثماني إلى العصر الحديث وقد تمكن الشاعر محمد مهدي الجواهري أن يؤرخ تاريخ العــــراق الحضاري في أبيات . قال مخاطباً بغداد :

يادارة المجد ودار السلام           بغــــداد ياعقداً فريد النظام

    ياأم نهرين استفاضا دمــاً           ونقمة من عهد سام وحام

    وبابل تضـــم كل اللظى           وسحرها يجذب كل الأنام

    وعهد هارون وفي ملكه           غمامة تصيب كل الأكـــام

    وماذا بعد أليس هـذا التنوع الفكري والحضـــاري والثقافي زاداً فكرياً متنوعاً ، غذى وجدان الإنســـان العراقي ، ومنحه الثقة في النفس ، وجعله يقاوم تقلبـات الزمن ، وتعاقب العصور ؟ كما شهد تاريخ العراق الحديث بعد الحرب العالميــــة الأولى أحداثاً صعبــــة عصفت بالحيـــــاة الاجتماعية والاقتصـــــادية  ، متمثلة عاى وجه الخصوص بالاحتــــلال البريطاني البغيض ، ولم تمض سنتان على  الاحتـــــلال حتى هب الشعب العراقي في ثورة شعبيـــة عارمة رافضاً الاحتـــــــــلال الأجنبي كان ذلك عـام 1920 وقد عرفت تلك الثـورة تاريخياً باسم ثورة العشرين، وأهــــم ظاهرة شعبية ميزت تلك الثورة هي التلاحــــم الجماهيري والوحـــدة الوطنيــــــــــة ، والتنظيم الثوري ، والتحدي ، والصبـــر والجلــــد والتواصل ، بحيث امتدت إلى كل مدن العراق وتكاتف كل العراقيين بمختلف الأعراق والديانات والمذاهب وشعر الجميع أن الخطر المحدق بهم لايفـرق بين عربي أو كــردي أو تركماني ، أو بين مسلـــم ومسيحي ، أو بين سني وشيعي ، هكذا سجلت هــذه الثورة الشعبية ملحمـة البطولة الخالدة ، وكان النصر حليفها ، وتشكلت حكومــــة عراقية  ومجلس أمة وتفرغ الجمـيع إلى بناء هـيـاكل الدولة ومؤسساتها الإداريــة ، وشهد العراق حركـــــة في البناء والتعميـــــر  والإنتاج والاسنثمار ،ولعل التاريخ الآن يعيـــد نفسه ، فقد واجـه العراقيون عـــــام 2003 محنة الاحتــــلال الأمريكي  ووجدوا أنفسهم ، أمام خيارات صعبـــة وتحديات مصيرية ، وكان لابــــد من تحقيق الوحدة الوطنية ، والتلاحم الشعبي لدرء هذا الخطر الجديد ، وفي الجانب الآخر واصــــــل العراقيون مهمــــة بنـــــاء وترسيخ أسس الحيـــاة الديمقراطية الجديـــدة ، وعهد الحريات ، بعد أن تحرروا من الخوف والقمع والتسلط ، وانطلقوا في تجربة التعددية السياسية وحريــة الخطاب والحوار والتعبير ، وبرغم صعوبـــات المرحلة الجديـدة التي تعتمد أساساً على بناء الإنسان ، وتهيئته لممارسة دوره الوطني ، فقد أثبت العراقيون جدارتهم في مواصلة هذا التحدي ، وحافظوا على الوحدة الوطنية ، وحين غــــادرت القــوات الأمريكية الأراضي العراقية ، واستلــــم العراقيـــون مهمة الأمـــن والدفاع عن الوطن والمواطنين ، أثبتـوا عن جدارة قدرتهـــم في إدارة شؤون العراق ،  وتسيير المؤسسات وتشريع القوانين ، ورعاية المجتمع ، غير أن قوى الشـــر والعدوان لاتريد للعراقيين الأمن والاستقرار والسكينة ففي الوقت الذي فشلوا في إثارة الفتنــة الطائفية ، حرضوا فلولالدواعش والظلام والمرتزقة والمأجورين ، لاحتلال الموصل والأنبار وتكريت ، وارتكبوا جرائــــم القتل والإبادة ، وتدميـــــر حضارة وادي الرافدين وهذا تحدٍ آخر وأنموذج بشع للاحتلال والتخريب كما أدرك العراقيون خطورة هذه المرحلــــة الجديدة ، وأيقنوا أنه لامناص من الحفاظ على الوحدة الوطنيــــــة ، والحذر من دسائس الحاقدين ، وتشكلت قوات المقاومة من الجيش العراقي الباسل ، والشرطة والحشود الشعبية المكونة من مختلف الأعـــراق والطوائف ، تحت خيمة الوطن الواحد ، يدافعون عن الأرض والعرض والعزة والكرامــة ودخلوا تكريت ، وهاهم يواصلــون الزحف المقدس لتحرير الأراضي من فلول عصــــابات داعش ، وبيـــن الحين والآخــــر تتعالى بعض الأصوات النشاز ونقرأ كتابات حاقدة تسعى إلى زعزعة الاستقرا ر بين العراقيين وهدفها زرع الفتنة الطائفية ، وإثارة الفرقة والشقاق عن طريق إعادة نشر وعرض أحداث تاريخية ، عفـــا عليها الزمن ، وتجاوزتهــــا الأحداث . أما الحقيقة الناصعة فموجودة عمليــــاً في ساحات المقاومة والتصدي لدرء خطر هؤلاء الغـــزاة الذين يسعون إلى حرق الأرض وتدمير الحضارة وقد أثبتت المقاومة العسكرية وقوات الحشد الشعبي حنكة وبسالة في نشر ثقافة التسامح والتعايش ، والمصالحة الوطنية ، لمقاومة هؤلاء الدواعش الغزاة ، فبوركت مساعيكم الحميدة ، ورعاكم الله وأنتــم تصنعون ملاحم البطولة والفداء ، وتحققون الانتصــــارات ، وتلحقون الهزائم بقوى الشر والظلام والتخريب .

                                                د . رزاق محمود الحكيم

 

 

التصنيفات : مقالات الرأي