مظفّر النّواب: تأملات وذكريات-16-

28 أبريل، 2019
15

د. حسين الهنداوي

ثمة قصيدة لمظفر النواب نحفظها عن ظهر قلب لكثرة حضورها في حياتنا لتعبيرها ربما عن واقع عبثية هذه الحياة كما عن القدر العراقي الأكثر صدقاً تراجيدياً لا سيما اذا كان جنوبياً:
مثل ما تنْـكطع جوّه المطر شَدّة ياسمين
مثل صندوق العرس
ينباع خردة عشـك من تمضي السنين
انَه كتلك مو حزن.. لاﭼن حزين
مثل بلبل كـعَد متْأخّر. لـكـه البستان كلهه إبْلَيّه تين
مو حزن، لا مو حزن، لا مو حزن..
تلك سلفاً لحظة غنائية عليا في نوعية الشجن الإنساني، العراقي وغيره، يسطرها هنا، في هذه القصيدة، مظفر النواب. لحظة تتوازى وتتحد وتتوحد مع النقلة النوعية المثيرة المتعددة الاتجاهات التي حققها الشعر العراقي عبر مثابرة أكثر من نصف قرن؛ جعلت من أسلوب مظفر النواب في شعر الفصحى مثلاً، وموقفه النقدي فيه، مدرسة شعرية مثيرة للجدل، فعلاً، إنما مدرسة رئيسة متنفذة ومؤثرة في كل العالم العربي من المحيط الى الخليج وحتى لدى خصومها أحياناً ورغم كل حروب بعض الحساد والصغار الشعواء عليها، فيما، ومنذ فترة أقدم، رفع شعر النواب المكتوب باللهجة العامية العراقية، هذا الصنف من الشعر الشعبي الى مصاف فن خاص متكامل بذاته وعلى درجة رفيعة من النضج والرفعة على صعيدي الشكل والمضمون يتباهى بها حتى مثقفو الفصحى العراقيون، ما جعله على كل لسان تقريباً في بلاد الرافدين بل ومنتشراً، عبر بعض القصائد أو المقاطع، في كل دول الشتات العراقي بل في سوريا ولبنان ودول خليجية وعربية اخرى كان بعضها يعتبر اللهجة العراقية محض هرطقة جبلية.
ويقيناً بالنسبة لي إن مظفر النواب كان أحد أكبر الشعراء العراقيين، وربما الأكبر، بين الذين اقترن اسمهم بهذا الانجاز الكبير للشعر باللغة العامية. فاهمية شعر النواب الشعبي أكثر من استثنائية في الواقع الى حد اعتباره سفر نضال بذاته. وهي لا تقتصر على تحقيق هذه النقلة وحسب، إنما أيضاً، وبجهد ذاتي وواع دائماً، في إنضاجها وتكريسها مأخوذاً في آن واحد بهم المفاعلة غير المبتسرة ما بين الحداثة والأصالة من جهة والعالمية والعراقية من جهة أخرى. ومعه، ومنذ قصائد “الريل وحمد” تحديداً، المكتوبة في حوالي 1958، سيجد الشعر الشعبي العراقي نفسه ولأول مرة في العصر الحديث محط اهتمام عربي وأجنبي. فقد نجح هذا الشاعر في إحداث قطيعة جمالية حاسمة مع الحالة الماضية. وبغياب دراسة شاملة وعميقة حول العبقرية النوابية في الشعر الشعبي، يكفينا تأمل بعض قصائده كـ”ريحان” أو “حسن الشموس” أو “إبن ديرتنه حمد” أو “حجام البريس” او “روحي” او “البنفسج” او “زرازير البراري” للكشف عن الجوانب الخاصة بهذه العبقرية لا سيما لجهة ثراءاتها المتعددة. وربما يمكننا القول –أمام الصرح البديع الذي ارساه هذا الشاعر- إن القصيدة الشعبية النوابية من العسير تجاوزها جمالياً لفترة مهمة قادمة كما هو واضح الآن، لأسباب موضوعية كثيرة أبرزها التأثير الطويل لغيابين: غياب فسحة التنفس- التفاعل الضرورية لتجاوز كهذا نظراً للنزعة العدائية التي ثابر النظام البعثي في العراق، على التلويح بها ضد هذا الضرب من الفن، وغياب عبقرية شعرية جديدة تبزّ فعلاً، أو على الأقل توازي، تلك التي إقترنت، بإعتراف واسع، بإسم هذا الشاعر. ويمكننا اضافة عامل ثالث هو الإفراط حالياً في استخدام الشعر الشعبي كوسيلة جاهزة ومجانية للتعبئة الدينية والسياسية التجارية الرخيصة.
بيد إن المثير وربما المستغرب هو توقف مظفر النواب عن كتابة الشعر باللغة العامية العراقية بعد مغادرته العراق هرباً من بطش السلطة البعثية في نهاية الستينيات الماضية. فلا نكاد نعثر له إلا نادراً على قصائد جديدة بالعامية العراقية كما لو إنه اكتشف عالماً جديداً لا يتفاعل مع العامية ما دفعه الى أن يكرس كل طاقته الإبداعية للشعر باللغة الفصحى. ولقد احتفظت دائما بمقطع أو آخر من بين ما كتبه مظفر بالعامية العراقية بعد مغادرته العراق منها مطلع قصيدة مجهول، على الأرجح، بعنوان (سالوفة ابو سرهيد) تمثل أحد فصول ملحمة شعرية جديدة كان يطمح الى إصدارها بعنوان (ست سوالف من البو حسن) إلا إنها لم تر النور أبداً باستثناء ظهور محدود جداً في نشرة نادرة باسم الحزب الشيوعي العراقي القيادة المركزية طبعناها على سفح جبل شاخ رش في كردستان العراق اوائل نيسان 1974.
و(سالوفة ابو سرهيد) كانت في ذم جبهة “تقدمية” وافق فيها الحزب الشيوعي العراقي عام 1973 على الاعتراف للحزب الفاشي الحاكم بمكانة “الحزب القائد” ما اعتبر موقفا معادياً للشعب العراقي وانتحارياً. أما نص القصيدة المكتوبة في ذلك العام نفسه فكما يلي:
كامتْ هيبة يا بو اللّيل
وخيوط الفجر طرزَنْ وراك اخبار عَالمكشوف
يا خنجر عَلِمياسر عليه اسم الحزب معكوف
يمْوصّل مكاتيب العرس للماوراهم غير الفناجين والديّان
وسالوفة وكتْ غـزلو عليها العمر ريحة صوف
يمسوّي الـﭽـلاچ الخيزان أنهار من لون البنفسج
وحدكْ السكّان والشادوف
يلْوحدك من تسولف،
اشوفن كل حرف منّك مشطْ ياكل سبعْ طلقات
وكل ركزة ذهب، والشين حمالة صبر وسيوف
اسولفلك، اسولفلك ، سوالف ليل،
وحصيني نفط، واحزاب اجاهه الموت
طرك الله وكراسي بالوزارة..
ولبستْ النفنوف
خل يـكـعد فهد ويشوف
يغاتي بغيبتك
كام الشـكنـك، والبثل، والزبل، والخريط
وانته تـكلي لو خيط الفجر بيّن.. الزمو الخيط، ولتعوفوه
ما ﭽذّبت!
لكن كلّي وين الخيط؟ وين الخيط؟
انتهى