فلسفة الدين.. عبد الكريم سروش – ا. د. عامر عبد زيد الوائلي

9 أبريل، 2020
54

لعل هذا يظهر في التعريف لـ”فلسفة الدين Philosophy of religion” هي الدراسة العقلية للمعاني والمحاكمات التي تطرحها الأسس الدينية وتفسيراتها للظواهر الطبيعية وما وراء-الطبيعية مثل الخلق والموت ووجود الخالق أن البحث الجنالوجي في المفهوم والغاية تظهر تباينات باختلاف المقاربات التي تناولت البحث في المفهوم من الأفكار والإشكالية التي ولد داخلها على مستوى الحقل المعرفي والوظيفة الإيديولوجية من هنا ثمة تاصيلات متداخلة ومتباينة إذ يعتبر الفيلسوف والمِؤرخ الفرنسي جان كرايش ان مرحلة التأسيس لفلسفة الدين، هي مابين سنة 178 و1821، حيث أنه كانت هنالك حوارات عنيفة صاحبت هذه الفترة. كانت عبارة عن حروب فكرية مثل ما هو الحال حول “وحدة الوجود” التي تعتبر بان الله والطبيعة هما شئ واحد. وكذلك نجد هناك محاضرات ألقاها هيجل حول فلسفة الدين؛ إلا انه أمام ما خلقه هدا المفهوم فلا ينبغي الخلط بينه وبين الثيولوجيا الطبيعية وفلسفة الدين. فهذه الأخيرة مستوحاة من الدين، اما الثيولوجيا الطبيعية فهي تهتم بمسالة اللألوهية، وكانت أولها ما قدمه أفلاطون في” اله الخالق”. وبعده أرسطو في “المحرك الذي لا يتحرك”. إن فلسفة الدين تحاول وضع الافتراض من اجل تقديم قراءة نقدية للنص والمقارنة بينها وبين نصوص الديانات الأخرى، كي يتم الإطلاع علي مفهوم الدين، الذي ليس هو فقط فهم الإلوهية بل فهم النصوص الدينية. ففي القرن 17م وقع تطور في قراءة النصوص المسيحية واليهودية والمقارنة بينها مما أدى إلي نتيجة وجود فلسفة الدين فكان معها طرح مسألة الفرق بين التاريخ الحقيقي والتاريخ –الدينى-. ومعه أيضا انبثقت جملة من الإشكالات من قبيل ما معني وجود الإعجاز؟..  وذلك لإنقاذ روح الأديان من النقد التاريخي وخاصة بعد ظهور مبحث الهيرمونيطيقا، والتي هي إمكانية فهم النصوص الدينية كنصوص لغوية ومعرفة مقاصدها أي فهم الدين والله كخطاب ديني يمنح لنا الفهم، بوجود آليات تساعدنا على الفهم الحقيقي لهذه النصوص وبالتالي الدخول نحو التأويل.

أول من ألف في اللغة العربية عن فلسفة الدين بمعناه الاصطلاحي الدقيق هو أ. د. محمد عثمان الخشت في أطروحته للكتوراة “المعقول واللامعقول في الأديان بين العقلانية النقدية والعقلانية المنحازة” سنة 1993، وتم طباعة هذه الأطروحة في نهضة مصر 2006. وأيضا له مدخل إلى فلسفة الدين” 1998، والدين والميتافيزيا في فلسفة هيوم سنة 1999. والعديد من المؤلفات الأخرى التي أسست لهذا الفرع المعرفي من حيث المنهج والموضوع. ويتضمن هذا الفرع علم أصول الدين والأديان المقارنة. ومن بين مؤرخي الأديان العالميين العلامة ميرسيا الياد.

 أهمية وميدان فلسفة الدين

:تعد الممارسات الاجتماعية والشخصية جزءا لا يتجزأ من فلسفة الدين التي هي ذات الصلة بتلك الشواغل العملية؛ على أساس موضوعي وليس فقط بوصفه نظرية مجردة. ومرد ذلك الى إلى النسبة العظمى من سكان العالم الذين لهم صله واهتمام بالدين أو المتأثرين به، من هنا فان فلسفة الدين لها دور في درسه وتناول للقيم التي تمثل آمن الناس الفعلية والالتزامات. وهناك نقطة مرجعية رئيسه في فلسفة الدين أنها مرتبطة -من حيث الشكل والمضمون -بالتقاليد الحية المرتبطة بالحياة اليومية ألمعاشه للناس. بهذه الصورة، قد تكون “فلسفة الدين ” من الاختصاصات التي على تماس أكثر من التخصصات الأخرى التي دراسة الحياة الدينية.

 سبب آخر وراء أهمية الحقل هو اتساع نطاقها. هناك مناطق قليلة في الفلسفة التي هي محروم من الآثار الدينية. التقاليد الدينية بحيث تكون شاملة وتشمل جميع في مطالباتهم التي يمكن استخلاصها تقريبا في كل مجال الفلسفة عليها في التحقيق الفلسفي على التماسك وقيمة ومبرر.

 والسبب الثالث هو تاريخي. وقد تناولت معظم الفلاسفة عبر التاريخ من الأفكار والموضوعات الدينية شرقا وغربا،. لا يمكن للمرء القيام تاريخا للفلسفة ذات مصداقية دون أن يأخذ فلسفة الدين على محمل الجد. هنا من يرصد فلسفة الدين من خلال علاقته بالفلسفة تعنى فلسفة الدين عناية رئيسة بالمبررات العقلية للإيمان بالإله والكفر به . وتختلف عن اللاهوت Theology ان هذا العلم ينطلق من معتقد ديني معين أو من مجموعة من المعتقدات ويحاول فهم مسائل في الدين واستكشافها من نقطة الانطلاق هذه . لكن دراسة فلسفية من المواضيع والمفاهيم المركزية التي تشارك في التقاليد الدينية. فإنه يشمل جميع المجالات الرئيسية للفلسفة: ميتافيزيقيا، نظرية المعرفة والمنطق، والأخلاق، ونظرية القيمة، وفلسفة اللغة، وفلسفة العلوم والقانون وعلم الاجتماع والسياسة والتاريخ، وهلم جرا. وتشمل السمات العامة للكون (مثل قوانين الطبيعة، وظهور الحياة واعية، وشهادة على نطاق واسع من أهمية دينية، وهلم جرا). القسم الأول يقدم لمحة عامة عن هذا المجال وأهميته، مع أقسام اللاحقة التي تغطي التطورات الحاصلة في هذا المجال منذ منتصف القرن العشرين. ويرى أن وظيفته تقوم على استكشاف الفلسفية من المعتقدات والممارسات الدينية واضح في فلسفة في والشرق والغرب، في جميع أنحاء الفلسفة اليونانية والرومانية والعصور الوسطى، والتفكير الفلسفي على الله، أو آلهة، والعقل والايمان، الروح، الآخرة او يقارن بينها وبين الدين العقلي فيرى: كانت فلسفة الدين عنصر واحد من بين العديد من المشاريع الفلسفية متشابكة. أن فلسفة الدين تبحث الأديان كلها بما فيها الأديان الفلسفية التي تكون عادة من مباحث ذروة الميتافيزيقا. (لذلك فقد عدها فلاسفتنا جزءا ما يسمونه الإلهيات. ولعلنا نجد في مقالة اللام من ميتافيزيقا أرسطو أو في المقالة العاشرة من كتاب أفلاطون في الشرائع نموذجين تعامل معهما فكرنا في تجربة التفلسف الأولى من تاريخ فكرنا الفلسفي والديني. فلا يكون الدين الفلسفي إلا أصل المنظور الذي يقول به صاحب البحث في فلسفة الدين إذا كان فيلسوفا. لكنه غير فلسفة الدين التي هي أحد فروع البحث الفلسفي أحد فروعه الذي من المفروض أن يكون ما بعدًا لعلم موضوعِه أعني علم الأديان الوصفي والوضعي والتاريخي).

 في حين أن هذا الحقل الحيوي للفلسفة، فلسفة الدين قد اسهم أيضا إسهاما أساسيا للدراسات الدينية واللاهوت. الدراسات الدينية غالبا ما تنطوي على افتراضات هامة حول المنهجية التاريخ وحول طبيعة وحدود التجربة الدينية. هذه دعوة تقييم الفلسفية والمناقشة. اللاهوت قد تستفيد أيضا من فلسفة الدين في منطقتين على الاقل:

1- تاريخيا: على مستوى تناولها الكثير من الأحيان المفاهيم اللاهوتية والبعد التاريخي لها .

2- والفلسفة: سواء كانت الأفلاطونية والأرسطية، فقد كان لها تأثير كبير على صياغة العقيدة المسيحية التقليدية، واللاهوتيين في العصر الحديث قد رسمت في كثير من الأحيان على أعمال الفلاسفة (من هيغل إلى هايدغر ودريدا).

 فائدة أخرى تكمن في المهام الفلسفة توضيح وتقييم ومقارنة بين المعتقدات الدينية. التقييم قد تم في أوقات حرجة للغاية ورافض، ولكن هناك فترات وفرة في تاريخ الأفكار عند الفلسفة ساهم إيجابيا في ازدهار الحياة الدينية. لا يقتصر هذا النوع من التفاعل البناء في الغرب. لقد كان دور الفلسفة البوذية وجهات النظر بشأن مميزة من المعرفة والنفس وذات أهمية كبيرة. ، فقد ربطت فلسفة “الحقيقة: مع مفهوم أخر مركزي هو مفهوم الله .

 في بداية القرن 21، يجب أن يكوم لفلسفة الدين إطار منطقي اعم مما كانت عليه سابقا إطار يمكنها من أن تعزز الحوار بين الثقافات. فلاسفة الدين غالبا ما يسعون إلى إيجاد القواسم المشتركة بين الأديان، وكذلك يجاد التمييز بين العقيدة والممارسة الدينية. هذه الدراسة يمكن تعزيز التواصل بين التقاليد، وبين الأديان والمؤسسات العلمانية.

 التجربة العرفان وأثرها في فلسفته الدينية

 وسط ذلك الإرث القديم ألصفوي القاجاري وتحديثات بهلوي الممتزج بصيحات الثورة المعادية للغرب والمطالبة بالإصلاح والعدالة جاء صوت عبد الكريم سروش الاسم المستعار لـ “حسین حاج فرج دبّاغ” (ولد 1945)، مفکر إيراني، متأله، فیلسوف، شاعر ومترجم. یدرّس الإسلام والفکر السیاسي في جامعة جورج تاون بالولایات المتحدة حالياً. أسس قسم فلسفة العلم في إيران لأول مرة ویسمّي نظریاته الکلام الجدید ویعد نفسه معتزلي. عدته مجلة الفورين بوليسى ضمن المفکرین الکبار العشرة في سنة 2009. .

لقد انتشر اتباع سروش والمعجبين به الذي يرون فيه ذلك المفكر الإيراني صاحب أكبر ثورة في تجديد الخطاب الإسلامي، في ميال المقاربة والموائمه بين الحراك الفكري العالمي من حركات فكرية وثقافية تحاول ان تتصاهر وتتحاور منتجة حالة من الائتلاف بين النقائض في صيرورتها نحو التناسل الفكري والتحول الاجتماعي الذي يمنح الفكر المقدرة على خلق أفكار قادرة على إزالة الاغتراب والقهر الذي يتعرض له الإنسان في ظل هيمنة الشموليات والأفكار القهرية التي تريد أن تصير الحياة بالكيفية التي يشتهي أصحابها فالحركات الفكرية والثقافية في العالم تعيش حالة من التواصل والتداخل رغم اختلاف الواقع؛ إلا أنها مشاريع إنسانية هدفها معالجة حالة انصهار الأفاق بين الثقافات وانصهارها بأفق العصر الذي نعيش، عن تجديد الإسلام وملاءمته للتحولات الاجتماعية والثقافية المعاصرة، عن أفكار عبد الكريم سروش التي امتلكت بعدا ضرامي المذهلة لدى الشباب وتعالقها مع مصالح طبقات من المثقفين والتجار أي مع الخطاب المدني للإسلام الذي يعبر عن الإسلام المدني والبعد الذي منح الغرب له من خلال حصوله على جائزة أرازموس الكبيرة في الغرب مع فاطمة المرنيسي وصادق جلال العظم، أي مع أسماء تسعى إلى خلق تأويلات توسع من أفق التحرير والتغير في العقل الأبناء هذه المنطقة من العالم اذ ثمة مشتركات متداخل لدى هؤلاء المثقفون الذين لهم هموم ومشتركات تدفعهم في إيجاد معالجات للتراث وعلاقته بالمعاصرة لان الأمر يتعلق باعادت امتلاك ذلك الرسمال الرمزي الذي ترك ظله على الواقع من قراءات فكرية توصيف نفسها انها هي الاكثر دراية في ادراك مقاصد الشريعة من غيرها وبالتالي هي المؤتمنة على الشرع الالهي هذا يعني احتكارها المشروعية وبالتالي في تحول الى حالة من الاغتراب عندما تفرض نفسها على الاخر وتجبره على تلقي تاويلها الذي لم يعد معرفة قابله للنقد بل اصبح سلطة تحتكر الحقيقة وتطالب الآخرون بتلقيها واستهلاكا هنا ينشا الاغتراب الذي يجعل السلطة بيد منتجي ذلك التأويل ويغدو المخالفين مطرودين ومنبوذين تأتي كتب تلك الفئة ومنها كتب الذي كتب في تجديد وإصلاح الإسلام، وهو بهذا تتقاطع أفكاره مع أفكار داريوش شايغان الذي يريد تجديد الفكر الإسلامي عبر تطويعه مع الحداثة الغربية، عن محمد أركون وتجديده الميثادولوجي في قراءة الظاهرة الإسلامية، هكذا لم تعد فكرة الاصلاح او تاويل المتحرر امرا ثقافيا فحسب بل غدا امرا ضروريا في ازالة اغتراب الانسان وعادت امتلاكه لمصيره من خلال اعادة فهم الحقيقة التي هي محض تاويل يريد ان يحتكر ويمارس الاكراه .

هذا المنهج الذي داع إليه في الغرب هابرماس هاهو يدرك وجوده عند سروش اذ كان هابرماس معجب بسروش وعبر عن هذا الاعجاب من خلال ألقى محاضرة رائعة في جامعة طهران.

أفكار تعبر عن حالة من الاغتراب تعيشها أجيال من المثقفون الذين يرون التحولات ودور الإنسان الفاعل فيها والذي دائما ما تسعا القراءات المهيمة ان نمارس الاقصاء بفرضها تاويلها بوصف الحقيقة مما جل الكثير من المثقفين يعيشون مشاعر متناقضة تتحمس الى تناج تاويل تحرري تحقق فيه فكرة بمقتضاها الإسلام المتحرر الذي يعيد اكتشاف البوصلة التي تدرك افق التغير الذي اكتنف عالمنا وما خلقة من قطائع فكرية مع حضارة شكلتنا وكونتنا بشكل جماعي وبالتالي لا يمكن ان نرفض المنجزات الجديدة للثقافة ونعود الى نمط من القراءة فقدت قدرتها على التواصل مع الواقع وبالتالي يغدو أمر مستحيل، والعودة لأسس الشريعة القديمة أو القراءة البشرية التي كانت تقرءا ضمن افقها التجربة الإسلامية وتتحاور معها نسخا وتوظيفا مما يضفي تأويلا معينا يتفق مع الحاجة القراءة والموظفة لفهمها للشريعة .

بالتالي ثمة حاجات جديدة الأجيال وقوى جديدة تريد أن يكون لها فرصة في المشاركة في إدارة الشائن العام وبالتالي ثمة حاجة إلى قراءة جديدة تعيد تأويل الأشياء والنص ضمن أفق القارئ

إذا ثمة حاجه إلى نمط جديد من القراءة التي لا تكتفي بتهيج الجماهير به تريد التأسيس لفضاء معرفي واجتماعي جديد يريد المشاركة في امتلاك الرأسمال الجمعي أي الدين وإعادة تأويله لكن هذه المرة سوى تجديد الإسلام من داخل الإسلام. . الثورة البروتستانية في الإسلام كما سمى هابرماز أفكار عبد الكريم سروش بحق، الذي امتك موقعا تحرريا في الثقافة الإسلامية شعبي من جهة والعالمة من جهة أخرى، لقد حاول وبقوة دمج مسارات الفلسفة الإسلامية مع فلسفة وعلم الاجتماع الغربيين، وقد لقبه الفلاسفة الغربيون ب” لوثر الإسلام” وبإرازموس الإسلام أيضا، كانت صيحته الشجاعة هي مصالحة الإسلام مع الأفكار الغربية الحديثة، ولاسيما الديمقراطية وحقوق الإنسان.. فلسفة سروش هي نصوص فذة ومختلطة بحقول متعددة في نسيج خطابي فكره وكتبه تجمع التاريخ مع الفلسفة مع العلوم مع تفسير القرآن مع الشعر الفارسي.. وهو أول من جعل من الشعر واسطة وميثادولوجيا في قراءة الظاهرات.. شيء من الهرميونطيقية. . والإيمانية. . والواقعية. . والشعرية في نص واحد.”

يقدم لنا د. “عبد الكريم سروش” في كتابه المثير للجدل “العقل والحرية” أن معرفة الإنسان بشؤون دنياه قابلة للتغيير، فإن معرفته بشؤون دينه تتغير أيضاً. لهذا يرى ان “لا التشيع هو الإسلام الخالص، ولا التسنن، ولا الأشعرية هي الحق المطلق، ولا الاعتزال، لا الفقه المالكي، ولا الفقه الجعفري، ولا تفسير الفخر الرازي ولا تفسير الطباطبائي، لا الزيدية، ولا الوهابية، لا كافة المسلمين في معرفة الله وعبادته عارون وخالون من الشرك، ولا قاطبة المسيحيين إدراكهم الديني خال منه، كلا، بل لقد ملأت الدنيا الهويات غير الخالصة، فلم يتربع الحق في جهة من الجهات دون جهة أخرى لتكون باطلاً محضاً، وعندما نذعن لهذا الأمر فسوف يتسنى لنا هضم الكثيرة بشكل أفضل”.

يحتوي كتابه “العقل والحرية” على ستة مقولات هامة تبحث في قضايا تتصل بالعقلانية والحرية والدين والنبوة، ففي “المقالة الأولى” يسلط الضوء على مقولتين “العقل والحرية” يبحث فيها بالموانع التي توضع في طريق الانفتاح على الحرية باسم الدين والتدنين بتوهم أن الحرية تتنافى مع الالتزام الديني، أو أن العقل البشري قاصر عن إدراك ملامحات الأحكام الشرعية.

فتبحث في طبيعة العلاقة والنسبة بين العلم والدين في مجال النزاع بين قضايا الدين ومعطيات الحضارة البشرية وما استجد من متغيرات في منظومة القيم والمفاهيم الجديدة، ويجيب على أسئلة تتصل بالهوية الدينية ومقولة العلمانية ويتعرض لبحث المتصوفة في مقولاتهم الثلاث: الشريعة والطريقة والحقيقة.

ويتناول دور النبي في حركة الحياة والمجتمع البشري، وأن الإيمان بالنبي هو ضرورة لا في دائرة القيم والمعارف الدينية بل في تفسير التجربة الدينية للإنسان المؤمن؟ وهنا فالنجاة والسعادة لا تتيسران إلا من خلال الإيمان بالنبي والسير على هداه، وتكون ممارسة الشعائر من أجل تقوية وترشيد التجربة الدينية، في وجدان الأفراد.

لهذا فهو يسلط الضوء على ماهية عمل الأنبياء في تغيير واقع الإنسان وكيانه الروحي، أي أن عمل الأنبياء ليس إرشادي فقط وإنما يتمحور في إيجاد تحول وجودي لا معرفي. وهذا هو مضمون قول أرباب المعرفة الدينية “أنا أؤمن لكي أفكر”.

لهذا يقدم توصيف إلى عمل الأنبياء والبشر في واقع التاريخ البشري وهل أن مسيرة البشرية تتجه نحو الكمال أو الانحطاط؟ وهل نجح الأنباء في مهمتهم الرسالة، أم أن قوى الشر كانت أقوى منهم؟ ثمن انه يتناول الدين ويفرق بين أنماط الإيمان والتدين، فيقسمه إلى: إيمان مصلحي، ومعرفين وتجريبي، مع شرح مفصل لكل نمط من تلك الأنماط.

فهو هنا يتعامل مع فكرة الدين تعاملاً نقدياً وعقلانياً، لتغدو معها المعرفة الدينية متغيرة ومتجددة وبذلك يتجاوز الكاتب المعرفة الكلاسيكية الجامدة إلى معرفة متغيرة ونسبية تحتمل الخطأ والصواب.

تلك القراءة جاءت بعد سعيه الى التجديد والحوار مع الجديد إذ يتكلم عبد الكريم سروش في كتابه التراث والعلمانية عن المفكر بحيث لا ينحو منحنا أفلاطونيا وذلك من خلال رفضه للفيلسوف السلطوي . الرئيس لان مقعد المفكر معنوي فهو رئيس بفكره وعلمه وعندما تجد مواقفه مكانا في المحيط الاجتماعي وكذا السلطوي وهجرة المفكر التي يتحدث عنها عبد الكريم سروش ليست هجرة جغرافية فهي هجرة لا زمنية ولا مكانية بوصفها هجرة فكرية ابستملوجيا منهجية فهي هجرة المفكر لأفكاره وإيديولوجيته واطلاعه على معارف وأدوات غيره وانفتاحه عليها وتفاعله معها بغية إثراء رصيده وتقوية دلائله وفعلنا أحيانا.. . عليك أن تفقد ذاتك حتى تجدها،فا الهجرة سروشيا ليست تماهي بقدر ما هي بناء للذات حضاريا وهجرة المفكر قد تكون برانية أو جوانية ولا فائدة في الأولى إذا لم ترتبط بالثانية وحديث سروش قادني إلى طرح أسئلة معرفية من حيث المبنى ابستمولوجية من حيث المعنى وكلها تتعلق بالهجرة وفق دلالتها السروشية هل كانت هجرة مفكرينا استلابية واغترابية أم أنها معقلنة وممنهجة هجراتهم هل كانت من الأنا إلى الأنا أو من الأنا إلى الأخر وهل كان هناك انفتاح جوانى وبرانى معقول ومقبول ومعتدل وما لا يدرك كله لا يترك جله.

تلك الهجرة هي ارتحال لذات عبر الارتشاف من ينبوع المعرفة التي لا تتقيد بالعقل دون النص ولا بالنص دون العرفان أنها انفتاح لدلالة عبر تعدد التجليات الإلهية التي تجعل من التجربة الدينية تقوم على التعدد والتاريخية من هذه التجربة يبزغ العلم الذي هو بنظره (مجموعة من الآراء تتحاور وتتجادل بأنغام وايقاع خاص).

ثم انه يتناول إشكاليات معاصرة، يتخطى إطار الفهم التقليدي للدين، الذي ظل مسيطراً على الخطاب الكلاسيكي قروناً طويلة، إلى آفاق أكثر رحابة وقضايا أشد ارتباطاً بهموم الإنسان المعاصر والمجتمعات الإسلامية الحديثة وجوداً ونمط تفكير وأسلوب حياة.

وما يسبغ على هذه الموضوعات نكهتها الخاصة أنها تعبر عن قراءة معاصرة وعميقة للدين ومفاهميه ودوره وقدرته على استعياب المصطلحات الحديثة ذات المنشأ الغربي التي لم يألفها المسلمون من قبل ومنها: الحداثة والحريات العامة والمرأة والانتخاب والديمقراطية وحقوق الإنسان الخ..

ولعل من يتابع آراء الباحث الأكاديمي والمفكر د. عبد الكريم سروش يدرك ما يميز محاوراته وكتاباته من عمق وتمحيص وقدرة على الغوص وراء المعاني، ومدى اهتمامه بالدين من منطلق استجابته لحاجات المجتمعات الإسلامية إلى التطور وعدم الانغلاق أو الانحباس في قمقم التقليد والطقوسية الدينية التي كانت وراء تقهقر المسلمين وتخلفهم عن ركب العصر.

 1- الاهتمام بالعرفان

الذي اقصده من هذا العنوان ان الحفر بالفلسفة الدينية جاء من اهتمامه بل والنهمامه منذ البدء “العرفان “اهتمام جعل منه يرصد بعين العارف روح الشريعة وبالتالي جاءت تلك البداية رهينة اهتماماته التي تركة ضلها ممتد على كل تجاربه الروحية التي غدت هي الأخرى فيما النبع الذي يرتشف منه .

(يقول سروش عندما كنت في ريعان شبابي اطلعت على مصدرين في علم الأخلاق الإسلامي والسلوك العملي، الأول (جامع السعادات)، للملا مهدي النراقي والثاني كتاب (المراقبات في إعمال السنة) للميرزا جواد اقا ملكي التبريزي (لم اكتفي بقراءة كتاب المراقبات بل التهمته التهاما والى ألان عندما أتذكر هذا الكتاب تأخذني حالة من الهيبة والرهبة في أعماق وجودي، إذ أودع المؤلف المبدع نوعا من الأمل والرجاء في هذا الكتاب القيم ).

بعد هذه المقدمة هل يمكن أن نقول أن سروش خرج من عباءة العرفان والسلوك والتصوف الإسلامي، فاهتزت روحه اهتزازا عظيما قبل أن يهتز عقله، كيف لا وقد وقع سروش تحت مساقط ظل كلمات العارفين وأهل القلوب. ولكن يبقى السؤال قائما بشأن العلاقة بين القلب والعقل، بين إصلاح الروح وسمو العقل؟

وهل يمكن أن نجد تماهيا واضحا بين جرأة العارفين وأطروحات سروش في الإصلاح الديني وتفوق هذه الأطروحات؟ كيف لا وهو القائل (في عام 1972 عندما كنت عازما للذهاب إلى بريطانيا لإكمال الدراسة الجامعية اصطحبت معي أربعة كتب: الإسفار الأربعة(العقلية)لصدر الدين الشيرازي، والمحجة البيضاء للملا محسن فيض الكاشاني، والمثنوي المعنوي لجلال الدين البلخي ــ الرومي،وديوان شمس الدين محمد حافظ الشيرازي، الأول كان غذاء لعقلي والأخريات كن غذاء لروحي) وعلى الرغم من وجود سروش في لجة الغرب وفكره وحضارته؛ إلا انه كان متسلحا بحكمة الشرق وعقله وروحانيته بمواجهة مادية الحضارة الغربية،وكان الغزالي حاضرا بكتابه (إحياء علوم الدين) ولكن لسروش موقف من الغزالي،اذ يقول سروش (لا يمكن المقارنة بين حرارة ولهيب (مولوي) وبرودة ولطافة الغزالي، كنت افر من حرارة مولوي الى برودة الغزالي.. شاهدت جرح روح الغزالي لشدة خوفه من سوء العاقبة. . وبسبب الجراح الكثيرة في مواقع الفكر الغزالي لا يمكن مشاهدة بسمة واحدة في أجواء هذا الفكر،كانت جروحه تبتسم بدلا عنه، الغزالي العارف الخائف وصاحب الروح الجريحة يملك هيبة لاتطاق، اله الغزالي عبوس يملك قلبا من حجر، غضبه غالب على عطفه وقهره على رحمته، كنت ابحث عن اله رحمن رحيم، له قلب واسع، لا حدود له، وجدت هذا الإله عند مولوي، وجدت مولوي العارف العاشق الذي يحلق في سماء الوجدان وأجواء العشق وآفاق الحب.

2 – البعد النقدي في فهم الدين

بالجرأة والجدة المعرفية كما يرى السيد احمد القبانجي(فالقول بان المعرفة الدينية معرفة متغيرة ونسبية وتحتمل الخطأ والتناقض، أو بشرية وتاريخية، وان الوحي والرسالة تابعان لشخصية النبي، يخالف الرأي السائد لدى أكثرية علماء الإسلام الذين يرون أن معارفهم الدينية هي معلومات صادقة وتامة،بقدر ما هي صحيحة وضرورية من حيث علاقتها بالأصل والنص، مما يجعل كل فريق يدعي أن فهمه للإسلام هو الفهم الأصولي الصحيح، وان خطه هو الخط المستقيم، مستبعدا بذلك سواه من حظيرة الإسلام او من دائرة الإيمان.

يرى سروش أن الفقهاء ما لم يجتهدوا في دائرة المباني والأصول ويطرحوا معرفة جديدة في إطار علوم الانسنة والوجود فأنهم لا يتمكنون من الاستجابة لتحديات الواقع وحاجات المجتمع البشري المعاصر. لان الفقه الكامل لا يوجد على سطح الأرض بل هو عند الله،ولكن علم الفقه علم بشري، وكل العلوم البشرية تتحرك في صراط التكامل.

ولعل هذا التصور وان كان يبدو علمي الا انه محض ميتافيزيقا أي انه انطلق في معظم أطروحته من التصور الكانتي للمعرفة بمقولاتها القبلية ومقولاتها البعدية فجعل المعرفة الدينية تنقسم إلى تنقسم كاملة وأخرى تاريخية أي انه اعتمد تقسيم “كانت” بين الشيء في ذاته الذي هو مجرد ميتافيزيقا والشيء لذاته حتى يبدو وكأنه لا ينتقد الدين في حين هو يحوله إلى محض ميتافيزيقا خارج حدود العلم تهربا من الاتهام،في حين يستفيد من هذا يمارس نقده الشديد لكل القراءات الدينية من خلال قوله: اذ كانت كل المعرفة الإنسانية عن الدين معرضة للخطأ، فلا أحد يمكنه أن يطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية باسم الله، ولا حتى رجال الدين. يوضح سروش في “بسط التجربة النبوية” أن رؤيته لعدم معصومية المعرفة الدينية تنطبق إلى حد ما أيضا على القرآن. فهو ينتمي، مع مفكرين من أمثال نصر حامد أبو زيد ومحمد أركون، إلى مجموعة صغيرة من القراءات الراديكاليين تدعو إلى مقاربة تاريخية للقرآن. وان كان يعتمد على بالبعد ألعرفاني والخلفية الاعتزالية إلا انه ينتمي إلى التصورات المعاصرة بكل عدميتها وان كان يعمل على تبيئتها، وكأنها عرفا نية وحتى هذا يعود إلى هيك الذي كان يشير إلى النصوص العرفانية، إلا أن سروش في كتابه الجديد يخطو خطوة أبعد من كثير من زملائه الراديكاليين. بل انه يحدد لدين إبعاد دنيوية محدده وان كان يشير إلى البعد الروحي والتجربة الإيمانية؛ إلا انه يحدد وظيفة الدين بكونه( الغاية من الدين هي تعليم الناس على النظافة والالتزام بالقيم الاخلاقية والتحرك في خط العدل وأمثال ذلك وبذلك تكون الحياة الدنيا عامرة وسعيدة، أي يكون الدين خادما والحياة الدنيا مخدومة، وهذا هو معنى الدين العلماني) نعم الدين مهتم بالحياة لكن فقط هذه وظيفته فقط انه يحاول تحجيم وظيفة الدين فهو لا يدعي هذا فقط بل أن القرآن نتاج للظروف التاريخية التي نشأ فيها، بل هو نتاج أيضا لروح النبي محمد بكل محدوديته البشرية. هذه الفكرة ليست جديدة، حسب سروش، لأن مفكرين عديدين في القرون الوسطى لمحوا إلى ذلك من قبل. وهذه استعاره أخرى أيضا مضلله فهو ينطلق من اللادرية والنسبية الغربية ويتمركز حول مقولاتهم في تاريخية القراءة الدينية ويتخذ من التجربة بمعياريتها التي طرحتها الليبرالية عند جون هيك والقراءات العدمية التي تعامل مع الواقع الدينية من خلال كونها محض تجربة دينية وهنا تظهر المشتركات بين أركون ونصر حامد من خلال تعاملهم التاريخي ألعدمي مع النص المقدس وهو امتداد للقراءات الاستشراقية ذات الإرث العلماني ألعدمي ولعل هذا يظهر بوضوح في هذا اللقاء مع سروش يمكن أن نركز على ابرز أرائه من خلال الحوار التالي:

– كيف يمكننا في عالمنا المعاصر المحرر من السحر أن نفهم شيئا مثل الوحي؟

’الوحي” هو “الإلهام”. هو نفس التجربة التي يخضع لها الشعراء والمتصوفة. الاختلاف هو أن الأنبياء يقفون فيه في مستوى أعلى. وفي عصرنا الحديث يمكننا فهم الوحي على الأرجح عن طريق مقارنتنا إياه مع الشعر. قال فيلسوف مسلم ذات مرة أن الوحي شعر من نوع أسمى. فهو مصدر للمعرفة يعمل بشكل يختلف عن الفلسفة أو العلم. يشعر الشاعر أنه يتلقى الزاد من مصدر خارجي عنه. يشعر أنه يتلقى شيئا ما. فالشعر، مثل الوحي، موهبة. قد يفتح الشاعر آفاقا جديدة ويجعل الناس ينظرون إلى العالم بطريقة مختلفة .. ’النبي يشعر، مثله في ذلك مثل الشاعر، أنه يُمسـَك به من قبل قوة خارجية عنه. ولكن في الواقع – أو بالأحرى في الوقت نفسه – يكون هو الخالق والمنتج. هنا في هذا الحوار الذي عرضنا إلى أجزاء هامه منه يكشف الموقف النقدي له من فهمه لتجربة النبوية والنص وهي مواقف تظهر في بسط التجربة النبوية .

د. عامر عبد زيد الوائلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *