البوذية: معتقد يحاول البحث عن الحقيقة..!!

11 أغسطس، 2020
94

د. يسري عبد الغني

“إن الحياة معاناة، وكل معاناة ترجع إلى التمسك بالحياة، والوسيلة للتخلص من هذه المعاناة تكون بالكف عن التعلق بالحياة، والوصول إلى هذا الكف، يجب على الإنسان أن يتبع الطريق النبيل ذا الثمانية فروع، وهي: الإدراك السليم، والتفكير السليم، والكلام السليم، والأفعال السليمة، والحيوية السليمة، والمجهود السليم، والمبالاة السليمة، والتركيز السليم ”  [ بوذا]

إن البوذية تشبه البروتستانتية، في كونها بدأت تعبيرًا عن الاحتجاج على ديانة قائمة، ثم تطورت إلى حركة دينية واسعة قائمة بذاتها اتبعها الملايين من البشر .

والبوذية تشبه البروتستانتية أيضًا في أنها تنقسم إلى عدة مذاهب، يختلف كل منها عن الآخر اختلافًا كبيرًا، وكلمة بوذا معناها (المتنور)، أما الاسم الحقيقي لبوذا فكانت (سيدهارثا جوتاما) الذي ولد في منطقة (كابيلا فاستو) التي تقع في شمال الهند، وكان ذلك حوالي عام 560 قبل الميلاد .

وعندما بلغ سن التاسعة والعشرين من عمره، كان اهتمامه بما كان يشاهده حوله من مآس تتمثل في المرض، والموت، والفقر، والتعاسة، وقد بلغ حدًا جعله يهجر زوجته وابنه الصغير، ويتحول إلى ناسك يبحث عن الحقيقة، كان أول ما يريده، التوصل إلى إدراك كنه العذاب، الذي خيل إليه أنه جزء لا يتجزأ من الحياة الإنسانية .

وجد بوذا الديانة الهندية السائدة غير مقنعة، وهي ديانة تنتمي إلى تلك المجموعة من الديانات المعروفة باسم الديانات التوحيدية، أو وحدة الروح، وبمقتضاها كان الهنود يرون أنه علاوة على كل ما يوجد حولنا مما نراه، أو نحسه، أو نشمه، أو نسمعه، أو نفكر فيه، توجد حقيقة غير محسوسة، أو عالم الروح، وهو ما يجعل كل شيء مترابطًا حولنا، ويطلق الهنود على هذه الحقيقة اسم (البرهمانا)، وهم يعتقدون أن الروح تولد عدة مرات تلو الأخرى، في مستوى أكثر سموًا أو أكثر انخفاضًا حسب ما تستحقه، إلى أن يأتي الوقت الذي يصل فيه إلى أعلى درجات السمو، فتمتصها البرهمانا، ولا تولد مرة أخرى، وتلك هي درجة النعيم الأبدي الذي يسمونه (النيرفانا) .

ويتمشى نظام المستويات مع تلك التعاليم الدينية، وهو النظام الذي يقول بأن الإنسان بنشأته يتبع إحدى المستويات الأربعة التي تشمل جميع الطبقات، وهي تنبعث أصلاً من جسم البرهمانا، فالكائن البرهمي المقدس يخرج من فم البرهمانا، والمحاربون يخرجون من صدره، والتجار والصناع من الفخذين، أما العبيد فمن أقدامه، ولما كان المركز الاجتماعي في هذه الحياة الأولى يحدد مركزهم في الحياة الأخرى، فإن الكهنة، والأمر كذلك، يتمتعون باحترام خاص .

وقد نبذ بوذا الفكرة البرهمية، كما نبذ فكرة المستويات، وكان يعتقد أن كل إنسان يملك القدرة على أن يحيا حياة قدسية، وأن هذه القدرة ليست مقصورة على المستوى البرهمي، كما أنه كان يعتبر أن النساء أيضًا لهن نفس القدرة، وقد كان مركزهن الاجتماعي في أدنى درجة طبقًا للديانة الهندية الجامدة، والواقع لقد كانت عادة حرق الأرامل من النساء فوق نفس النار التي تحرق فيها جثث الأزواج، من العادات المتبعة لدى بعض الطوائف الهندية إلى عهد قريب لا يتجاوز أكثر من مائة عام .

كان بوذا يعتقد أن الروح بعد وصولها إلى أعلى درجات السمو تنطفئ، ولا تعود مرة ثانية إلى عالم الأرض، ولا يمتصها أي عالم روحاني آخر، والنيرفانا في عرف البوذية هي حالة الانطفاء هذه، وفي الوقت نفسه احتفظ بوذا بالعقيدة الهندية الخاصة بالتقمص أو الكارما، وهذا هو السبب في أن البوذيين الأخيار يكونون دائمًا شديدي الحب والعطف على الحيوانات، ويتجنبون أن يطأوا بأقدامهم حتى أقل الحشرات شأنًا، ويحترمون حق جميع المخلوقات في أن يسلكوا طريقهم على سلم التدرج، إلى أن يصلوا إلى درجة الحياة البشرية، ومنها إلى أعلى درجات القدسية .

ولكننا قد نتساءل عن السبب في أن يكون الهدف من صراعهم هو مجرد الانطفاء الكلي، وفي أن تكون رغبة الفرد هي مجرد التلاشي؟!، إن الإجابة التي يقدمها البوذيون على هذا التساؤل هي: أن الحياة لا تستحق أن تعاش، بل هي لا تعدو أن تكون مجرد رغبة قوية لتحقيق أطماع لم يتم تحقيقها، وهذه الرغبة هي القوة الكامنة وراء عودة الروح، فمتى تعلم الإنسان كيف يكبح جماح رغباته، فإن تلك القوة الكامنة تتلاشى .

والحقائق الأربع النبيلة في العقيدة البوذية هي : أن الحياة معاناة، وكل معاناة ترجع إلى التمسك بالحياة، والوسيلة للتخلص من هذه المعاناة تكون بالكف عن التعلق بالحياة، والوصول إلى هذا الكف، يجب على الإنسان أن يتبع الطريق النبيل ذا الثمانية فروع، وهي : الإدراك السليم، والتفكير السليم، والكلام السليم، والأفعال السليمة، والحيوية السليمة، والمجهود السليم، والمبالاة السليمة، والتركيز السليم .

كان الملك (أزوكا) هو الشخصية البارزة في تقدم البوذية، وكان قد أصبح ملكًا على جزء كبير من الهند في حوالي عام 270 قبل الميلاد، فلم يكتف بأن يجعل رعاياه فقط يعتنقون البوذية، ولكنه قام بإرسال بعثات تبشر بالبوذية إلى الأقاليم الأخرى، غير أن البوذية لم يكن مقدرًا لها الازدهار في بلاد الهند، حيث طغت عليها الديانة الهندية، ثم ظهور الإسلام الذي جاء من الغرب، مما جعل البوذية تنتقل شمالاً وجنوبًا .

وفي مدة حكم أزوكا، انقسمت البوذية إلى مجموعتين رئيسيتين هما : الهينايانا أو الناقلة الصغيرة، والماهايانا أو الناقلة الكبيرة، وقد ازدهرت الأولى في الجنوب، وفي سيلان (سيرلانكا)، وبورما (مينيمار)، وتايلاند ، بينما أحرزت الثانية نجاحًا كبيرًا في بلاد الصين، والكوريتين، والتبت، واليابان .

وتعتبر الهينايانا أصفى أشكال البوذية، وأتباعها يعتبرون أن بوذا ليس مجرد رجل وضع بعض قواعد للسلوك، ولكنه ليس إلهًا يعبد، وفي سيرلانكا التي تعتبر مركز الهينايانا، توجد أشهر آثار بوذا وهي إحدى أسنانه .

أما الماهايانا فهي شكل منحرف للبوذية، على حد ما كتبه أهل التخصص في دراسة البوذية، وأتباعها يعتبرون بوذا واحدًا من الكائنات الإلهية العديدة، كما أنهم يعبدون الروح التي ألهمت بوذا، وهم يؤمنون بالملائكة والشياطين، وبعض طوائفهم يؤمنون بوجود الجنة والنار، مؤكدين على أنه من الضروري أن تمر بهما الروح قبل أن تصل إلى مرتبة النيرفانا، وتوجد عدة أشكال للماهايانا، ففي التبت يعتقد النساك أن الصلوات المكتوبة التي توضع في عجلات تصعد إلى بوذا عندما تدور العجلات، وفي اليابان طائفة من البوذيين تسمى (زن)، وهؤلاء يعلقون أهمية كبيرة على التأمل، ولديهم في ذلك وسائل تشبه إلى حد كبير تعاليم اليوجا، والغرض منها المساعدة على التركيز أو الصفاء الروحي .

يقول الباحثون: إن جميع طوائف البوذية من النساك، وذلك لأهمية التأمل العميق الذي لا تعترضه أية مقاطعات، ولديهم نظام للرهبنة والكهانة كجزء من زعامة دينية واسعة النطاق، ويقال : إن المستندات الرئيسية التي تعتمد عليها الهينايانا هي سلال العقيدة الثلاث، أو التيبيتاكا، وقد اعتمدت هذه المستندات في عهد الملك أزوكا، وللماهايانا تفسيرها الخاص للتيبتاكا .

وختامًا نقول : هذا تعريف موجز بالبوذية، تلك العقيدة التي كتب عنها الكثير، فلعلنا نكون قد وفقنا في الإفادة بهذا الموجز .