نظرة على انخفاض أصوات حزب الشعوب الدیمقراطي الكردي في الانتخابات التركية

12 ديسمبر، 2015
48

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حزب الشعوب الديمقراطي الذي يمكن القول إنه کان مفاجأة الانتخابات السابقة، واستطاع بنجاح كبير الحصول علی 13.2 في المئة من الأصوات، وصلت أصواته في هذه الانتخابات إلى 10.4 في المئة. هذا الحزب ألغی غالبية أنشطته بعد الهجوم الانتحاري الذي استهدف تجمعاً انتخابياً في أنقرة، وقال صلاح الدين دميرتاج أحد قادة الحزب إن هذه الانتخابات لم تکن عادلةً ومتساويةً.

انتخابات الأول من نوفمبر، أجریت في وقت هوجم فیه عددٌ كبير من مراكز حزب الشعوب الديمقراطي قبل بضعة أيام من الانتخابات، وقبل ذلك أیضاً کانت مراكز هذا الحزب في أنقرة قد أحرقت. وألقي القبض على العشرات من أعضاء وكوادر الحزب بتهمة التعاون مع ب.ك.ك، وبعض منهم لقي حتفه أيضاً في تفجير يوم العاشر من أكتوبر في أنقرة.

بعد دراسة الأصوات التي حصل علیها حزب الشعوب الديمقراطي، یظهر لنا أن الأصوات المحتملة لهذا الحزب قد انخفضت بطريقتين:

1.    تغيير أصوات المحافظين الأكراد: من المحتمل أن جزءاً من المحافظين الأكراد الذین أعرضوا في الانتخابات الأخيرة عن حزب العدالة والتنمية، وصوتوا لصالح حزب الشعوب الديمقراطي، عادوا وصوتوا في هذه الانتخابات لصالح حزب العدالة والتنمية.

وفي الواقع إن ذلك القسم من المحافظين الأكراد القاطنین في المناطق الكردية في شرق وجنوب شرق تركيا، الذین أعرضوا عن حزب العدالة والتنمية في انتخابات السابع من يونيو، بعد تصريحات أردوغان التي قال فیها إنه لا توجد في تركيا قضیة اسمها القضیة الكردية، رافضاً خلالها الاتفاق الذي اشتهر بـ “اتفاقية قصر دولما بهشة”، ودعموا حزب الشعوب الديمقراطي في انتخابات الأول من نوفمبر، مالوا مرةً أخرى إلى حزب العدالة والتنمية رداً على سياسات هذا الحزب (حزب الشعوب الديمقراطي) علی أساس أنه مدعوم من حزب العمال الكردستاني وPYD (حزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا)، وغيره من الجماعات التي تتبنی الكفاح المسلح من أجل حرية الأكراد، وكذلك للاحتجاج على انتهاك وقف إطلاق النار الممتدّ لثلاث سنوات، واستئناف القتال بين حزب العمال الكردستاني وقوات الأمن والجيش التركي.

في هذه المناطق وخلال السنوات الأخيرة، وبسبب وقف الأعمال العدائية، تذوَّق الناس طعم العيش بأمان، وقد تمت بعض الإصلاحات السياسية، وشهدوا التراجع عن سیاسة تغییر القومیة الکردية، وأکثر من ذلك وتمشياً مع تحسين الأوضاع الاقتصادية في المناطق الكردية، تشكلت طبقة وسطى نسبياً ولهذا فلا یريدون أن یفقدوا هذه الإنجازات، ولا یرغبون في عودة فترة النزاع وانعدام الأمن، وقد فقدوا أيضاً أملهم في حزب الشعوب الديمقراطي إلى حد ما، ووصلوا إلى الاعتقاد بأن هذا الحزب لم یعد قادراً على تمثيلهم في البرلمان.

2.    إعراض الأكراد المتطرفین: الكثير من الأكراد صوتوا في انتخابات 7 من يونيو لصالح حزب الشعوب الديمقراطي، مع افتراض أن هذا الحزب یمیل إلى “حزب الشعب الديمقراطي الکردي”، وهو ممثلٌ للأكراد في تركيا والراعي لحزب العمال الكردستاني (PKK).

وفي الواقع إن عملية السلام بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني المحظور، قد أعطت الشرعية لحزب الشعوب الديمقراطي الذي كان الوسیط بین الطرفین، وبالتالي زادت من نفوذ وحضور الأكراد الذین کانوا قد انعزلوا منذ زمن طويل عن المجتمع والسياسة، بسبب الأعمال المتشددة لحزب العمال الكردستاني.

وفقاً لذلك، وفي انتخابات الأول من نوفمبر، فإن ذلك الجزء من الأكراد المتطرفین الذین یؤمنون بالكفاح المسلح فحسب، ونظراً للأحداث التي شهدتها الأشهر الخمسة الماضية، وصلوا إلی اليقين بأن المشكلة الكردية لن تحل سياسياً، ولهذا أيضاً لم یظهروا الكثير من الاهتمام بالمشاركة في الانتخابات ودعم حزب الشعوب الديمقراطي.

مع ذلك وعلى الرغم من تراجع أصوات حزب الشعب الديمقراطي، یجدر الانتباه إلى أن وجود هذا الحزب في البرلمان التركي، يمكن أن يكون بداية الطريق لحل القضية الكردية سياسياً. وفي الواقع إن حضور هذا الحزب مع 59 نائباً في البرلمان له أهمیة کبیرة، لأنه یمثل جزءاً هاماً من أكراد المنطقة في مركز السياسة التركية. کما أن وجود حزب الشعوب الديمقراطي في البرلمان التركي يمكن أن يكون بدايةً لعملية جديدة لحل المسألة الكردية في تركيا، وانطلاقَ عهد جديد في انتقال الأكراد من الكفاح المسلح إلى التنافس السياسي.

وفي هذا الصدد، لا ينبغي لنا أن نتوقع تغييراً أو نهجاً جاداً في محور سياسة الحزب الحاكم في تركيا، سواء في السياسة الداخلية أو السياسة الخارجية، وحتى يمكن لهذا الفوز أن یمنح قوةً وجرأةً جديدتین لصانعي سياسات هذا الحزب ومنفذيها، سعياً لتحقيق أهداف الحزب.

وفیما یتعلق بالقضايا المحلية، یُتوقع أن یبني حزب العدالة والتنمية مع سلطة مطلقة، مسارَ العلاقات السياسية والاجتماعية الداخلية في تركيا، بطريقة لا تجد فيها الأحزابُ والاتجاهات المعارضة وخاصةً حزب الشعوب الديمقراطي، أيَّ خيار أمامها سوى تغيير استراتيجيتها في الکفاح.

 

 

انديشة سازان للدراسات الاستراتيجية

التصنيفات : تقارير