الفلسفة ماذا ولماذا؟

18 يوليو، 2020
66

حاتم حميد محسن

الفلسفة هي دراسة منهجية ونقدية للأسئلة الأساسية التي تبرز في كل من الحياة اليومية وفي تطبيقات الحقول الاخرى. بعض هذه الاسئلة يتعلق بطبيعة الواقع : هل هناك عالم خارجي؟ ما هي العلاقة بين المادي والذهني؟ هل الله موجود؟ البعض الاخر من الاسئلة يتعلق بطبيعتنا ككائنات عاقلة وهادفة واجتماعية: هل نحن نتصرف بحرية؟ من أين تأتي التزاماتنا الاخلاقية؟ كيف نبني دولة سياسية عادلة؟ هناك اسئلة اخرى تتعلق بطبيعة ومدى معرفتنا: ماذا يعني ان نعرف شيء ما بدلا من مجرد الاعتقاد به؟ هل كل معرفتنا تأتي من التجربة الحسية؟ هل هناك حدود لمعرفتنا؟ هناك لاتزال اسئلة اخرى تتعلق بأسس ومضامين مجالات اخرى: ما هو التوضيح العلمي؟ ما نوع المعرفة التي يوفرها العلم بالعالم؟ هل النظريات العلمية مثل نظرية التطور او ميكانيكا الكوانتم تجبرنا على تعديل فهمنا الفلسفي الأساسي،  وتجعلنا اكثر قربا من الواقع؟ مالذي يجعل الشيء عملا  فنيا؟ هل أحكام القيم الجمالية موضوعية؟ .

ان هدف الفلسفة ليس الاستيعاب التام لمجموعة من الحقائق بقدر ما هو التفكير الواضح والجاد في أي مجموعة من الحقائق. نحو تلك الغاية، يتدرب طلاب الفلسفة على القراءة النقدية، يحللون ويقيّمون الأحكام، يدركون الافتراضات المختبئة، يبنون حججا منطقية ويعبّرون عن أنفسهم بوضوح وبدقة في كل من الكلام والكتابة.

هذه أوصاف لبعض المجالات الأساسية في الفلسفة:

ايبستيمولوجي

وهي دراسة الأسئلة المتعلقة بالمعرفة والإيمان العقلاني .الاسئلة التقليدية تتضمن التالي: كيف نعرف ان الاشياء المادية العادية حولنا هي حقيقية (ليست من وحي الأحلام، او من تصورات الاضطراب الذهني)؟ ماهي العوامل التي تقرر ما اذا كانت العقيدة عقلانية ام غير عقلانية؟ ماهو الفرق بين معرفة شيء ما وبين مجرد الايمان به؟ (جزء من الجواب هو انك يمكن ان تحصل على ايمان زائف، لكن معرفة الاشياء تحصل فقط عندما تكون حقيقية. كذلك ربما تعتقد ان شيء ما حقيقي على اساس من التخمين الجيد،  وهو ما لم يكن معرفة) بعض الاسئلة الاخرى التي كانت مؤخرا عرضة لنقاش حاد في الابستيمولوجي تتضمن: هل يمكن لشخصين لديهما نفس الدليل ان يكونا عقلانيين تماما في الايمان بعقيدة مضادة؟ هل يمكن لي عقلانيا ان احتفظ بعقيدة موثوقة حول مسألة أعلم عنها ان هناك اخرين مثلي من حيث الذكاء وعدم التحيز، توصلوا الى استنتاج مضاد؟

الميتافيزيقيا

الميتافيزيقا هي دراسة ماذا يشبه العالم او ممّا يتألف الواقع. الاسئلة الميتافيزيقية يمكن ان تتخذ عدة اشكال حول الوجود (اسئلة الانطولوجي)، انها يمكن ان تكون اسئلة تتعلق بما هو أساسي (كمضاد للاشتقاقي)، وانها يمكن ان تكون اسئلة تتعلق  بما هو صفة موضوعية للعالم (كمضاد لمجرد  نتيجة الطريقة التي تتفاعل بها المخلوقات مع العالم). الاسئلة المركزية لدراسة الميتافيزيقا تتضمن اسئلة حول طبيعة الاشياء، الافراد، الزمن، المكان، السببية، قوانين الطبيعة. الدراسة الصارمة لهذه الاسئلة  قادت الميتافيزيقيون لعمل ادّعاءات مدهشة. افلاطون اعتقد انه بجانب العالم المادي المُلاحظ،  هناك عالم الخلود،  عالم الكينونات غير المتغيرة كالخير والجمال والعدالة.

ليبنز ادّعى ان العالم مركب من ارواح صغيرة لاتقبل القسمة تسمى (monads). حتى الميتافيزيقيين المعاصرين شككوا بوجود  الاشياء العادية، وانكروا امكانية الرغبة الحرة، وجادلوا ان عالمنا هو مجرد عالم من عوالم متعددة.

المنطق

وهو دراسة صلاحية أشكال الاستدلال. هو ليس فرعا من السايكولوجي: انه لايهتم بالكيفية التي يفكر بها الناس حقا او اي نوع من التفكير يجدونه مقنعا بالبداهة. بل، يهتم المنطق بالسؤال عندما يُدعم الادّعاء   وبشكل حاسم  بادّعاءات اخرى. فمثلا، الاستدلال من الادّعاءات “انها تمطر” و “اذا كانت تمطر عندئذ الشوارع رطبة” الى الادّعاء “الشارع ندي” هي صالحة منطقيا – المقدمات تدعم بقوة الاستنتاج. ان صلاحية هذا الاستدلال المحدد، والاستدلالات الاخرى من نفس الشكل، ترتبط بطبيعة المفهوم “اذا .. عندئذ”. وبعمومية أكبر، ان فكرة الصلاحية المنطقية مرتبطة بإحكام بطبيعة المفاهيم مثل “و”،  “او”، “ليس”، “لو .. عندئذ”، “كل”،  “بعض”. عند دراسة فكرة الصلاحية المنطقية، طوّر المنطقيون لغات رمزية. هذه تمككّننا من إعلان الادّعاءات بوضوح وبدقة، وان نحقق في نفس البناء من الجدال. هذه اللغات الرمزية ثبت انها مفيدة في الفلسفة والحقول الاخرى بما فيها الرياضيات وعلوم الكومبيوتر. بعض الاسئلة حول المنطق التي تمّت دراستها من قبل أعضاء في قسم الفلسفة تتضمن: كيف يمكن لنا امتلاك معرفة بالحقائق المنطقية الاساسية باعتبار ان المنطق ليس علما تجريبيا؟ ما هو الربط بين المنطق والعقلانية؟ هل يمكن اختزال الرياضيات بالمنطق؟ هل يجب علينا تعديل المنطق للتخفيف من غموض وعدم دقة اللغة؟ هل يجب علينا تعديل المنطق للاجابة على المفارقة الكاذبة liar paradox والمفارقات الاخرى المتصلة بالحقيقة؟(1)

الفلسفة السياسية

وهي الدراسة الفلسفية للمفاهيم والقيم المتصلة بالمسائل السياسية. مثال على ذلك، هل هناك أي التزامات اخلاقية لتنفيذ ما تقول به القوانين فقط بسبب ان القوانين تقول هكذا، واذا كان الامر هكذا فعلى أي أساس؟ العديد من الناس يوافقون على الطاعة . هل انت تقبل بطاعة القوانين؟ هل يمكن لأحد الموافقة على طاعة القوانين بدون ادراكها؟

هل هناك اسس اخرى للالتزام بطاعة القانون؟ سؤال مركزي آخر هو ما الذي يُعتبر كتوزيع عادل لكل الثروات والفرص الممكنة للعيش في جماعة سياسية؟ هل اللامساواة في الثروة او الدخل هي غير عادلة؟ الكثير من اللامساواة الاقتصادية السائدة هي نتيجة اختلاف المواهب، اختلاف فرص الطفولة، اختلاف الجنس، اختلاف المواقع الجغرافية. ما الذي يبرر اللامساواة التي تعود ببساطة للحظ السيء؟ البعض يقول ان اللامساواة يمكن ان توفر حوافز لإنتاج او ابتكار المزيد، والذي ربما يفيد الجميع. آخرون يقولون  ان العديد من الخيرات تعود الى الافراد قبل دخول القانون في العملية، وان الناس ربما يستبدلونها عندما هم يستفيدون منها حتى عندما تؤدي الى ان يمتلك البعض الكثير قياسا بالآخرين. لذا، فان (السؤال الثالث)، ماذا يعني ان شيئا ما لك، وما الذي يجعله لك؟

فلسفة اللغة

فلسفة اللغة تتعلق بدراسة الاسئلة المتعلقة بالمعنى والاتصال.  هذه الاسئلة تتراوح من تلك التي تتفاعل بقوة مع النظرية اللغوية الى الاسئلة التي هي مجرد اكثر قربا لتلك الاسئلة البارزة في دراسة الادب. عدد كبير من الاسئلة تتضمن: ما هو المعنى اللغوي؟ كيف يكون معنى الآداء اللغوي مشابها او مختلفا عن معاني مثل الاشارات؟ ما هي العلاقة بين اللغة والفكر؟ هل الفكر اكثر جوهرية من اللغة؟ ام هل هناك معنى تستطيع فيه المخلوقات الناطقة فقط التفكير؟ الى اي مدى تؤثر البيئة الاجتماعية على المعنى واستعمال اللغة؟ اسئلة اخرى تركز على المظهر الاتصالي للّغة، مثل : ماذا يعني ان نفهم ما قاله شخص آخر؟ ماذا يعني ان تزعم شيئا؟ كيف يرتبط الزعم بالمعرفة والعقيدة؟ وكيف نستطيع الحصول على معرفة من الآخرين من خلال اللغة؟ مع ذلك، هناك اسئلة اخرى تركز على خصائص معينة للّغة مثل، ماذا يعني ان يكون هناك اسم لشيء معين؟ ما هي العلاقة بين معاني الكلمات ومعاني الجمل؟ هل هناك اختلاف هام بين الاستعمالات الحرفية والاستعمالات المجازية للّغة؟ ماهي الاستعارة؟وكيف تعمل؟

الفلسفة الاخلاقية

الاخلاق هي دراسة ما يجب ان نقوم به وأي نوع من الناس يجب ان نكون نحن. الاخلاق تنظّر  في ما يجعل الافعال صحيحة او خاطئة وما الذي يجعل المحصلات جيدة ام سيئة، وايضا حول اي الحوافز وسمات الشخصية نعجب بها والتي يجب تربيتها. بعض الاسئلة الاخرى التي يسعى الاخلاقيون الاجابة عليها ترتبط بقوة بالاسئلة المركزية. انها تتضمن: ماذا يعني التصرف الحر؟ تحت أي ظروف نحن مسؤولون عن افعالنا الجيدة والسيئة؟هل الادّعاءات الاخلاقية صحيحة وزائفة في آن واحد، مثل الادّعاءات العادية الوصفية حول عالمنا، واذا كانت كذلك فما الذي يجعلها هكذا؟

تاريخ الفلسفة

يلعب تاريخ الفلسفة دورا خاصا في دراسة الفلسفة. الفلسفة مثل أي حقل فكري آخر،  لها تاريخ. ولكن،  في حالة الفلسفة فان فهم تاريخها – من العصر القديم الى القرون الوسطى مرورا بالفترة الحديثة ومن ثم الى الاكثر حداثة – تشكل جزءا حيويا في مشروع الفلسفة سواء في الميتافيزيقا او الابستيمولوجي او الاخلاق والجماليات والفلسفة السياسية. لكي ندرس الأعمال الفلسفية الكبرى للماضي هي ان نتعلم حول الاصول والافتراضات المسبقة للعديد من المشاكل التي تشغل الفلسفة اليوم. انها ايضا ان نكتشف ونقدّر مختلف الطرق في التعامل مع هذه المشاكل، مختلف التصورات عن المشاكل الجوهرية للفلسفة. وانها ايضا دراسة أعمال الفلاسفة – من افلاطون وارسطو مرورا بكانط و مل حتى الكتّاب الآخرين – التي طبعت معظم الثقافة الغربية في ما وراء الفلسفة الاكاديمية. العديد من اعمال الفلاسفة المبدعين اليوم كُتبت ايضا حول مختلف المواضيع في تاريخ الفلسفة ووجدت إلهامها في الرموز الكبيرة للماضي.

لماذا ندرس الفلسفة؟

هذا السؤال ربما يُفهم بطريقتين: لماذا ينشغل المرء في نشاطات فكرية معينة من التحقيق الفلسفي؟وكيف ان دراسة الفلسفة  تؤثر على المستقبل المهني للدارسين؟

1- الفلسفة كفعالية فكرية لها عدد من المحفزات:

ا- الفضول الفكري: الفلسفة هي تحقيق نقدي فكري يتحفز بالاحساس بـ “الدهشة الفكرية”. ماذا يشبه العالم؟ لماذا هو بهذه الطريقة بدلا من غيرها؟ منْ انا؟ لماذا انا هنا؟

ب – الاهتمام بالثقافة وبالتاريخ الثقافي: الفلسفة كحقل تولي اهتماما كبيرا لتاريخها، وللسياق الفكري والثقافي الأوسع الذي يتكشف فيه هذا التاريخ.

ج- صقل المهارات الفكرية: ان دراسة الفلسفة تتناسب خصيصا مع تطوير مختلف المهارات الفكرية المنخرطة في تحليل المفاهيم ونقد الافكار، وفي سلوك التفكير السليم  والمحاججة، من المهم التأكيد على ان التحقيق الفلسفي يعزز ايضا الابداعية الفكرية (يطور مفاهيم جديدة او اتجاهات جديدة للمشاكل، مشخصا مشاكل جديدة وهكذا).

د- صقل المهارات الكتابية: الكتابة في الفلسفة هي بالذات شائكة بمقدار ما تتطلب من مستوى عالي من الوضوح والدقة والتنظيم.

2- تأثير الفلسفة على مستقبل العمل المهني :

بعض االمهتمين في الفلسفة يستمرون في العمل في المدارس الفلسفية ليتعلموا الـ PhD في الفلسفة. معظ هؤلاء يصبحون اساتذة في الفلسفة، والذي يعني ان حياتهم المهنية تُخصص للبحوث والتعليم في الفلسفة.

3- التركيز غير المحدود للفلسفة : في الحقيقة، ان المهارات التي يطورها الطلاب هي قابلة للنقل الى عدد واسع من الفعاليات المهنية مثل تطبيق التحليل والمحاججة على ممارسة القانون، امثلة اخرى قليلة تتضمن تطبيق التحليل والمهارات النقدية في مجال الصحافة وبنوك الاستثمار والكتابة، كذلك يمكن استخدام التعليم الفلسفي للعمل في مبادرات الأعمال، النشاط الاجتماعي والسياسي وحتى الفنون الابداعية.

للاشتراك في قناتنا على التلغرام

https://t.me/news_eye

التصنيفات : بحوث ودراسات