بيت المدى يُؤبّن المُحقّق والباحث الموسوعيّ العراقيّ عبد الحميد الرشوديّ

12 ديسمبر، 2015
19

في الوقت الذي تناسى الكثيرون توثيق التأريخ ، وتخليد عُظمائهِ كان هو غارقاً ومهوماً في إحياء واستذكار وتخليد كل شخصية عراقية تركت أثرها في الأدب والفن والثقافة والتأريخ والتراث العراقي ، ليكون له الفضل في تخليد كبار مُثقفي العراق ، فهل حان الوقت اليوم لنرُدَّ لهُ الجميل ؟ وفي مُبادرةٍ لردّ الجميل وإحياءً لذكرى الرشودي وتقديراً لمسيرته وعلمه وإرثه الثقافي قام بيت المدى صباح الجمعة بإقامة ندوةٍ استذكارية للمُحقق والعلامة والباحث الموسوعي الراحل عبد الحميد الرشودي ، الذي ينتمي إلى جيل من الأدباء والباحثين العراقيين الذين ظهرت أعمالهم في الخمسينيات وما تلاها وكانوا جسراً بين جيل أعلام اليقظة الفكرية الذين برزوا في النصف الأول من القرن العشرين والأجيال التالية ، وقد ولد الرشودي في عام 1929 وتوفي عام 2015 ، وكان بذلك موسوعة عراقية عظيمة جسدت أهم الأحداث التأريخية والسياسية والثقافية والشخصيات العراقية ، كما كانت لهُ علاقة وثيقة مع شخصية الرصافي الذي أحياه في عدة مؤلفاتٍ حملت اسمه من بينها ” رسائل الرصافي ، الرصافي خطيباً ، بغداد في الشعر العربي المعاصر ” .

مكتبة ينهلُ منها الجميع
حيث قال مُقدم الجلسة رفعت عبد الرزاق ” يُعدّ الرشودي أحد الشخصيات العراقية اللامعة وأحد علماء العراق ، كان رجلاً كبيراً في عالم الثقافة والفكر ، وكان بيته ومكتبته مفتوحة للجميع وينهل منها الكثيرون وله فضل كبير على الثقافة العراقية وله فضل كبير على أعلام الثقافة العراقية في الفكر الحديث وكانت اهتماماته  مُكرّسة بالشاعر الرصافي ، كما اهتم بغريمه الزهاوي  واهتم بالكثيرين أمثال مصطفى علي وفهمي المدرس وهو من الموسوعيين العراقيين الذين أرادوا أن يصلوا إلى أعلام الأجيال اللاحقة وقد فلح في ذلك ، وقد أصبحت مؤلفاته من المصادر التي لا يُستغنى عنها في البحث والدراسة ،

أهمّ المدارس العراقية في التحقيق
كما ذكرت الباحثة الأكاديمية نادية العزاوي ”  تُعتبر هذه الاصبوحة حزينة لأننا نودع فيها عالماً عظيماً وتاريخاً كبيراً ومحققاً من أبرز وجوه المدرسة العراقية في التحقيق حيث أخرج لنا روائع النصوص والكتب وقد تعهدها بالضبط والتعليق الوافي الذي  يُضيء النص ويجلو غوامضه ، وكانت متون كتبه وهوامشها برهاناً ساطعاً على علمه وتمكّنه من اللغة وأصولها ومبادئها وقواعدها ،ولعل تحقيقه في “معجم الرصافي في الآلة والأداة”   مثال طيب في منهجه في التحقيق فضلاً عن مقدمته الوافية في اللغة وتطورها والمصطلح وتداوله ونصوصه ، كذلك في كتابه عن الزهاوي بما تضمنه من رسائل ومقالات  التي كشفت عن جوانب غير معروفة في سيرة ،هذا الرجل الشاعر،  العلمية والنفسية  والاجتماعية ولولا تجميعه لها لتبددت تلك النوادر النفيسة ، إن سيرة الرشودي الشخصية تعزيز لمسيرته العلمية لما امتاز به من رُقيّ وأمانة علمية في البحث والتحقيق ، ولا يتوجب علينا اليوم سوى ردّ الجميل لهذا الرجل من خلال طبع كتُبهِ وآثاره وإحيائه من خلالها.

 عارفٌ بتأريخ البنايات البغدادية
المهندس هشام المدفعي  قال ” رُغم تَعرُّفي المُتأخراً بالرشودي إلا إن أهم ما عرفته عن الرشودي إنه يعرف أبنية شارع الرشيد بناية بناية بكل تفاصيلها وتأريخها وهذه ذاكرة تفيد المجتمع والمهندسين والمعماريين وهي من الجوانب القليلة التي يذكرها المهندسون ، فكان يعرف من هو مؤسس البنايات المعروفة والمُهمة وهذه جوانب مهمة في حياة المجتمع ،فبصفتي مهندساً من المهم استذكار أصول البنايات ومن هم مؤسسوها ، إلا إن من النادر أن نجد مهندساً يعرف ذلك ،إلا إن الرشودي كان عارفاً بذلك”.

مُغرِقٌ في التحقيق والبحث
فينا أكد  المحامي هشام الفتيان ”  كان الرشودي مُغرقاً في البحث والتدقيق والتصحيح ولم أره يوماً في مجلسه بعيداً عن القلم والكتابة والقرطاس وقد طلب العديدون من الرشودي التصحيح والتدقيق حيث إنه استخدم ابسط الكلمات والعبارات وأدق وأعمق المعاني ، وكان  دائم الترحيب بمن يستشيره ، وكان صابراً مُتحملاً حتى لمرضه  ، وقد جمع الرشودي معلوماته الواسعة التي استنتجت في ما بعد إنه جمعها من خلال قوة ذاكرته وسرعة حفظه ، وكان صادقاً وأميناً في ما يكتب بعيدا عن الادعاء وحب الظهور ولم يحسن الرشودي بالدعاية إلى نفسه “

أبّنَ الكثير من مُفكّري العراق
وذكر أحد مُرافقي الرشودي الأستاذ محمود الدليمي ” الرشودي أبّن الكثير من شخوص العراق وشارك في محاضرات تثقيفية لهم واليوم يُؤبَّن منّا ، وغالباً ما نتساءل ما فائدة أن يُنعى أو يؤبّن المرء حيث إنهم في حياته لم يشعروه في قيمته ،أما نحن المقربون نعلم ما هي قيمته الإنسانية والثقافية ، كان الرشودي عارفاً في المدن وله تحقيقات جمّة في ذلك ونقل وصحح في هذا المجال ما يعجز الوصف عنه “

قارئ دقيق وبعيد عن السلطة
وأشار المحقق معن حمدان ” لم تتوثق علاقتي به إلا في سنواته الأخيرة ،لذلك أودّ تسليط الضوء على زاوية أُخرى تهم حياة الرشودي وأعماله ، في كل ضائقة عراقية نمرّ بها يكون الأدب من الضحايا الأولى . مات الرشودي وقبله سوسة والعزاوي وجواد ما الذي صنعناه لهم مع أن حياة الأديب هي التي تجلعنا نستمر من خلال إحياء تركته .كلما يموت لنا أديب نفتقد مؤسسة ثقافية بشكل أو بآخر لأننا لا نحيي تركتهم ، للرشودي صفتان ،الاولى قارئ دقيق ، فلم يُطُبع كتاب لمؤلف عراقي مهم إلا وقرأه وكتب عنه ملاحظات ودوّنها وسلّمها إلى المؤلف إذا كان يعرفه ، وهي قراءات دقيقة جداً، والصفة الثانية ابتعاده عن السلطة بالرغم من أنه ابن عم اثنين من رؤساء العراق .

تعقيباته ساحرة
وبيّن الباحث عادل العرداوي ” قبل أربعة أشهر حضرت مع الرشودي احتفالية بمناسبة مرور عام على رحيل الملحن محمد جواد أموري  ، قال الرشودي أريد أن أمتحنك أنت دائما تظهر على التلفاز وتكتب في الصحف أسألك من هو أول شرطي مرور عراقي  فأنا وجدت السؤال صعباً جداً ، إلا أنه اخبرني اسمه وتفاصيل كاملة عنه ما جعلني أُذهل بالمقدار المعرفي لهذا الرجل ، وحين كانت تقام جلسات ثقافية يحضرها الرشودي كان الحضور ينتظرون انتهاء الجلسة لسماع تعقيبات هذا الرجل الساحرة ”

مخزون معلوماتي
وأضاف د. ماهر الخليل ” الرشودي علم من أعلام  العراق كما يمتلك مخزوناً من المعلومات الثقافية التي ذهبت معه ، كما يمتلك معلومات عن كل الشخصيات السياسية والأدبية ولم أكن أسأله عن شخصية حتى يذكر لي من هي وما هي فكان مُلمّاً بجميع الشخصيات وعارفاً بها”
كما ذكر الأستاذ عدنان البياتي ” لا يوجد الكثير لأذكره عن الرشودي بعد ما ذكر الأساتذة،  لكن  الرشودي له حكمة عظيمة بئس الأدباء على أبواب الوزراء ونعم الوزراء على أبواب الأدباء”
أسرة الفقيد الرشودي تشكر” مؤسسة المدى”
تقدمت أسرة الفقيد عبد الحميد الرشودي برسالة شكر لمؤسسة المدى  للإعلام والثقافة والفنون لعنايتها الفائقة بالاستاذ الرشودي حيا وميتا ..إذ كان الفقيد صديقا حميما للمدى وبيتها الثقافي في شارع المتنبي الذي كان يعده بيته الثاني الذي اخرجه من عزلته وترك فيه الكثير من الذكريات منذ تأسيسه سنة 2009 . وقالت أسرة الرشودي في كتابها إن الفقيد كان يردد دائما مقولة (بئسَ العلماء على أبواب الوزراء ونعمَ الوزراء على أبواب العلماء ) فوقفت على بابي وتفقدتني مرارا بإدارتها الحكيمة وصحيفتها الرصينة وملاحقها النفيسة . وإن المدى كانت أكثر الجهات اهتماماً بأمره فنشرت عددا من كتبه وأحيت الكثير من مقالاته السابقة واحتفت بجهوده وضيّفته لمرات عديدة “.