المرجع اليعقوبي يجيب على استفتاء يتعلق بـ” حد الحرابة والإفساد في الأرض”

28 مايو، 2020
91

أفاد مراسل (وكالة عين للأنباء) في النجف الاشرف، ان سماحة المرجع اليعقوبي أجاب على استفتاء تقدم به احد طلبة الدراسات العليا (الماجستير) حول ” حد الحرابة والإفساد في الأرض”.

وأضاف مراسلنا انه جاء في نص الاستفتاء:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنا طالب ماجستير وعنوان رسالتي (العمل الإرهابي وتأثيره على حقوق الإنسان دراسة مقارنة بين الفقه الامامي والقانون الدولي) ولم أجد في الموسوعات الفقهية لعلماء الإمامية تعريفاً للإرهاب في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) لذا أرجوا أن تبينوا لنا ذلك لتضمينه في الرسالة.

جواب..

لم يرد مصطلح الإرهاب في موضوعات الأحكام الشرعية وإنما هو منقول من الثقافة الغربية المعاصرة، وأنا أسيء الظن بهم حين اختاروا[1] هذا اللفظ للتعبير عن الحالة بأنهم أرادوا تشويه صورة الإسلام بإلصاق تهمة الإرهاب به باعتبار ان القرآن الكريم أمر (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) (الأنفال:60) والمعنى المراد في الآية غير ما قصدوه، لأن الآية تدعوا إلى اظهار القوة والاستعداد لمواجهة العدو كجزء من الحرب النفسية لإرعاب العدو وإخافته من أجل ردعه ودفع عدوانه وظلمه وإحداث حالة من توازن الرعب معه بل التفوق عليه.

وقد نهت الروايات الشريفة عن استعمال الإخافة والإرعاب والترويع في غير الحالة الدفاعية المذكورة، فقد روي عبدالله بن سنان عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : من نظر إلى مؤمن نظرة ليخيفه بها، أخافه الله عزوجل يوم لا ظل الا ظلّه)[2] وروي عن أمير المؤمنين علي قوله (لا يحل لمسلم أن يروّع مسلماً)[3] .

فترويع الناس الآمنين المسالمين وإخافتهم محرم مطلقاً حتى بالنظرة، وهذا ملخص موقف الإسلام.

 وقد جعل للأمن قيمة عليا واعتبره من مقومات الحياة الكريمة للإنسان فمن كلمات أمير المؤمنين (رفاهية العيش في الأمن) و (لا نعمة اهنأ من الأمن) و (شر البلاد بلد لا أمن فيه ولا خصب) [4]  وفي الحديث (خمس خصال من فقد واحدة منهن لم يزل ناقص العيش، زائل العقل، مشغول القلب، فأولها صحة البدن والثانية: الأمن، والثالثة: السعة في الرزق، والرابعة: الأنيس الموافق، والخامسة وهي تجمع هذه الخصال: الدعة)[5] وفي الحديث (ثلاثة أشياء يحتاج الناس طراً إليها: الأمن والعدل والخصب)[6].

وكانت سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة المعصومين (عليهم السلام) حافلة بالشواهد على النهي عن ترويع الناس واخافتهم فعندما فتح النبي (صلى الله عليه وآله) مكة وصارت قريش التي مارست أنواع القتل والتعذيب والتهجير بحقه وحق أصحابه في قبضته نهى أصحابه عن إخافة أي شخص من أهل مكة وأمر بأخذ الراية من سعد بن عبادة لما علم (صلى الله عليه وآله) أنه هزّها فرحاً بنشوة الانتصار.

والمصطلح الموجود في الفقه الإسلامي مقابل مصطلح الإرهاب هو الحرابة والافساد في الأرض وقد ورد في القرآن الكريم وفرض عليه أشد العقوبات، قال الله تبارك وتعالى (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (المائدة:33-34) .

وبحسب فهمي فان الافساد في الأرض ذكر لوجهين

1-  لبيان ملاك الحرابة الموجبة للعقوبة المذكورة لأن محاربة الله تعالى لها مصاديق كثيرة لا ينطبق عليها جميعاً عنوان الحرابة الموجب للحد المذكور كمخالفة الاحكام الشرعية، قال السيد الطباطبائي(قدس) (( محاربة الله ذات معنى وسيع يصدق على مخالفة كل حكم من الاحكام الشرعية وكل ظلم واسراف)[7] فجيء بهذا العنوان لتحديد مفهوم الحرابة المقصودة بالحد.

2-  ولأن الحرابة قد يظهر منها اشتراط استعمال السلاح أو التلويح به لتحقق العنوان مع أن حد الحرابة قد يجب بغير ذلك اذا تحقق عنوان الافساد في الأرض، قال ابن ادريس (قدس) ((ولا خلاف بين الفقهاء ــ أي فقهاء العامة ــ أن المراد بهذه الآية قطاع الطريق، وعندنا كل من شهر السلاح لإخافة الناس في بر كان أو في بحر، في العمران والامصار، أو في البراري والصحاري وعلى كل حال))[8] .

وقال مثله المقداد السيوري (قدس) في تفسير الآية[9] وذكر السلاح في بعض الروايات[10] من باب التطبيق على المصاديق.

 فالحرابة والافساد في الأرض يراد به كل إخلال بالنظام الاجتماعي العام على نحو يهدّد الأمن أو الاقتصاد أو العقيدة، وهذا كلام مجمل، وإجماله مضرّ بل خطير لو ترك للعصبية والاهواء والتأويلات بلا محددات لسعة التطبيقات.

 والذي يهوّن الخطب ان أمر الحدود

من وظائف الحاك

م الشرعي الجامع للشرائط ولا يحق لغيره النظر فيه مطلقاً فضلاً عن تطبيقه على أحد أو تنفيذه، والحاكم الشرعي هو الذي يحدّد من ينطبق عليه العنوان.

محمد اليعقوبي  النجف الاشرف

[1] – كإطلاقهم لفظ الاستعمار على عدوانهم الوحشي على الشعوب وسحقها واذلالها ونهب ثرواتها مع انه مصطلح قراني حضاري يراد به اعمار الحياة بكل شيء مثمر مبارك (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) [هود : 61]

[2] – وسائل الشيعة: 12/303 أبواب احكام العشرة، باب 162 ح 1

[3] – وسائل الشيعة: 12/303 أبواب احكام العشرة، باب 162 ح 3

[4] – غرر الحكم:10254،10253،10255

[5] – وسائل الشيعة: 20/51-52 أبواب مقدمات النكاح، باب 14 ح 7

[6] – بحار الانوار

[7] – الميزان في تفسير القران:5/354

[8] – السرائر:3/505

[9] – كنز العرفان:2/351

[10]- راجع وسائل الشيعة:28/310، أبواب حد المحارب، باب1