تعددت أنواعها وأماكنها والمتهم واحد .. الحرائق متى تتوقف ؟!

19 مايو، 2015
5

ما إن اعلن عن اخماد الحريق الذي استمر ساعات ، حتى قفز بسام صوب خزانة النقود في محله الخاص ببيع السكائر يتفقد رأسماله. لكن قوة النيران لم تترك له شيئا بعد ان أتت على البضاعة الموجودة في المحل فالتهمت قرابة 40 الف دولار ، رأسمال بسام.

الامر تكرر مع العديد من اصحاب محال ومخازن السكائر في الشورجة ومحال الملابس، ومنهم كمال الذي تسوق قبل ايام بضاعة تركية بمبلغ يقارب الـ 50 الف دولار. اما سامي فقضيته اكبر ، فبعد أن خسر ماله وبضاعته فإن عليه دفع قرابة الـ 20 الف دولار هي قرض من احد المصارف.

 

 

 

 

 

 

40 فرقة إطفاء

حين تشارك اربعون فرقة اطفاء يستعان بها من محافظتي بابل وواسط ، فإن هذا يعني إن الحريق كبير ومدمر، وحتما ستكون هناك خسائر كبيرة. وهذا ما حصل بالفعل في حريق الشورجة الاخيرة الذي اندلع في عمارتي الارمن والجديدة في سوق الشورجة. مع امتداد الحريق إلى السوق العربي وخان حميد والسوق الايراني. وقد قدرت الخسائر بملايين الدولارات. 
الدفاع المدني اعلنت إن مدة اطفاء الحرق استغرقت قرابة الساعتين لكن مدة التبريد امتدت لقرابة العشر ساعات، بسبب قوة الحريق والمواد المحترقة التي يساعد اغلبها على الاشتعال. 
مولدة كهربائية
الحريق هو السادس او السابع الذي يندلع في الشورجة التي تعد مركزا تجاريا كبيرا في حركة السوق العراقية بالاضافة إلى الاف الايدي العاملة التي تعمل بمهن عدة. وكبقية الحرائق ، كان المتسبب في الحريق مولدة كهربائية كبيرة بالقرب من العمارة المحترقة. 
المعلومات تؤكد إن الحريق اندلع فجرا قرابة الساعة الثالثة والنصف، في هذا الوقت تكون الاحمال على المولدة الكهربائية منخفضة بنسبة كبيرة جدا عن عملها في النهار خاصة في ساعات الذروة كون اغلب المحال مغلقة والبضائع الموجودة ليست بحاجة إلى ثلاجات تبريد او ماشابه ذلك. الامر الذي يشير إلى وجود ايد خفية تستهدف الشورجة بين اونة واخرى تعبث بمقدرات واموال الناس، وتهدد اعمال ومصالح العمال واصحاب البسطيات. وسط كل الاجراءات الحكومية من قبل الجهات المختصة في امانة بغداد او اجراءات الوقاية من قبل وزارة الداخلية ودوائرها المعنية.
أسبوع الحرائق 
مع اطفاء حريق الشورجة ، اعلن عن نشوب حريق في مطار البصرة الدولي، داخل قاعة انتظار المسافرين ملحقا اضراراً في المطعم الواقع بالطابق الثاني في قاعة انتظار المسافرين . سيارات الاطفاء ،كعادتها، هرعت الىى منطقة الحادث لإخماد الحريق، والقوات الامنية المختصة فتحت تحقيقاً لمعرفة اسباب الحريق التي لم تعلن إلى الان وان تم التوصل اليها ستبقى طي الكتمان او ضمن حدود المطار. لكن هل فكر المسؤولون ماذا يعني نشوب حريق في صالة انتظار مطار دولي وما تاثير ذلك على حركة الطيران في المطار، وسمعة المطار. اعتقد انهم في واد والعمل المهني والحرص على سمعة البلد والحفاظ على ممتكاته في واد اخر. 
البصرة سبق وان اعلنت عن نشوب حريق كبير في سوق العشّار الذي يضم مئات المحال التجارية فضلاً عن عدد من الدوائر الحكومية. حيث ادى الحريق الذي اندلع في شارع (عبد الله بن علي) ضمن السوق المذكور والواقع في قلب المدينة ؛ إلى حرق عشرات المحال التجارية وإتلاف محتوياتها بالكامل، اذ ساعدت الرياح العالية التي تزامن هبوبها مع اندلاع الحريق انتقاله في مساحات واسعة؛ لكثرة الخيم والأكشاك العشوائية التي تعود لباعة متجولين. 
عمّتنا تحترق ايضا
إلى ذلك ، أعلنت الحكومة المحلية في واسط، عن تشكيل لجنة عليا لبحث أسباب تكرار حرائق البساتين بالمحافظة حيث اكدت على وجود “أيدٍ خفية” تعمل على “تدمير” اقتصاد البلد، اللجنة بدأت عملها ميدانياً من خلال زيارة البساتين المتضررة التي يزيد عددها على مئة بستان، وتحتل مساحة تقارب الثلاثة آلاف دونم، لجمع المعلومات من أصحابها عن الأدلة الجرمية التي يمكن أن تقود إلى الفاعل . وهذه ليست المرة الاولى التي يتم فيها حرق بساتين النخيل في بدرة فقد تكرر الامر اكثر من مرة منذ عام 2007 والى حد الان.
اصحاب البساتين اعربوا عن عدم تفاؤلهم بهذه اللجنة وما ستتوصل اليه، مؤكدين إن الفاعل واحد منذ اول حريق إلى يومنا. مطالبين بضرورة تعويضهم لان البساتين تشكيل المعيل الرئيسي لعشرات العوائل.
حرائق حكومية
اكثر الحرائق اثارة تلك التي تحدث في دوائر الدولة العراقية، اذ غالبا ما تكون في قسم العقود والعطاءات والمناقصات، وغالبا ايضا لا تتم السيطرة عليها، مثلما انها في الغالب تكون نتجية تماس كهربائي. ومن المفارقات ايضا إن الكثير من هذه الحرائق تتم بعد تبديل الوزير او المدير العام او أي مسؤول . 
لن اسأل لماذا وكيف تتم هذه الحرائق ومن يقف وراءها، فقد بات السؤال سمجا، فالجهات المسؤولة تجيب بسرعة وتتهم التماس الكهربائي بذلك، وكأن هذا التماس حدث هكذا بقدرة قادر، ولنفترض عدم وجود اليد الخفية الفاعلة بذلك. اذن فإن هناك اهمالا وتقصيرا من قبل البعض تسبب بالحريق. سؤالي سيكون الى ان اغلب الوزارات ودوائر الدولة لديها اجهزة اطفاء الحريق، ولديها كوادر تم تدريبهم على اطفاء الحرائق : فاين هولاء. لكن عفوا نسيت، إن اغلب الحرائق تحدث في الليل او عند الفجر!! 
اخر هذه الحرائق، حريق وزارة الصناعة والمعادن حيث اثارت لجنة النزاهة النيابية موضوع الحرائق التي تنشب في غرف العقود في العديد من الوزارات للتغطية على قضايا فساد مالي كبيرة، وآخرها الحريق في وزارة الصناعة، معتبرة أن حرق غرفة العقود بوزارة الصناعة والمعادن «جريمة بحق العراق»، فيما أشارت إلى أن اعضاء من اللجنة سيعملون على تدقيق ملفات الفساد للوزراء الحاليين والسابقين.
حرائق الأدوية
مسلسل الحرائق لم يتوقف عند غرف العقود والمجمعات التجارية، فقد سبق وان نشب حريق كبير في مخازن الشركة العامة لتسويق الأدوية والمستلزمات الطبية (كيماديا) في حي العدل. اذ اتى الحريق على مواد منتهية المفعول في مخازن الشركة ومنها أدوية خاصة بعلاج السرطان مثل 3266 أمبولة (سبيتافوون) و120 أمبولة سايتوتكت و325 علبة ذات 100 كبسولة (وتاكر ولمسي)..؟! . اضافة الى خسائر واضرار مادية كثيرة، وخاصة في مخزن المساحيق (شراب، مراهم، خافض حرارة) تقدر بخمس مليارات دينار عراقي في الوقت الذي تعاني العديد من المستشفيات والمراكز الطبية من نقصها ويضطر المواطن المريض لشرائها من الصيدليات الاهلية. 
ترى كم مواطن كان بحاجة لعلاج مرض السرطان، اضطر لشرائه من الصيدليات الاهلية او من خارج البلد، وكم مريض فقد حياته وهو ينظر العلاج القابع في مخازن ربما نسيتها الوزارة.
المشرفون على (كيماديا) التي تعمل بموجب التعليمات رقم (1) لسنة 1991 وتناط بها مهمة توفير الأدوية والأجهزة والمستلزمات الطبية ذات الجودة العالية والكلفة المناسبة وذات المنشأ الرصين لكافة المؤسسات الصحية في العراق بالإضافة الى التشجيع المستمر والفعال للصناعات الوطنية شكوا من تأخر ورود نتائج الفحص والمطابقة عند ارسالها الى بعض المستشفيات وتأخر ورود العقود الاستيرادية الى مخازن الشركة ما سبب إرباكا في عملية توزيعها حيث انها ترد في سنة متاخرة عن السنة التي اعتمدت الاحتياجات فيها بمعنى ان احتياجات عام 2013 ترد في العام 2014 عازين سبب ذلك الى كثرة التغييرات والإضافات على تعليمات وشروط العقود في السنة الواحدة والتي تصدر من وزارة التخطيط.
 
فارزة
*علامة استفهام كبيرة يضعها حريق الشورجة امام الجهات المختصة، حول تكرار الحادث، والمتسبب. فالخسائر التي نتجت عن الحريق ليست بالهيّنة في ظل الازمة المالية الحالية وتوقف النشاط التجاري والصناعي في البلد. آلية العمل والخزن القديمة المعمول بها في اغلب الاسواق العراقية قد تكون من اسباب انتشار اي حريق، اضافة الى غياب شروط الوقاية من اغلب تلك المخازن، مع غياب الرقابة من الجهات المختصة. البسطيات والمظلات هي الاخرى من اسباب انتشار حرائق الاسواق ومنها سوق الشورجة. فلو توفرت فرص عمل حقيقية لهولاء الباعة لما فضلوا الجلوس وسط الشارع في اتعس الانواء الجوية.
خلف كواليس الحرائق الجميع يتحدث عن متسبب، وان بعض الخلافات بين “الساسة” الذين دخلوا مضمار التجارة والاقتصاد والصراع القائم سياسيا تحول تجاريا ايضا بالتالي ، الامر غير مستبعد من استخدام هذه الاساليب فيما بينهم. مع غياب القوانين التي تنظم العمل التجاري والصناعي في البلد اذ كان بسبب الظرف الحالي الذي يعاني منه العراق، او بسبب اتفاقهم على تغييب هكذا قوانين فاعلة تخدم الاقتصاد العراقي وتنظم العمل في السوق العراقي، فقانون الفوضى مع السلطة خير من يخدم التجار ومن يقف خلفهم. ومثل اي مجال اخر في الحياة العراقية لاتوجد استقلالية في العمل التجاري، فاغلب تجار المرحلة الحالية الكبار هم من اقرباء الساسة او شركاء معهم او يعملون تحت مظلة احزابهم وكتلهم.
*منذ حريق وزارة النفط 2007 الذي اندلع في أهم طابقين، ملتهماً الوثائق والملفات التي تتضمن عمل الوزارة وواردات العراق النفطية، وكان المتهم “تماس كهربائي”، مرورا بحريق وزارة الداخلية في ذات العام، وحريق وزارة العمل والشؤون الاجتماعية عام 2008 والذي طال دائرة الرعاية الاجتماعية الخاصة بمحافظة صلاح الدين، وعلى الرغم من محاولات إخفاء المعلومات المرتبطة بالحريق، إلاّ أن المعلومات تقول انه كان متعمداً حيث تمت سرقة ثلاثة مليارات دينار من برنامج دعم العوائل الفقيرة في المحافظة. ربما لم يكن أحد يتوقع أن تصل سلسلة الحرائق لتنال من البنك المركزي العراقي، والذي من المفترض انه يحظى بأعلى إجراءات الحيطة والحذر كونه يضم مخزون العراق النقدي بكامله، لكن الأمر حصل بالفعل، ولم يكن الحريق من النوع الصغير. مع عشرات الحرائق في اقسام ودوائر الوزرات العراقية اعلن عنها وحرائق اخرى ظلت طي الكتمان. اللجان التحقيقية والتي تشكل عقب كل حادث تطمس الحقائق ان وجدت او تتغاض عنها. وربما البعض منها ينتهي عمله تحت تاثير سياسي او تهديد بالتصفية من جهة ما. المفارقة ان في كل هذه الحرائق لم يقدم متهم فاعل او مساعد او مهمل تسبب بالحريق، وهذا الامر اخطر بكثير من الحرائق. التي باتت ماركة عراقية وتجارة سياسية مربحة، تقضي على اي ملف فساد. خاصة أن العراق يعتمد طريقة بدائية للاحتفاظ بالبيانات وهي عن طريق المستندات الورقية.
سلسلة الحرائق التي تندلع بين آونة واخرى في اسواق تجارية كبيرة، وفي دوائر ومؤسسات الدولة ليست سوى امتداد للحرائق التي اندلعت مع الايام الاولى من سقوط النظام، والتي كان الغرض منها القضاء على قاعدة المعلومات التي تمتلكها الدولة ، سواء فيما يتعلق بالمواطنين أو بما يرتبط بثروات البلد ، الأمر الذي يؤشر على طبيعة الترابط بين الجهات التي تقف خلف الحرائق، التي تنتظر موعد توقفه، ملثما ننتظر موعد توقف ونهاية الارهاب؟!