دروس مستنبطة من الحرب الطائفية في العراق / د. موفق الربيعي

25 أغسطس، 2013
71

إن أسباب الحرب الطائفية التي شهدها العراق خلال عامي 2006 – 2007 متميزة، وينفرد بها العراق وكذلك الحلول التي استخدمت في إطفائها . وهذه الدروس والحلول لا يمكن أن تستنسخ في مناطق ساخنة أخرى من العالم ولكن يمكن الاستفادة منها مرةً أخرى في إجهاض أية محاولات لإشعال حرب طائفية أخرى في العراق.                                                       
ولكن يمكن الاستفادة من هذه الدروس في مناطق النزاعات الأخرى في العالم مع الحفاظ على خصوصيه كل بلد وخصوصية كل نزاع ديني أو طائفي أو عرقي أو سياسي أو قبلي. ولابد من أن أُؤكد في البدء أنني أطرح الدروس التي تعلمتها أنا شخصيا وليس بالضرورة تلك التي تعلمها الإخوان الذين شاركوني المسؤولية في تلك الحقبة الزمنية الصعبة .وإليكم الدروس بشكل مختصر :-
الدرس الأول :- لا يوجد حل أمني-عسكري مطلقا منفرد أو وحده لأي تمرد أو نزاع طائفي. كما قال لي أحد القادة العسكريين العراقيين مرة:-“سيدي إن هذا ليس عمل الجيش ولا الشرطة وحدهم، إنه عمل السياسيين”
في نهاية المطاف فإن جذر النزاع أو التمرد كان جذرا سياسيا ( مصالح سياسية واقتصادية)، أي أن مجموعة أو شريحة أو مكون بشري فقد السلطة والثروة والجاه وبدأ يقاتل لاستعادتها، فإذا كان جذر المشكلة سياسيا فلا بد أن يكون الحل سياسيا. 
إن هذا لا يعني أن الإجراءات الأمنية لا مكان لها في تحسين فرص الحل السياسي ولكن الإجراءات الأمنية وحدها تعقّد المشكلة وتجذّرها وتعمّقها. إن للإجراءات الأمنية دورا أساسياً ولكن ليس محورياً، لأنه بدون إجراءات أمنية ضد التمرد سوف يجد المتمردون مناخات سهلة لعملهم ويسهل عليهم التحرك والتنفيذ وكذلك لا يكون لديهم النية للاتجاه نحو الحل السياسي وتسحبهم، بل تدفعهم لاتخاذ قرارات صعبة ويتنازلون عن مواقف مسبقه لصالح العمل والحل السياسي ولكن الإجراءات الأمنية وحدها تدفع المقاتلين والمتمردين إلى القتال حتى آخر رجل لديهم، فينبغي إعطاؤهم طريق الخروج السياسي إلى السلام. 
كان لدى قواتنا المسلحة القدرة العسكرية والأمنية لاحتواء المتمردين والمقاتلين في مناطقهم ولكن لا توجد قوة مهما بلغت تستطيع استئصالهم عن بكره أبيهم. الحقيقة ان الذي دفع المقاتلين إلى إنهاء القتال هو أننا وفرنا لهم فرصه العودة إلى العمل السياسي وفتحنا الباب أمام عشرات الآلاف إلى التطوع في قواتنا الأمنية والعودة بالآخرين إلى وظائفهم في الدولة والمجتمع المدني والعشائري.
يعتقد البعض أنه كان ينبغي أن نُجهز عليهم تماماً ونخلّص البلاد والعباد من شرورهم ولكنهم ينسون ان مكوناً أساسياً من مكونات شعبنا كان يوفر لهم الغطاء السياسي ويمدهم بالدعم اللوجستي والفتاوى الدينية والمال والمقاتلين.
وأنا أسمي هؤلاء المصابين بمرض” وهم الحل الأمني” وحده. إن أصحاب الحل الأمني يأتون بمثل ما حدث في سيريلانكا من أجل تعضيد دعواهم في جدوى الحل الأمني وحده، حيث هزم الجيش السيرلانكي نمور التاميل واختفت بعدها حركة نمور التاميل إلى الأبد ولكنهم أغفلوا حقيقتين :- 
الأولى، إن رئيس النمور ارتكب خطأً جسيماً وهو أنه واجه الجيش بطريقه نظامية وهذا خطأ قاتل كلفه أنه خسر كل الحرب، والثانية أن الحكومة السريلانكية ومباشرهً بعد هزيمه النمور قامت بتقديم حلول سياسية وإجراءات وخدمات وإعطاء حقوق للأقلية التي كانت تحارب الحكومة ورفعت جميع المظالم التي كانت تمارس ضد ثوار التاميل .
الدرس الثاني :- إن الحوار السياسي مع المقاتلين ينبغي أن يتزامن مع الإجراءات الأمنية ضدهم، أي لا ينبغي أن نطالب المقاتلين بإيقاف القتال ثم نبدأ الحوار
السياسي .بمعنى آخر إن السياسة والأمن يسيران بجدول زمني واحد .فكان انفتاحاً سياسياً مع جبهة التوافق في حينها وبنفس الوقت استخدام الإجراءات الأمنية ، ومن أهمها اختراق المجاميع المسلحة ولك مع الأسف تأخرنا بالحديث والانفتاح على المجاميع المسلحة حتى أواخر 2007وبدايات 2008.
إن من المشاكل التي كانت تدور في حينها داخل نقاشاتنا هل نشترط توقف عمليات العنف التي كانت تمارسها المجاميع المسلحة أولاً ثم ندخل في حوار سياسي أم ندخل في حوار سياسي، وجزء من أجندة الحوار السياسي هو وقف النار وتسليم السلاح .وهذه مشكلة عويصة لأن الحكومة لا يمكن أن تُرى من قبل شعبها ، إنها تحاور “الإرهابيين” وهم في نفس الوقت يقتلون أبناء الشعب .والتحدي الأكبر هو كيف يمكن إقناع المكون العربي السني الذي يوفر المناخ السياسي والدعم اللوجستي لهم ان هذا المكون يمكن ان يحقق أهدافه التي يراها من خلال صناديق الاقتراع وهي اقل تكلفه له من استخدام العنف والسلاح، وهذا قائم من خلال إجراءات عديده ،منها المؤتمرات الدينية والسياسية والعشائرية والمهنية ومؤسسات المجتمع المدني ، وكذلك مؤتمرات إقليمية ودولية في مكة والقاهرة وهلسنكي وغيرها .
يمكن أن نقنع المقاتلين بطرح سلاحهم من خلال طريقتين: 
١-أن تجفف منابع الدعم المالي واللوجستي والسياسي والديني والبشري من خلال الحل السياسي للمكون العربي السني .
٢-أن يقتنع المقاتل أنّ المواصلة في طريق العنف يكلفه الكثير لدرجة أن اختيار صناديق الاقتراع سوف يحقق له نفس أهدافه ولكن بكلفة بشرية ومادية أقل .
وقد جرى التواصل مع المجاميع المسلحة في تلك الفترة بسرية تامة. ولو افترضنا أن تلك المفاوضات تسربت إلى الرأي العام لحدث هياج شعبي كبير جداً لأن الحكومة تتفاوض مع مقاتلين مستمرين بقتل الشعب.
وكان التواصل مع هذه المجاميع ليس بشكل مباشر وإنما كان من خلال وسطاء غير مباشرين بحيث حتى لو انكشف فإن ضرره سيكون قليلاً .
تتهم الحكومة من قبل البعض أنها استخدمت بعض الأساليب للترضية من خلال الحديث مع المقاتلين والمتمردين للترضية وكانت الحكومة فقط تتحدث لهم من خلال وسطاء ولكننا لم نصدق أي شيء من وعودهم ولم نتنازل عن أي مصلحة لهم .
لم نوافق على أي مطلب من مطالبهم .صحيح لو أن الحكومة أعطتهم أياً من مطالبهم تحت التهديد يكون ذلك ترضية ولكن الحديث مع المتمردين لا يعني الموافقة على أعمالهم الإجرامية وقبولها، ولا يعني أننا أعطيناهم الشرعية كما يدّعي البعض. تحدثنا مع المتمردين ولكن لم نعطهم حكم العراق كما كانوا يطمحون للعودة إلى حكمه ولكننا “أجبرناهم” أو “أقنعناهم”بقبول صناديق الانتخابات فيصلا بين مكونات الشعب العراقي والدخول في العملية السياسية والاعتماد على الأساليب السلمية في تحقيق الأهداف التي كانوا يتبنونها والقبول بحكم الأغلبية .
صحيح أن الحديث مع المتمردين في بعض الأحيان يعطيهم الشرعية أمام ناخبيهم أو يعطيهم انطباعاً خاطئاً أن الحكومة ضعيفة وتتودد لهم ، وبذلك يرفعون سقف 
مطالبهم ولكن ذلك لم يحدث إلا في مقتبل 2013 في الفلوجة عندما رفع البعض شعار إلغاء العملية السياسية والدستور والقوانين الصادرة من مجلس النواب، مثل المساءلة والعدالة وقانون مكافحة الإرهاب والمادة الرابعة، وهذا له أسبابه الخاصة به .
الدرس الثالث: المتمردون لا يستسلمون 
في البداية كنا نطالبهم بالاستسلام ولكن بعدها قلنا إنه يمكن للبعض أن يعودوا إلى صفوف القوات المسلحة ويحمون مناطقهم من الإرهاب ،والبعض الآخر يعود إلى الدولة كموظفين مدنيين ولم نلح على الاستسلام وتسليم السلاح لأن ذلك يُعدّ إهانة وسوف يرفض نفسياً، فكانت الصحوة ثم أبناء العراق ثم جنود وضباط الجيش العراقي . كان المتمردون بحاجة إلى ذريعة وسبب وجيه يعطونه إلى قواعدهم التي كانت تدعمهم وهذه الذريعة ينبغي أن تكون مقنعة وكان ذلك أنهم أصبحوا مسؤولين عن حماية مناطقهم من الإرهاب .وعلى هذا لا ينبغي على المفاوض مع المتمردين أن يضع شروطا مسبقه قبل بدء الحوار .
الدرس الرابع: هناك كثير من الظروف التي ينبغي توافرها قبل بدء النقاش أو الحوار أو حتى التفاوض مع المتمردين وذلك من اجل ان تنجح المفاوضات . وأهم هذه الظروف هي :
١-إن الطرفين ينبغي أن يتوصلا إلى قناعة راسخة أنه لا يمكن لأي منهما أن ينتصر في هذه المواجهة من خلال الحل الأمني وحده . وإذا أحد الطرفين لم يعتقد اعتقاداً جازماً ولديه شك في هذه الحقيقة فسوف يتفاوض مع الطرف الآخر من أجل أن يكسب جولات تعبوية (تكتيكية) ويحصل على منافع على الأرض أو سياسية وسوف تفشل المفاوضات لا محال .عندما حاول المتمردون في ٢٠٠٣-٢٠٠٦ استخدام كل الطرق لإسقاط التجربة في العراق ولم يكن في العراق جيش بالمعنى الذي نراه الآن ولا مكافحة إرهاب ولا أجهزة أمنية واستخبارية وفشل المتمردون في كل محاولاتهم في إفشال النظام الجديد وصلوا إلى قناعة في أواخر ٢٠٠٧ أن طريق العنف مسدود فلا بد من سلوك طريق آخر لتحقيق “مآربهم” .
الدرس الخامس : لابد من وجود قيادات سياسية فعالة ومؤثرة لدى المتمردين “تمثلهم وتتحدث”باسمهم”. وفي ذلك الوقت كانت جبهة التوافق هي الجناح السياسي للتمرد العسكري في المناطق الغربية . وهذه “القيادة” للمتمردين ينبغي أن يكون لديها الاستقرار لأخذ المخاطرة في التفاوض نيابة عن المتمردين . ولابد من القول إنه بدون وجود قيادات سياسية قويةوممثل حقيقي للمتمردين لا يمكن أن يتحقق سلام و”نزع للسلاح”.
وأكثر من ذلك لابد أن يتوفر زخم سياسي يدفع الممثلين السياسيين للمتمردين إلى ان يخاطروا في مستقبلهم السياسي ويحصلوا على مصالح سياسية لناخبيهم .
ففي خريف ٢٠٠٧ مثلا عندما شعرت ” جبهة التوافق” بأنها سوف تخسر شارعها انسحبت من الحكومة والبرلمان وتوقف الزخم السياسي وأصيبت العملية السياسية بنكسة مؤقتة ، بعدها عادت جبهة التوافق إلى ما كانت عليه سابقاً.
بشكل عام لابد من وجود شخص أو أشخاص يؤمنون حقاً وصدقاً بالمصالحة الوطنية وهم مستعدون للتضحية بمستقبلهم السياسي من اجل الوصول إلى نتائج إيجابية لصالح العملية السياسية .
الدرس السادس: تحقيق السلام هو عملية صيرورة مستمرة وتطور وتراكم وسياق مستمر وليس حدثاً واحداً يسجله التاريخ وينتهي منه .
وهذه العملية المستمرة يجب أن يتزامن معها أمل في الوصول إلى حل .
وكذلك تستمر الأطراف في التباحث ولا تغلق الأبواب أمام المتمردين ولا يوضعون أما خيار القتال أو الموت أو الاستسلام .
* مستشار الأمن الوطني السابق

التصنيفات : مقالات الرأي