دراسة العوامل الاقتصادية للوجود العسكري الروسي في سوريا

12 ديسمبر، 2015
57

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بذلت روسيا في السنوات الأربع الماضية كل جهودها لتجنب التدخل المباشر في سوريا، ومما لا شك فيه أن الهدف الرئيسي من الوجود العسكري الروسي المعلن في سوريا، هو الاحتفاظ بحلیفها التقليدي الوحيد المتبقي في المنطقة، ومع ذلك فإنه لا ينبغي التغافل عن أهمية العوامل الأخرى، وبالنظر إلى أن الطاقة هي من أولويات أهداف السياسة الخارجية الروسية، وأن هذا البلد قد تعرض من قبل أوروبا والغرب إلی عقوبات اقتصادية، فيمكن تبرير الأهداف الأخری للوجود العسكري الروسي.

تقليدياً وباستثناء حالات قليلة جداً، استخدمت روسيا على مدى العقدين الماضيين أداةَ الطاقة، لدفع سياستها الخارجية إلی الأمام بشکل أسهل. ومع مرور الوقت؛ کان هذا الاستخدام فعّالاً سواء في الواقع أو من خلال التهديد به، بحیث عُرف بالأداة الرئيسية للمضي قدماً بسياسات هذا البلد أمام المنافسين الآخرين وخاصةً أوروبا، ونُظر إلیه ومازال بأنه نوع من السلاح الناعم ولكن الفعال جداً لموسكو.

إطالة أمد الأزمة السورية والتدخلات الأجنبية في هذا البلد؛ دفعت بالظروف بحيث أن المخاوف من تكرار ما حدث في ليبيا وتهديد المصالح الروسية، قد زادت من قلق مسؤولي الكرملين یوماً بعد یوم. فوفقاً لبعض المسؤولين الروس حول الموضوع الليبي، فقد خسر هذا البلد عشرة مليارات دولار على الأقل. وعلاوةً على ذلك فإن وصول المنافسین الغربيین والأوروبيین لروسيا إلى الموارد الرخيصة جداً وذات الجودة العالية من النفط والغاز الليبي، قد خفض من اعتمادهم على روسيا.

حالياً أيضاً فإن حضور تنظیم داعش في سوريا والعراق، وبیع نفط المناطق التي یحتلّها للزبائن التقليديين لروسيا بأسعار أرخص بكثير، أوصل قادة هذا البلد إلى استنتاج مفاده أنه إذا استمر هذا الوضع، فلا يمكن التنبؤ بمستقبل أسواق الطاقة أكثر فأكثر.

هذا في حین أن بعض الدول الراعية لهؤلاء الإرهابيین، ومع خلال إغراق الأسواق بالنفط الرخيص أو مساعدة هذه المجموعات لتصدير النفط، لیس فقط لم تسبّب في خفض أسعار الطاقة في جميع أنحاء العالم، بل عززت بذلك موقع الجماعات الإرهابية.

السلطات في موسكو تدرك أنه سواء في حال بقاء الإرهابيين أو هجوم الدول الغربية وسيطرتها على هذه المناطق؛ سوف يتكرر ما حدث في ليبيا مرة أخرى، وذلك بالقرب من الحدود الجنوبية لهذا البلد، وستكون أسواق الطاقة التقليدية في أوروبا على حساب روسيا في كلتا الحالتين.

وفي الوقت الراهن ومع إضعاف الدولة السورية بشدة، ومنعِ الجهات الخارجية القضاءَ علی تنظیم داعش في العراق؛ توفرت هذه الفرصة للغربيين أن یجربوا حظهم مرة أخری، لنقل نفط وغاز غرب آسيا برّیاً، من خلال الهيمنة الطويلة الأمد علی هذین البلدين.

والنقطة المهمة في هذه المسألة والتي تقلق الروس بشكل متزايد، هي دعم تركيا والسعودية للإرهابيين، وكذلك تدخل القوى الغربية في سوريا والعراق تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، هذا في حين أن بعض هذه الدول هي من المشترين الرئيسيين للنفط من الجماعات الإرهابية. وهو الأمر الذي يثير مزيداً من الشكوك لدی الروس بشأن الأهداف الخفیة للاعبين الأجانب في هذا المجال.

لكنّ الطاقة بالإضافة إلى ما ذکر، تحفّز روسيا للتواجد الأکثر فعاليةً في سوريا بطریقة أخری أیضاً، وهي مسألة المنافسة أو في الواقع انتقام هذا البلد من السعودية والدول العربية الأخرى المصدرة للطاقة في منطقة الخليج الفارسي.

فالسعودية وحلفاؤها الإقليميون في السنوات الأخيرة وبهدف ممارسة الضغط على روسيا وإيران وتأثير العقوبات الدولية، والحد من مصادر الدخل في هذین البلدین، قاموا بضخ الطاقة إلى الأسواق الدولية بشکل مفرط، مما أدى إلى انخفاض كبير في إيرادات روسيا وإيران من العملة الأجنبیة، وتضرُّر المصدرين الآخرین للطاقة في العالم.

وبالإضافة إلى إيران والاتحاد الروسي، فإن حكومة العراق الناشئة وفنزويلا أيضاً، هي من بين أهم الدول التي تکبدت خسائر، وذلك نظراً لارتفاع نسبة اعتمادها على العائدات الناتجة من صادرات الطاقة.

فإذا وضعنا هذا الانخفاض الحاد في أسعار الطاقة، والذي حدث مباشرةً بعد وقوع الأزمات المالية المتلاحقة على الصعيد العالمي، إلی جانب قضية أوكرانيا والعقوبات الأمريكية والأوروبية ضد روسيا، سنفهم حینها بشکل أكثر عمقَ الضرر الذي أصاب روسيا من جراء هذا الإجراء السعودي وحلفائهم الإقليميين.

لذلك، إذا كان مفترضاً أن تسیطر هذه الدول على موارد الطاقة في العراق وسوريا أیضاً من خلال احتلالهما، فلیس فقط لا يمكن استعادة السوق التقليدية لصادرات الطاقة الروسية عملياً، بل إن أضرار هذا البلد ستزداد کثیراً أمام الجيران والمنافسين الإقليميين والدوليين له.

والآن يبدو أن الروس وفي ظل الوضع الراهن، لم یكن لديهم خيارٌ آخر سوی الحضور الأكثر نشاطاً في المعركة ضد داعش في سوريا وربما العراق، کي یمنعوا بهذه الطریقة توسیع سياسات الطاقة السلبية للدول العربية في المنطقة وحلفائهم من جهة، ومن جهة أخری ومن خلال التعامل مع المجموعات المدعومة من قبل هذه الدول، تدفعها نحو تغییر سلوكها قليلاً.

 

انديشة سازان للدراسات الاستراتيجية

التصنيفات : تقارير
الكلمات المفتاحيه :