التوحد .. طيف يهدد أحلام الاهل

19 يونيو، 2020
282

عقيل غني جاحم – سامي كامل العبودي

تصحوا فاطمة في كل صباح لتنسج خيوطاً من شعر دميتها التي لا تفارقها حتى في نومها، مبتعدة عن الآخرين غير مكترثة لما يدور حولها، يؤذيها الصوت المرتفع فهي في مزاج مختلف، تحتاج إلى الهدوء في جميع أوقاتها ..

” كان عمر ابنتي خمسة أعوام وانا اشاركها آلام المرض وسهر الليالي .. فرحلة علاجها طويلة ، واملي بشفائها ميؤوس منه.. ” كما تقول ام فاطمة..

فاطمة ذات الاثنى عشر ربيعاً تنتابها حالات من الصرع المتكرر، لم يكن والداها قد اكتشفا بان ابنتهما مريضة .. فكلمات الطبيب ” ابنتكم مصابة بطيف التوحد ” أصابتهما بالذهول والدهشة ، فالأطباء الذين كانوا يشرفون على علاج ابنتهم سابقا لم يشخصوا حالتها من قبل..

وتتفاجئ والدة فاطمة ، 35 عاماً من النجف بكلام الطبيب، فمسيرة خمس سنين مع الأطباء غير كافية لتشخيص حالة ابنتها، فالبعض قال: انها تعاني من ضعف بخلايا الدماغ, والبعض الآخر يقول انها تعاني من وجود كيس مائي في الدماغ, فيما شخص آخرون حالتها بنوبات الصرع، فهي قليلة الحركة ولا تتكلم ولا يمكنها تدبر ابسط أمورها، هي لم تكن تنوي زيارة هذا الطبيب ولكن سفر الطبيب المشرف على علاج ابنتها اجبرها ان تراجع طبيباً آخر.

واضطرابات طيف التوحد، هي “طائفة من الاعتلالات” تظهر في ضعف السلوك الاجتماعي والقدرة على التواصل والمهارات اللغوية إلى حد ما، كما يتسم المصاب بالتوحد بضيق نطاق اهتماماته وأنشطته التي يميل في الغالب إلى التمسك بها وتكرارها… هكذا عرفت (منظمة الصحة العالمية) مرض طيف التوحد.

ويؤكد اغلب الباحثين في هذا الشأن ان لعائلة المصاب دوراً كبيراً في التشخيص الأولي للإصابة، وقد يكون أسرع من تشخيص الطبيب المختص, من خلال ملاحظة ومراقبة أفعال وحركات أولادهم منذ الأشهر الأولى بعد الولادة، لذلك كلما كان العلاج مبكراً فان نسب الشفاء والتحسن تكون اكبر.

الباحث الاجتماعي رحمن علي يعزو أسباب التوحد إلى عدم اهتمام الأهل وترك أطفالهم أمام الكم الهائل من القنوات الفضائية والأجهزة الالكترونية الحديثة والألعاب لساعات طويلة .

مبيناً وجود دراسات تقول ان ترك الأطفال من عمر ستة أشهر الى سنتين أمام التلفاز خطر جداً ويؤثر على ذكائه ويجعله بعالم خاص بعيداً عن العالم الاجتماعي, كونه وجد ما يغنيه عن الاختلاط بالعائلة.

اما طبيب الاختصاص بمعالجة إشارات الدماغ هندسيا في جامعة أوكلاند الأمريكية الدكتور شامل محسن هادي فيقول” ان التوحد تم اكتشافه في الأربعينيات من القرن الماضي، حيث ان التوحد ناتج عن ضعف معالجة وتحليل المعلومات التي تدخل للدماغ باستعمال الحواس الخمس كما توجد حاستان أخريان وهما (حاسة التوازن) موجودة في الإذن والحاسة السابعة (الحس العميق) وهي في المفاصل والعضلات، وعلى أثرها فان تحديد نسبة الإصابة بطيف التوحد عند الأطفال يتم معرفتها من خلال الحواس السبع, فيما ارجع أسباب الإصابة بهذا الطيف لعدة عوامل منها بيئية ومنها وراثية وقد يجتمعان معاً ” .

وأظهرت دراسة أجريت في أمريكا نشرت في بداية عام 2019، ان نسبة الإصابات في عام 1975 كانت واحدة من بين 5000 طفل، وفي عام 1985 سجلت إصابة واحدة من بين 2500، اما في عام 1995 فهنالك إصابة واحدة من بين كل 500 طفل، حتى وصلت الإحصائيات في 2018 تسجيل حالة واحدة من بين 40. ووفق التحليلات التي أظهرتها الدراسة فان الحالات تضاعفت بنسبة 120% منذ عام ١٩٧٥ لغاية ٢٠١٩.

وفي العراق لم نحصل على إحصائيات دقيقة لأعداد المصابين بمرض طيف التوحد، وعند مراجعتنا إلى أكثر من دائرة صحية ومجتمعية تبين لنا انه لا يوجد اهتمام من قبل الجهات الصحية بهذه الشريحة ولا يمتلكون إحصائيات حقيقية.

مديرة قسم ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة في دائرة العمل والشؤون الاجتماعية في النجف، الدكتورة رويدة جاسم، قالت : ” في عام 2016 تم شمول 460 شخصاً للمعيل المتفرغ لمرضى طيف التوحد، ولكن كإحصائية رسمية فهذا ليس من اختصاصنا” هذا ما ختمت به كلامها.

هكذا وصفت حالها ام فاطمة والدمعة ترقرق في عينيها ” ان الحزن والاكتئاب يخيم على جو المنزل فيتحول إلى سجن ، فنحن رهينتا أسواره، يصعب علينا الخروج منه .. ففاطمة تحتاج الى من يكون بجانبها طيلة الوقت، وزوجي يذهب الى عمله من الصباح الى المساء ونبقى أنا وفاطمة نتطلع إلى أمنياتنا في وجوه الجدران، ، فهذا هو حال الكثير من الأمهات اللاتي أصيب ابنائهن بالتوحد “.

وتقترح الطبيبة الأخصائية أمل حسين العوامي، استشارية طب نمو وسلوك الأطفال استخدام الصور لإيصال الفكرة إلى هؤلاء المرضى بصريا وهي من جزأين إحداهما إدراكي والآخر لغوي.

وتعاني هذه الشريحة في العراق من مشكلتين أساسيتين :الأولى ان الحكومة لم توليهم اهتماماً بالقدر المطلوب، والثانية ان هؤلاء المرضى يتسببون بالأذى لجميع أفراد عائلتهم ولعقود طويلة من الزمن ، والمجتمع لا يشجع ولا يساعد العوائل التي يصاب أبناؤهم بطيف التوحد، وإنما يزيدهم ازدراءً واحتقارا، هذا ما أكده الدكتور شامل محسن هادي.

ويضيف : عملنا مع العتبة الحسينية على افتتاح مراكز للتوحد في العراق والتي أسهمت بشكل فعال، لكن هذه الجهود الفردية لا تكفي وحدها ونحتاج إلى المزيد, كما إننا نهدف من خلال المركز إلى تطوير قابليات المدربات العلمية والتشخيصية والعلاجية في مراكز الإمام الحسين، بالمقابل مع الأسف هناك مراكز بالعراق ليست تأهيلية وتدريبية، وإنما هي دور للحضانة يراد منها فقط الربح المادي, مبيناً أنه يجب ان يكون هناك دور للجامعات العراقية من خلال فتح اقسام مختصة بـ( النطق والسلوك والتأهيل الوظيفي) لكي ترفد المراكز بهذه التخصصات.

اخبروها بوجود معهد في كربلاء افتتحته العتبة الحسينية مختص بحالة ابنتها، فقررت الذهاب الى هناك، وبالفعل تم إجراء الفحوصات اللازمة لفاطمة لتؤكد إصابتها بطيف التوحد، تقول والدة فاطمة: حينها تغيرت حياة فاطمة عندما اخبروني بأنه لا يوجد علاج لحالتها سوى العلاج السلوكي والاندماج مع أقرانها من الأطفال، وهذا يحتاج إلى وقت طويل ولم تكن هنالك معاهد متخصصة, لذا حاولت إدخالها برياض الأطفال من اجل ان تكون قريبة من الأطفال على أمل ان تندمج معهم، لكن مع شديد الأسف فان إدارة الروضة رفضت ذلك.

الحكومة لم تقدم لاهل المرضى سوى منحة مالية للمتفرغ المعيل لذوي الاحتياجات الخاصة والتي لا تسد رمقاً، وفي هذا الشأن تقول الدكتورة رويدة جاسم مديرة قسم ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة في دائرة العمل والشؤون الاجتماعية بالنجف : ان الوزارة اهتمت بهذه الفئة أسوةً بالإمراض والإعاقات الأخرى من الاحتياجات الخاصة ضمن قانون ٣٨ لسنه ٢٠١٣ وكان ضمن هذا القانون مادة ١٩/اولا وهو منح المعين راتبا تاما لمدة سنة قابلة للتجديد، للتفرغ على إعانة المعاق سواء كان توحد او غيرها من الإعاقات، وبموجب المادة ١٩/ ثانيآ حيث يتم منح راتب للمعين المتفرغ مقداره ١٧٠ الف دينار شهريا فضلا عن امتيازات القوانين الأخرى المفعلة من قبل هيأة ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة.

وتبقى الحاجة الملحة لتقديم الخدمات لهذه الشريحة في العراق عموماً وفي النجف بوجه الخصوص أمراً ضرورياً والذي لا يتعدى جهدا فرديا من قبل العتبات المقدسة ومنظمات المجتمع المدني، ولكثرة أعداد المصابين ولرفع الكاهل عن عائلاتهم, بادرت العتبة الحسينية بفتح معهد لمعالجة المصابين بهذا بالتوحد ضمن مجموعة من المعاهد التي أسستها العتبة عام ٢٠١٤.

حيث أكدت مديرة المعهد اريج جابر : ان المعهد يقدم خدماته لـ(75) طفلا مصاباً عبر فحص درجة التوحد وعمل ملف دراسة حالة لعائلة الطفل و تقييم (ديسي ويفر) لجميع متطلبات نجاح العمل على الأصعدة كافة .

مضيفة : لقد عانينا من عدم وجود متخصصين، اذ بادرنا بزج كوادرنا في دورات التدريبية على ايدي مدربين دوليين من السعودية ومصر وأمريكا ببرامج مختلفة كان لها أثرا في تطوير قابلياتهم .

في الأعوام الأربعة الماضية خرّج المعهد (٤٠) طفلاً معظمهم حاليا بالمدارس ويمارسون حياتهم بشكل طبيعي، تقول مديرة المعهد، مشيرة إلى ان الإقبال على المعهد في تزايد مستمر، حيث بلغت الأعداد المسجلة على قائمة الاحتياط أكثر من (٢٥٠) طفلا وهي فوق طاقة استيعاب المركز.

وفي ظل أجواء تفشي فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19” الذي يجتاح العالم تزداد صعوبة الأهل في الحفاظ على سلامة أبنائهم المصابين بمرض التوحد، فالبعض لديهم “اضطراب التكامل الحسي” الذي قد يجعلهم يرفضون استخدام المعقمات بسبب تركيبتها اللزجة أو رائحتها او يضعون الأشياء في أفواههم الأمر الذي قد يزيد أيضا احتمالات إصابتهم بفيروس كورونا.

وهنا تحذر الطبيبة الأخصائية أمل حسين العوامي من استخدام المعقمات الكحولية لمرضى التوحد وعدم السماح لهم بلعق أصابعهم أثناء غسل أيديهم بالمعقمات لاحتواءها على نسبة عالية من الكحول.

تقول والدة فاطمة : بعد ان بلغت ابنتي 12 عاماً كابدنا فيها اشد أنواع المعاناة والصبر، وفي ظل الإهمال الحكومي وعدم توفر الخدمات الطبية والعلاجية ولعدم وجود معاهد لإعادة تأهيلها قررت ان اعتمد على نفسي في إعادة تأهيلها، باستخدام الوسائل التعليمية والإرشادات التوضيحية التي تتناسب مع عمرها وقد لمست منها استجابة واضحة وهي الآن في تحسن أفضل من السابق بكثير.

والدة فاطمة أعدت برنامجاً متكاملا لعلاج ابنتها ولخصت العديد من المصادر والتعليمات الإرشادية المستخدمة في معاهد التأهيل في العالم، وهي مصممة على ان تعيش ابنتها بصورة طبيعية اسوةً بأقرانها.

هذا العمل من نتاجات مشروع ( التربية الإعلامية ) الذي تم تنفيذه بواسطة ( MICT) / الأكاديمية الألمانية للإعلام بالتعاون مع (IOM ) منظمة الدولية للهجرة سنة 2020 .

للاشتراك في قناتنا على التلغرام

https://t.me/news_eye