اسواق النجف العشوائية دكان مؤقت لألاف العاطلين

10 مايو، 2015
99

 

تحقيق : حيدر حسين الجنابي

مليارات …ومكروبات

يخرج ” احمد ” صباحا الى سوق النجف لشراء الخضروات والفواكه ، ويسير مسرعا نحو سوق حي الانصار العشوائي ليقوم ببيعها ، وهو يصرخ بصوت عال (تفاح ،برتقال ،خيار باذنجان ،طماطة ،….الخ ) ، بالرغم من شهادته الجامعية التي لم تنفعه لعدم وجود اليات حكومية تضمن حقه في التعيين “كما يقول ” فهو احد خريجي كلية الآداب.

ويتحدث احمد حسن البالغ من العمر 38عاما وهو اب لخمسة اطفال تسكن في بيت ايجار ” اجبرتني البطالة الى ان اتوجه الى الرصيف وأنشئ عليه دكانا ومع مرور الوقت ،تجمع العاطلين عن العمل ممن يريد ان يعيش بعزة وكرامة ، الى التجمع في هذا المكان الذي تحول الى سوق شعبي ، تزدحم فيه المهن والحرف ، وبائعي الاقمشة والملابس والغذائية وتصليح الكهربائيات، هذا السوق لا تتوفر فيه ادنى شروط الصحة العامة فهو مليء بالمكروبات والحشرات تتكسر فيه اشعة الشمس القوية على رؤوس الناس في الصيف ، وتتساقط حبات المطر والعواصف الترابية على المتسوقين في الشتاء ، الا انه بات كهف يجمع مئات الخريجين من الكليات والمعاهد والثانويات ” .

عندما يغتصب الرصيف والشارع..

ولعل تنامى ظاهرة الأسواق الفوضوية وتفاقمها يوما بعد يوم ، بسبب عجز الدولة عن وضع حد أو حل لهذه الأسواق المنتشرة في النجف ، داخل كل حي أو بيت سكني، حتي تعددت أسماءها وذاع صيتها في فضاء المال والأعمال .

حيث تحولت الشوارع إلى أسواق تغص بالبضائع ، والمساحات العمومية صارت متاجر لعروض البيع العشوائي، مما سبب استياء لأصحاب المحلات التجارية في الأسواق النظامية ،لان الأماكن الأمامية لهذه المحلات مغتصبة من قبل الباعة المقيمين على الأرصفة اذ ولد نشوب صراع ومناوشات دائمة بين الطرفين .

ويقول الحاج جبر سلمان ، 67عاما ” ان سبب نشوء الاسواق هو الظروف القاسية خلال سنوات الحصار في التسعينات وما بعدها، مما دفع شرائح من الفقراء والعاطلين عن العمل إلى انشاء اسواق خارج رقابة الدولة والعمل بعيداً عن اشرافها” .

ويتابع ” ان هذه الاسواق وفرت اسعار ومنتجات رخيصة تتناسب مع الدخل المعيشي للمواطن من اصحاب الدخل المحدود ، ولعل الاسواق الشعبية العشوائية المنتشرة في محافظة النجف ، في اقضيتها ونواحيها يمثل حقيقة موجودة متفاقمة “.

حكومة النجف ….

ويقول النائب الاول لمحافظ النجف الاشرف عباس العلياوي ” لعل اجراءات حكومة النجف ، في المدة الأخيرة، تمثل بداية التوجه نحو ايجاد حل لهذه المشكلة وتوفير الاسواق النظامية وانشاء ساحات واكشاك لمئات العاملين فيها وتوزيعها على المتجاوزين من قبل بلديات الاقضية والنواحي ،وتوفير الخدمات وحل المشاكل التي تعاني منها بعض الاسواق “.

واضاف ” تم وضع خطط لحل مشاكل هذه الاسواق العشوائية ، التي أنشئ عدد كبير منها على اماكن للخدمات العامة والمدارس والساحات الخضراء وبصورة لا تليق بمحافظة مقدسة مثل النجف الاشرف ، التي يأتيها الزائرين من كل انحاء العالم ، لذا حاولنا اعادت ترتيب بعض الاسواق ،ونقل اسواق اخرى ، ونحن عازمون على تأهيل وتوفير الخدمات المهمة داخل اسواق المحافظة ” .

من جانبه اكد الامين العام لمؤسسة الوعي الثقافية في النجف الحاج نافع جميل ” اقمنا ندوة حول الاسواق الشعبية وظاهرت انتشارها من اجل تعريف المسؤولين والمواطنين بمشاكلها وايجاد الحلول المناسبة التي لازالت تعاني منها الاسواق ،بسبب انتشار النفايات ونقص الخدمات كالماء والكهرباء وعدم وجود مجاري وشبكات تصريف المياه ، واخرى لازالت تعاني من مشاكل كبرى في كل شيء واستعرضنا بالصور مأساة البائعين والمتسوقين في عدم توفر الخدمات فيها ” .

هكذا لاتحل العشوائيات

من جانبه اكد مدير بلديات المحافظة المهندس احمد كريم برشاوي ” وضعنا بعض الخطط للقضاء على مشكلة انتشار الاسواق العشوائية الشعبية ،وقد خصصت بلدية الكوفة ساحات تم تسييجها وتأهيلها من اجل انهاء انتشار الاسواق على الارصفة ووسط الشوارع العامة ” .

واضاف ” ولدينا اسواق غير نظامية وعشوائية في حي الفرات مجاور جسر الكوفة ، اذ تم تخصيص مكان جديد للسوق وستكون المحلات فيه من الاكشاك الوقتية ، وسينقل السوق اليه ، اما سوق حي ميسان الشعبي ، فتم ازالته ،واجبر الباعة الى الدخول الى سوق جديد تم تحديده مؤخرا ،ولدينا مخطط اكشاك وقتية لبعض الاسواق الاخرى ، كسوق السهلة الذي يضج بالمتبضعين كل ثلاثاء اذ تم تحديد مكان في تقاطع السهلة حي ميسان وسينفذ في بداية السنة القادمة ، وبعض الاسواق تم الغائها لأنها تقع على اراضي للخدمات وبعضها سيتم قصها لأنها مخصصة لتكون شارع في التصميم الاساسي ، ومن هذه الاسواق سوق الفواكه والخضر، وتم انهاء عقد المستاجرين وسيتم ازالته حال تنفيذ مخططات تصميم مدينة الكوفة “.

اسوق تحصد مليارات من الاموال

ويصف الحاج قاسم علي صاحب محل لبيع الكهربائيات ” ان ظاهرة ما يسمى الأسواق الشعبية العشوائية، التي تشابه تماماً، مجمعات المتجاوزين، إن لم تكن أسوأ منها بكثير، وقد اثرت علينا كثيرا ” .

من جانبه اكد فراس محمد استاذ جامعي مختص بالاقتصاد ” نجحت الكثير من الاسواق في استقطاب المتبضعين بسبب مكانها على الارصفة والشوارع ، مما سهل وصول المشترين اليها ،وقد تستهلك الاسواق العشوائية في المحافظة مليارات من الدنانير سنويا وتدر ارباح كثيرة ،ومن هذه الاسواق هي ، الانصار والمكرمة والعسكري مدارس ،والعسكري الثاني ، والنصر ، والمهندسين والسلام وسوق الكوفة الواقع امام مسجد الكوفة وشارع السهلة وغيرها فضلا عن اسواق الاقضية كالمشخاب والمناذرة وفي النواحي كالحيدرية والعباسية والحرية ” .

وبين ” ان هذه الاسواق استوعبت الالاف من العاطلين عن العمل من باعة واصحاب مهن وحرف متنوعة ،وسائقي سيارات وغيرها ، ساهمت في تقوية الوضع الاقتصادي والقدرة الشرائية ، وفتحت اسواق الجملة، فتحولت الى مراكز مالية قوية ” .

الارهاب يعدم الحياة

ويتحدث جليل عباس صاحب 33عاما ، صاحب محل في احدى الاسواق الشعبية بالرغم من غياب التنظيم البلدي والخدمي والصحي، منذ سنوات عدة، عن هذه الأسواق العشوائية، التي أصبحت ظاهرة متزايدة مع ازدياد نسبة البطالة والفقر، وعادة ما تكون نواة تلك الأسواق مجموعة من( البسطيات والعربات)، ثم يتم تدريجياً التجاوز على الأرصفة والساحات والأراضي الشاغرة ،وانشاء دكاكين واكشاك، تتوسع لتصبح سوقاً مختلطاً ،للبيع والشراء، بطريقة فوضوية صارخة”.

ويقول الشيخ حسين علي ” في ظل حالة الازدحام والفوضى استهدف الإرهابيون في محافظة النجف تفجير الاسواق بسيارات مفخخة واحزمة ناسفة وخصوصا الاسواق في مركز قضاء النجف واسواق قضاء الكوفة والحي العسكري في الجانب الشمالي من المحافظة ، مرات عدة، وزهقت المئات من أرواح الناس الأبرياء ولازال الجرحى يئنون من اصاباتهم البالغة وفقد الناس ممتلكاتهم البسيطة في هذه الاسواق ” .

اسواق ملوثة بلا حلول

ويعتقد الطبيب سمير ناصر” ان هذه الاسواق بات تمثل بيئة ملوثة بالجراثيم والحشرات والحيوانات، لأنها تفتقر لأبسط شروط النظافة والرقابة الصحية والتنظيم الخدمي والتجاري، يتداخل فيها بيع المواد الغذائية والخضروات واللحوم والأسماك مع الكماليات والملابس مع الاجهزة الكهربائية والالكترونية ،ويجري فيها ذبح الدواجن وسلخ المواشي على الأرصفة ،وتنتشر فيها القمامة والروائح الكريهة التي تمثل مصدراً خطيراً للأمراض والأوبئة، وبخاصة ان بعض الأسواق تجاور المستشفيات والمدارس والدوائر الحكومية “.

ويؤكد ” مرتضى خالد ، ناشط في حقوق الانسان ” لا تبدو هناك معالجات حقيقية من قبل محافظة النجف الاشرف لتنظيم هذه الأسواق اكثر حتى التي انشأت حديثا فقد تركت للإهمال ،ومن المؤسف أن المتجاوزين في الأسواق العشوائية لم يعد في مقدورهم التخلي عنها ،لأنها ارتبطت بمصدر عيشهم، وبعضهم راح يبيع ويؤجر تلك الدكاكين لغيره، ضمن حالة التجاوز كأمر واقع ،كما أن الكثير من المواطنين المتضررين منها لا يطالبون بإزالتها أو اعادة تنظيمها ،لأنهم يعتبرونها مفيدة لهم بسبب قربها من بيوتهم، وهكذا تصبح المشكلة ذات جوانب متعددة، ومن ثم فإن الحل يجب ان يراعي هذه الاعتبارات كلها”.

لا …لازالت الاسواق !

إن معالجة هذه الظاهرة ينبغي أن تبدأ بتشكيل لجنة مختصة من مجلس المحافظة ومحافظة النجف ووزارة البلديات ودائرة الصحة ووزارة الداخلية ، لجرد واقع هذه الأسواق، ووضع احصائيات دقيقة عنها، تتضمن عددها وعدد الدكاكين فيها، ونوعية النشاط التجاري الذي تمارسه واعداد واسماء المتجاوزين ومواصفاتهم، ثم تليها خطوة أخرى وهي تخصيص مساحات من الأراضي ضمن التصميم الأساسي، في كل منطقة سكنية، وعرضها للاستثمار، بهدف انشاء اسواق عصرية متخصصة ومقسمة وفق النشاطات التجارية، تتوفر فيها خدمات كاملة للكهرباء والماء والصرف الصحي والرقابة البلدية والصحية، تؤجر للمتجاوزين المسجلين مسبقاً ،وبخاصة الذين ليس لديهم مصدر رزق.

ويتوجب التحرك الفوري من قبل الجهات المعنية باتجاه تنظيم الاسواق الحالية وتوفير الحد الأدنى من الشروط الصحية فيها

 

عند توفير الأسواق الجديدة يصبح من المفترض إزالة الأسواق العشوائية، دون أن يتضرر المستفيدون منها، سواء كانوا من المتجاوزين او المواطنين المتسوقين، الذين سوف يشعرون بالفرق الكبير بين السوق العشوائي الملوث والسوق المنظم النظيف.


التصنيفات : تقارير وتحقيقات