مسْرح جديد للإرهاب

29 مايو، 2020
46

د. سامي عبد العال

ارتبط الإرهابُ بمآرب القُوى العالمية بقدر ارتباطه بأوهامٍ تراثيةٍ تحت لافتةِ الخلافةِ. الاثنتان تتلاعبان به إلى حيث الفوضى وتدمير المجتمعات، غائبُ الفهم وفاقد الشرعية وطافح بالكراهية والانتقام من الحياة والإنسان. لا فرق، لقد غدت السياسة لدي الجماعات الإرهابية كالخِرقة البالية فوق عينيها دون رؤيةٍ، فهُم كالعميان الذين يسيرون خلف ثعابين الحروب ونهب ثروات الدول وتنفيذ خطط العولمة المسلحة. ذلك نتيجة ركض الارهابيين حُفاةً من العقل والوعي باسم الجهاد الدموي. عقولهم مجرد أحذية يمكن لأي “حائك ماكر” تصنيعها بكامل أدمغتهم فوراً. السياسة الشرعية لدى الإرهاب مادة مخدرة تفقدهم بوصلة الإنسانية، فيمارسون أعمالاً قاتلة تستأصل أيَّ روح إنساني حُر.

جاء أردوغان بصدد إرهابي ليبيا بمثابة “حائك الأحذية” الماكر، أخذ يهيئ مسرح الارهاب ويرسم الرموز والديكور ويحدد الغنائم التي تثير لعاب الجهاديين. غنائم الدنيا في ليبيا (البترول – الأرض البكر – الفضاء الخالي – الأجواء الرائعة – الثروات العينية- العمليات مدفوعة الأجر) والغنائم بالآخرة نتيجة الجهاد (الحُور العين– الجنان عرضها السموات والأرض- الخمور والنبيذ الحلال- الخلود مع الشهداء والنبيين).

السلطان العثماني ظهر بسحنات لاهوتية في المشهد الليبي، أخذ يطلق عبارات الحنو والشفقة على شعبها الجريح، واضعاً نفسه تدريجياً على الخريطة السياسية. عقد أكثر من لقاء مع رئيس حكومة الاتفاق، ولم تكُن أول مرة، بل فتح الأجواء التُركية لمعالجة الجهاديين من قبل، وأرسل لهم الخطط والعتاد والخبرات بعنوان” إعادة الإعمار والاستثمار”. وهو يدرك كصانع أحذية لاهوتية سياسية أن (الأدمغة الارهابية) هي ثروة استراتيجية وإقليمية لا تقدر بثمن.

برزت “خزائن الجهاد” حين أبرمت مصر اتفاقيات الغاز بالبحر المتوسط ورسّمت حدود المياه الإقليمية مع دول الجوار المائي (قبرص– اليونان). وعندما قُدِّرت القيمة المالية الكبيرة من وراء الحقول المكتشفة لو طبقت الاتفاقيات، وقد شرعت مصر فعلاً في هذا الاتجاه. لم يعترف أردوغان بالتواجد المصري واستثمار ثرواته البترولية، لكنه فطِن إلى خميرة الإرهاب المعتقة والتي أنضجتها الحرب السورية والعراقية، حيث كان السلطان يحوم ويدور ويوظف مآربه كالقط على الحدود التركية مع هذه الدول. ثم كشف أردوغان عن نواياه مؤخراً عندما اجتاح مناطق الأكراد بسوريا والعراق. وكما فعل بالأرضي المجاورة لتركيا من سلب رمزية الخريطة والتوغل غير الشرعي واستعمال الإرهاب، أراد كذاك التوغُل داخل ليبيا واعادة تشغيل ماكينة الإرهاب للتحرش بمصر والسطو على حقوقها المائية.

ومن قبل فعل السلطان شيئاً يعدُّ سابقةً في تاريخ الحدود المائية بين الدول حين أعطى لنفسه الحق (كل الحق) في ترسيم الحدود المائية بين تركيا وليبيا، رغم أنه لا تربط الدولة الأولى أية حدود بالدولة الثانية ابتداء. هذا نوع من الألاعيب البهلوانية من مرتفع شاهق وساحق فوق العدم السياسي الذي يغرق المنطقة العربية. هو بالضبط أشبه بإقامة دولة الخلافة على منطقتي العراق والشام كما فعلت داعش. النهب التاريخي واحد سواء لحدود وهمية لتركيا (بأسيا) مع دولة أخرى لا تخصها ( بأفريقيا) أو لحدود جيوسياسية طبقت عليها داعش سرقة مفهوم الخلافة ومفهوم الدين بكل تباعته الجهادية دون وجه حق أو باطل.

وبهذا ظن السلطان العثماني أنَّه يضرب كل الغنائم بضربة واحدة على المسرح الليبي.

1- فتح رئة إقليمية للتنفيس عن مشكلاته بالجوار السوري ومد يده خارج الدولة التركية.

2- وضع خدماته تحت تصرف القناصين الدوليين ( وخاصة أمريكا)، ليجدد الأهمية لنفسه بعدما فقد بريقه وتورط في مخالفة الأمريكان بأكثر من موقف سوري.

3- استعادة عمامته العثمانية المهترئة بعد أن بالت عليها الثعالبُ، الحلم القديم الذي كان متوهجاً عبر التجارة والعلاقات الدبلوماسية، ولكن حلول الربيع العربي عطّل المشروع.

4- التواجُد المادي كقوة تركية (عثمانية) على خريطة أفريقيا، بحثاً عن المصالح والضغط على مصر نظير إجهاضها لمشروع الإخوان. وهو المشروع الذي كان سيصب في الأهداف نفسها بطريقة غير مباشرة ومن وراء حجاب.

5- تشبيك أيدي تركيا بأيدي قطر في المنطقة (ليبيا كانت نقطة الالتقاء مثلما كان يخطط لذلك قبيل الربيع العربي). ولا سيما أنَّ لقطر أصابع حية بتونس (النهضة) وليبيا (مليشيات الاتفاق والإخوان) وبقايا (الفارين من إخوان مصر) وإرهابيو أفريقيا السمراء (بوكوحرام ومنظمات الشباب الاسلامي بالصومال وغيرها).

6- دفع مصر تحت حِرابه اللفظية طوال الوقت، وتحريك الخلايا الداعشية والإخوانية إن لم ترضخ لضغوطه.

7- الأهم هو ابتلاع تركيا لثروات ليبيا والانفراد بها وحدها في غيبة الغرب لحروبه مع كورونا والعواصف الكلامية بين الدول الأوربية.

أبرز ما قاله أردوغان لكتابة السيناريو هو: “أننا نتدخل بليبيا للحفاظ على ميراث الأجداد”… هذا القول جزء من خطاب غارق في التصورات الإرهابية، وربما هو الوهم الكبير منذ سقوط الخلافة العثمانية كالجرز النازف. فليس الإرهاب أكثر من فرض الوصاية على شعب لا علاقة بينك وبينه. وهو شعب حر مستقل وله كافة الحقوق على فرض سيادته والدفاع عن أراضيه. ليأتِ صوت خارجي متطفل واضعاً دولته (ليبيا) بين قوسين، كأنه يعيد عصور الظلام العثمانية مرة أخرى. عصورُ مرضٍ فتك قد بالعالم العربي والاسلامي وكان كالسرطان يغتذي على قدراته وينهب ثرواته وتراثه (ألم يستولِ العثمانيون على الحرفيين والصناع والتجار والكتاب والوراقين وأصحاب المهن المهرة وإرسالهم قديماً إلى اسطنبول؟!).

أيُّ ميراثٍ عثماني في الدولة الليبية الخارجة لتوِّها من صراعات طاحنة تحت أطماع دولية؟! إنَّ ليبيا (المجتمع والدولة) لم تهدأ ولم تأخذ أنفاساً مريحةً للملمة جراحها. حتى وإن بدا المشهد هادئاً يوماً ما، اسبوعاً ما، شهراً ما منذ سنوات، فهذا مشهد خادع، لأنها كانت وما زالت مسرحاً لقوى الخارج التي تستعمل كل الأسلحة القذرة. وجميعها اتفقت على شيء واحدٍ: ينبغي تدمير المجتمع وتقطيع أوصاله وإهانة كرامته وإهالة التراب على رموزه حتى يتم السيطرة على الأرض. ولم يكن لينقص الليبيين إلاَّ تحويلهم إلى ميراث عثماني ضائع!! وعلى الارهابيين استعادته بلكنة الخلافة العثمانية.

هذا ديدن الجهل باسم الخلافة حين تتحول إلى دماء وقتل تحركهما رايات الجهاد، وحين يتم تسهيل المهام الحربية لعناصر إرهابية تدمر كل شيء بذات المسمى. لأن الخلافة في التاريخ المعاصر خرجت من التراث بحد الموت لكل المجتمعات التي تقف في صف الحياة. الخليفة العثماني ومن قبل أمريكا رتبت هذه المفاهيم الارهابية وكم جوَّعت ذئاب الجماعات الإسلامية وشحنت ذهنيتها العنيفة طوال الحرب العراقية الإيرانية والحرب الأفغانية الروسية لهذه المهمة لاحقا. حتى طغت على خريطة الأحداث في غير حالة بسوريا وليبيا ومصر واليمن. ولولا اختلاف التكوين الثقافي لهذه البيئات، لكان العالم العربي مجازر للجهاديين حتى الأن، فقد تمَّ انتشال مصر وتونس والجزائر بدرجات نسبيةٍ ولكنها ليست كاملة.

الآن (بظهور المآرب العثمانية جهاراً نهاراً) أخذ الارهاب يعلن أنه صاحب مهام قذرة عابرة للحدود، فقد ظهر بالأشكال ذاتها في شوارع ليبيا كما ظهر من قبل، اشتعلت حرب الفصائل الواقفة وراءها تركيا وقطر من جهةٍ والجيش الليبي تدعمه دول إقليمية وعالمية من جهةٍ أخرى. المؤسف أنه وسط المشاهد المحزنة، قد ينزلق الشعب الليبي (أو هكذا يراد له السقوط) إلى براثن الفوضى والتقاتل ونهب ثرواته وانعدام فرص الحياة الآمنة.

إنه الشعب الذي لا يستحق الأوضاع الدامية، لكنه يستحق مستقبلاً أفضل وفرص العيش الكريم دون صراع. والمراهنة التي قد لا يراها العثمانيون أن الشعب الليبي يعرف جيداً ماذا يريد، وأنه قد بلغ من الحنكة إزاء المؤامرات مبلغاً يحول دون الوقوع في الفخ. كما أنَّ نسيجه الاجتماعي (القبائلي) سيجهض الصراع أو بالأقل سيقف حائلاً دون انتشاره. لأن القبائل أشد رسوخاً على الأرض وتعرف ماذا يعني الوطن جيداً، وتدرك كل مفاصل الدولة من الرمال والحصى حتى الجبال والحروب.

إزاء ذلك نقل السلطان العثماني الإرهابيين من سوريا والعراق وتركيا إلى ساحة الجهاد بليبيا. وأخذ يلعب اللعبة الأمريكية الشهيرة بغسل الإرهاب في منطقة مدمرة، ثم إرسال عناصره إلى ساحة جديدة. إن الإرهاب لا يجد له أرضاً إلا إذا كانت فضاءً شاسعاً مثل الأراضي الليبية، لسهولة حركة وانزال السلاح والإغارة المباشرة والكر والفر دون عائق.

وهذا يبرز عدة نقاط جديرة بالنظر.

أولاً: أنَّ الارهاب مهما كانت لافتاته لا قضية له، لقد أستقر كأداة تدمير وقتل كما بدأ. ولو كان لهؤلاء الأفظاظ قضية ما كانوا مرتزقةً بالنصوص التكفيرية والجهادية واستعمال الدين لانتهاك المجتمعات.

ثانياً: الارهاب الديني لم يكن مستقلاً ولن يكون، دوماً هو كالطُفيليات الملتصقة بالقوى الدولية لتحقيق مصالح وأطماع سواه. لأنه جزء من خريطة العالم التي يرسمها عسكريو العولمة لإشعال الصراع وإلهاء الشعوب عن نهب الثروات والهيمنة. الارهاب هو الوجه الواضح لقوى تصنع الصورة الذهنية للأحداث وتعيد تسويقها وتواجدها.

ثالثاً: يريد السلطان العثماني تجميع إرهابيي مصر والسودان وأفريقيا على هيئة بؤر صديدية تطلق آلامها في الجسد المصري لا الليبي فقط. وباتت الحرب الليبية بمثابة المواجهة غير المعلنة مع مصر. هي نوع من القصاص بسبب اخفاق الإخوان في ركوب القطعان الدينية الإقليمية التي التقت مع أهدافهم.

رابعاً: يبدو أنَّ الإرهاب بسيناء سيزدادُ في المرحلة القادمة، لأنَّ السلطان العثماني مع خادمه القطري يريدان إشغال النظام المصري في منطقة أخرى بعيداً عن ليبيا. على طريقة – مثلاً- الإشارة التي قد يطلقها البعض إلى أن هناك عصفورة بالسماء، بينما يريدون اشغال المستمع عن شيء آخر يحدث باتجاه ثانٍ.

خامساً: لن يستسلم الارهابُ بسهولةٍ في ليبيا ولو بقي إرهابيٌ واحد، لأنَّ محاربة الجيش الليبي خطوة لملامسة الحدود المصرية والتوغل فيها. وأتصور أنَّ مصر منتبهةٌ جيداً لهذا الرمي العثماني القطري تجاه حدودها، وأنَّ الهدف البعيد لن يحدث.

سادساً: لن تتوانى جماعة الإخوان عن إرسال عناصرها (تجميعهم) بدوافع مازالت ساخنة (نتيجة فشل دولتها) إلى جوار إخوانهم الأتراك بليبيا. لأنَّ هناك -كما يعدُّون- المعركة الكبرى التي لو ظفروا بها ستعدل الكفة، وسيعلنون عن القادم. الجماعة الاخوانية لم تنسَ أن الثروات الليبية الضخمة تنتظر جماعة اسطورية بحجمهم تستطيع توظيفها!!

سابعاً: ربما لو دخلت القبائل الليبية المعادلة إزاء الارهاب سيتغير كل شيء. وهذا هو المقترح القادم لأنهم النسيج الليبي الحي والأكثر حرصاً على المجتمع. والإرهاب هو المبرر القوي الذي يجعلهم يخوضون حرباً تجاه عدوا يستهدفهم بالمقام الأول. لكن حكومة الوفاق تحاول من جهتها تغطية الإرهاب تحت عباءة الشرعية كما تقول كي تتجنب تلك المواجهة القادمة لو استمر العثمانيون في هذا الطريق.

ثامناً: لن تفعل أمريكا (ومن يدور في فلكها) شيئاً غير الاستنكار وإطلاق عبارات التنديد والمخاوف من اتساع رقعة الحرب الليبية. والسبب أنَّ الوكيل العثماني القطري على الأرض قد أدى فروض الطاعة وأطلق الوعود بالنصيب الأكبر من الولاء والأرباح والغنائم. ولو استفحلت الأمور فستحرص على حالة استمرار الاستنزاف بين الأطراف، وإذا تفاقمت إلى حد اللعنة ستستصدر أمريكا قرارات دولية تبقي حبراً على ورق وستعطي الارهابيين مساحة غير واضحة للتحرك الخفي.

تاسعاً: الخطاب الإعلامي المُندد بالإرهاب العثماني (فضائيات بعض العرب) أشبه بنقيق الضفادع، لا يقرأ الأحداث بدقة وبرؤية عقلانيةٍ تميز الأشياء وتحدد الأهداف، إنما استمر في إيراد صور متناثرة والعزف على تسديد ضربات النكاية في قطر وتركيا. بينما الموضوع معروف الأطراف ولا يحتاج إلى كل هذا النقيق المُمل.

التصنيفات : مقالات الرأي