التّطبِيع المُريب.. بعضُ الغباءِ يَقتُل!!

6 سبتمبر، 2020
56

د. سامي عبد العال

“ملء الفراغ بأي حدث هَائمٍ غدا أحد وظائف السياسة في غياب الواقع..”

“الغباء السياسي جريمةٌ وسط ضياعِ الحُقوق بالفعل..”

“إسرائيل هي اسرائيل، لكن ماذا عن العرب…؟”، هذه العبارة– بإقرارها واستفهامها- تنطبق على الجانبين من مرحلةٍ لأخرى، بدءاً بالوجود الاسرائيلي في فلسطين وحتى الدقائق الراهنة. ولمردُودها التاريخي، تجوب الفكرةُ جميع الأزمنةَ منذ العام الثامن والأربعين  (نشأة اسرائيل) حتى تعمْلُق الكيان الصهيوني وتقزُم كياننا العربي (الهرولة والتطبيع والانبطاح والالتصاق.. وأخيراً الوكالة والسمسرة وتدعيم وبناء إسرائيل). ظلت عنتريات السياسة في جانب العرب بشكلٍّ كاذبٍ كذُوب، وبقي الاتساق الاستعماري في باطن إسرائيل ولا زيادة.

ليس أقرب إلى ذلك من خدمات دول الخليج  (قطر والبحرين والإمارات وغيرهم …) في بناء المستوطنات وتنشيط اقتصادها بخلاف ما هو رائج. ملايين الأوراق الخضراء تُضَّخ في جراب المعونات للدولة الصهيونية ناهيك عن التبادل التجاري والزيارات النخبوية والدبلوماسية، إذ تستعملها اسرائيل لزيادة الاستيطان والتهام بيوت الفلسطينيين ومزارعهم. حتى وصلنا إلى اتفاق التطبيع (بين الامارات واسرائيل) كمقايضة على آمال وأراضي فلسطين التاريخية، فلا الطرف الخليجي (الإمارات) يمتلك شيئاً ولا الطرف الصهيوني يستحق شيئاً. ذلك هو الحاصل على مسرح الملاهي الذي نعيشه مع نبضات الواقع المختنق.

هي اتفاقيات تنازُل عن حقوقٍ لا يملكها هذا الطرف ولا ذاك، وتوقيع على بياضٍ إجهاضاً لقضايا المقاومة، ليس لإسرائيل فقط، بل لمقاومة الاستعمار الآتي بأشكال سياسية خادعة (أمريكا وأوروبا). ولاسيما تدخُل أمريكا بالمنطقة وترك أذنابها لإدارة المآرب المبتغاة عن بعدٍ. وليس يخْفَىَ أنَّ الدول الأقل ديمقراطية تنساقُ وراء القوى الكبرى بلا تفكيرٍ. في محاولة للعب دورٍ ما ولو جاء تعلقاً بأهداب الغرب وتطبيقاً لسياسات لا تعلم عنها شيئاً ولا تدرك نتائجها اللاحقة!! وهنا تعد السذاجة السياسةُ عاملاً مؤثراً أثناء قراءة الأفعال وردود الأفعال. لأنَّ كلَّ اتفاق محكوم بالنتائج قبل المقدمات ومرتبط بترتيب الأوضاع والأهداف منه وماذا سيغير في مجاله الجيو سياسي.

إرادة التزييف

لا ندري ما علاقة الإمارات بفلسطين ابتداء؟! فليست كلمة العرب جامعةً مانعةً منطقياً ولا سياسياً، كما أنَّ الكلمة صفة غير كافيةٍ لدلالة مسؤولة عنها إنْ وجدت. وقد أثبتت الأحدث السياسية هذه القضية في غير حالة مثل مشاركة العرب في غزو العراق والحروب على الإرهاب بينما هم يدمرون دولاً عربية. فماذا اسهمت الإمارات طوال تاريخها القريب والبعيد في قضايا العرب المصيرية؟ هل قاومت، هل حاربت، هل أعلنت (إلاَّ بيانات)عن مواقف بارزة حول جرائم الاحتلال؟ ما الذي يدعو لعقد اتفاقياتٍ سلام بين طرفين  (بالمساومة) على طرف ثالث هم أصحاب القضية؟!

الغريب هذا التزييف عندما يقال إنَّ الاتفاق مهمٌ لحل المسألة الفلسطينية وتوقف الاستيطان الصهيوني، وهو ما نفته إسرائيل فوق رؤوس العرب ليلة الاعلان عنه:

أولاً: أعلن بنيامين نتنياهو أنَّه لا توقف عن الاستيطان وضم الأراضي الفلسطينية، وإذا حدث، فهذا توقف مؤقت ولأسباب خاص بالدولة العبرية ولا علاقة لها بأية اتفاقيات. ورئيس الوزراء الصهيوني كان مؤكداً لمقولة  (إسرائيل هي إسرائيل). والرجل جدير بالاحترام- في نظر شعبه- لكونه صادقاً كاشفاً لكذب العرب عبر الفضائيات النفطية التي باتت رائحتها رجعية لدرجة الغثيان. كما لا تستطيع قيادة اسرائيلية الكذب على مواطنيها وهو ما يؤكد استمرار دولتها في التاريخ، لأن الدول – عكس فهم العرب- تصمد بالمصارحة والقوى الديمقراطية الداخلية التي تحقق آمال الشعوب ولا تنتهك حقوقها العامة.

ثانياً: صورة ترامب وهو يعلن عن اتفاقية السلام الاسرائيلية الاماراتية واضحة المكر وعدم النقاء والذهول، مثل علامات الوجه والابتسامات الملتوية والتصفيق المنطوي على نكاية وملء الفراغ حوله إلاَّ من بعض مستشاريه الذين يصفقون بهستيريا. وترامب ينظر إلى العرب نظرة ازدراء، كأنَّه يقول: ستوقعون رغم أنوفكم على اتفاقيات ضياع فلسطين إلى الأبد! وانتم كما كنتم.. لا تفهمون شيئاً، لقد أخضعناكم لما نريد، وها أنتم توقعون بمداد الذل والانبطاح ومازال الحبل على الجرار.

ويبدو أنَّ كل حيلنا (الاسرائيليون والأمريكان) قد انطلت عليكم وسنعطيكم أوراقاً محبّرة بعرق الخيبة بينما ستأخذ اسرائيل الأرض تلو الأرض. كانت اسرائيل في الماضي تحلم بالسلام مقابل الأرض، لكن الآن أصبحتم أنتم تعطون الأرض والتاريخ مقابل كلينكس الاتفاقيات. انقلبت الصورة، أنتم من يحتل ذهنية اسرائيل، أنتم من تكدرون وصفوها وتزاحمونها في المنطقة، فلتجلوا عن ساحتها من محيطكم إلى خليجكم دون إبطاءٍ!!

ثالثاً: لم يفت ترامب اعلان أنَّ اتفاقية الامارات واسرائيل ليست الأخيرة، بل هناك دول ستحذو حذوها. قالها بمكر خطابي يذهب لدول عربية معروفة تلبس برقع الحياء وتنتظر الفرصة لإطلاق العنان لما تضمر. وكأن ترامب يتحدث عن (حظيرة ضخمة) يصطاد منها ما يشاء لتنفيذ مآربه، ومؤخراً ورد اسم السعودية بمقدمة الراغبين في التطبيع. حتى تنقذ أمريكا الوهابية وتدعم ولي العهد في مرحلته المقبلة وتزود عن أرض النبوة غارات الحوثيين وتحميها من مؤامرات الشياطين!!

رابعاً: لا علاقة للإمارات بحقوق دولة فلسطين الأدنى والأبعد. وربما زُجَّ بحقوق الفلسطينيين وسط الصور كنوع من التبرير ليس أكثر، لأنَّ التعاون والصفقات الخفية بين حكومة الإمارات واسرائيل لا تخطئها العين من وقتٍ طويل. والطرفان على وفاق تام وسيولة ناعمة في المصالح والخطط بالمنطقة والتنسيق إزاء القضايا الإقليمية وتبادل المعلومات حول الأحداث والتحولات السياسية.

خامساً: يتعلق الاتفاق بنوع من التقَّوي تجاه إيران واغاظتها من قبل الإمارات، على طريقة المثل الشعبي (عدو عدوي صديقي)، فإيران هي الطرف الذي يستشعر هذه النغمة وبخاصة أن هناك مشكلة الجزر الإمارتية (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) حاضرة في الخلفية. واستشعر الإيرانيون المعنى، فكانوا أول من ندد به، بل حذّروا دول الخليج إجمالاً من إيجاد قدم لإسرائيل بالمنطقة. وستظل اللعبة ساخنة نتيجة عداء إيران لإسرائيل والعكس انتظاراً لانضمام دول أخرى.

سادساً: بدا المشهد العربي عارياً من الخجل حتى، فالدول التي تستنكره  كانت ومازالت تطبع في السر والعلن ولا تجد مهرباً منه. وظهر موقعها (كدولة قطر) ساذجاً هي الأخرى. لأنها ترس في ماكينة التطبيع ولا تملك من أمرها شيئاً، حتى الرفض أو التذمر أو المراجعة فلا تقدر على خوض هذه الرفاهية السياسية.

سابعاً: لم يحل أيُّ اتفاق سابق أية مشكلة عالقة بين الفلسطينيين وإسرائيل، بل هو تطبيع الأمر الواقع على مقاييس إسرائيل. وهي تضيف إلى بنوده -شاء العرب أم أبوا- زيادة رقعة اسرائيل وتغليظ هويتها العبرية اليهودية. وعندما تنفض المراسم – على بساط الخرافة – تشرع اسرائيل في البحث عن الزيادة العبرية لا ما تم الاتفاق عليه. وهذا هو العلة وراء كون نهب الواقع الفلسطيني وقضم وجودها وإعادة ترسيم خريطتها بأنامل عربية ومخالب اسرائيلية.

توثيق التطبيع

جاء إعلان التطبيع الأخير مع الإمارات كما كانت سوابقه (مصر والأردن) مجرد توثيق للعقود في الحياة العربية. وبدلاً من كون العلاقات خفيةً ومسرّبة، رأى الطرفان  (وحدُهما في الفراغ) ضرورة إظهاره للعلن. مثلهما مثل حال المتزوجين سراً أو اللذين تربطهما علاقات محرمة من مدةٍ، فإذا بالاثنان يريدان إظهار المخفي!! وإلى هذا الحد يرجع الأمر برمته إلى الطرفين، فليفعلا ما عن لهما ولا شأن للعرب به، لكن المشكلة الحقيقية هي الزج باسم فلسطين لتمرير الأمر على وعي الشعوب والأجيال العربية!!

وربما ينال الفلسطينيين بعض الأموال والمعونات، لكنه اتفاق لن يحل المشكلة الكأداء. فلا الإمارات ستحل مشكلة فلسطين ولا تريد ولا تستطيع ولن تفعل، لأنه أمر لا يهمها وفوق طاقتها، فأين كانت وجيرانها من الصراع العربي الاسرائيلي منذ عقود؟!! وكذلك اسرائيل لن تكون صادقة بأي اتفاق ولا يعنيها أي صدق. وكما تفعل دائماً ستتلاعب بالطرف الآخر وجميع الأطراف لتنال أكبر قدر من المكاسب على الأرض أولاً وعبر الصفقات التجارية.

السؤال المنطقي: لماذا لم تعلن الإمارات واسرائيل أنهما قد أبرما اتفاق التطبيع لمصالح مشتركة وتعاونهما بعيداً عن فلسطين؟! وكان هذا أدعى للحقيقة وأقرب لنيل الاحترام من كل شياطين وملائكة الشرق الأوسط، بحيث يكون اللعب على المكشوف دون مواربة جديدة عوضاً عن القديمة. وكفى بالمنطقة هذا الألعاب الخادعة، وكفاناً عناء التحليلات والتكهنات والجري وراء السراب. ما العيب في القول بأنَّ اتفاق التطبيع لا علاقة له بفلسطين؟! وما الضير في الصراحة التي كانت ستضع نقاط العرب فوق حروف بني إسرائيل؟! أليسوا أبناء عمومة وعمولةٍ، لماذا لا ندخل السيرك السياسي أيدي بعضنا في أيديهم لإبهار الجماهير؟! لماذا لا نقول إنَّ أمريكا تتلاعب بالعرب وتضغط لتوقيع اتفاقيات هي تريدها مباشرة؟! لماذا لا نعترف بأن قراراتنا المصيرية ليست بأيدينا أصلاً؟!

بل لو تمَّ ذلك، لكان أكثر مصادقةً وما كان ليلقِ العالم العربي مزيد الظلال القاتمة على جهود مقاومي التطبيع مع محتل تاريخي، لا يعترف بأية حريةٍ ولا أية دولة للفلسطينيين. وما كانت الإمارات لتجد هذا السخط الغائر منذ احتلال فلسطين. كان يجب على الإمارات وأية دولة أخرى التصريح بكلِّ هذا دون خوف ولا وجل. فلتعقد أيةُ دولة عربية مع اسرائيل ما تعقد، ولترتبط بها بقدر ما ترتبط، وتذهب أينما وحيثما تذهب، لكن لا يصح التلاعب بذهنية العرب إيهاماً بأن ذلك من أجل فلسطين!!

دوماً الملاحظ هو أساليب التحولات السياسية في شرقنا العربي، إذ جاءت تحولات خرافية ومازالت، لا قانون تاريخي ولا إنساني يحرك طبيعتها ونتائجها لتثري الحياة والمستقبل. يبدو أنَّه كما يتَشكَّل الواقعُ لماماً من بقايا فوضويات عارمة، سيتشظى بالطريقة ذاتها، فما بُني على أسسٍ سينحلُّ بناءً على أسس بالمقابل، بينما ما أُقيم على غير أساس، ستتطاير أركانُه دون قواعد ولا أدوات واضحة.

بدليل أن مجتمعات الربيع العربي ذابت كجبل الثلج العملاق حال إعلان التمرد الشعبي على أنظمتها الحاكمة، لقد تلاشت عندما خرجت تظاهرات الشوارع معلنةً (الشعب يريد اسقاط النظام). انحلت أواصر الدول ومؤسساتها، وباءت الأنظمة بمصيرها المجهول وسادت صراعات القوى بمآرب مختلفة. حينئذ اقتضى سؤال.. ما الذي يحدُث؟! بحثاً عما حَدَثَ قبل ذلك. كلُّ المجتمعات تتغير أو تتوقف عن التغير ارتباطاً بطرائق بنائها منذ البداية إلاَّ مجتمعاتنا العربية، لا تعرف بماذا ترتبط تغيراتُها ولا إيلام ستتغير؟! دوماً قُلْ لِّي: كيف يتكَّون المجتمع.. أقُلْ لك كيف سيتحلل.. وما إذا كان قريباً أم بعيداً!!

ومازلنا نرى الأنظمة العربية- بعد عواصف الربيع- تُقام بين ليلةٍ وضحاها رمياً إلى الأمام. بكلمات واضحة يأتي نظام فيطمس الحقب السابقة معلناً أنه بمثابة الحاكم الفعلي ولا يجب لأحد أن يتحدث عما سلف (بطريقة: عفا الله عما سلف) ولا يَسمح لأي أحد بالتنقيب ولا التأريخ لما جرى. ولو تمَّ ذلك التأريخ، فيكون من وجهة نظر الحاكم الفعلي لا سواه. وبالتالي سيكتب صورة مشوهة للأحداث وسيؤسطر النظام الحالي لدرجة غير معقولة. وهذا يعني كون الدولة حالة طارئةً أخذت مكانتها في ذاكرة الأفراد والجماعات بالطريقة نفسها، أي أنهم سيرونها كائنا عملاقاً انبثق فجأة من لاشيء، وعندما تتخلخل أركان نظامها ستعود إلى القمقم مثل الجني المتسرب إلى مصباح علاء الدين في قصص السندباد!!

وهذا الشيء ليس هيناً، لكنه كَوَّن أساليب ممارساتنا السياسية والاجتماعية في الحياة العامة، وترك ضعفاً بائناً في معالجة مشكلاتنا التاريخية مثل التطور السياسي والتنمية الاجتماعية والعلاقات الدولية وأطماع الدول الأخرى. وبخاصة علاقتنا بدول الحزام الإقليمي (إسرائيل وتركيا وإيران). فهذه الدول تشترك في غاية واحدة: اعتبار العالم العربي غنيمة استراتيجية ومزرعة خصبة لمشروعاتها التاريخية.

تركياً تعود من وراء الغمام حاملة كتاب الدولة العلية بحثاً عن ميراث الأجداد (العراق- سوريا – ليبيا). بينما إيران فتصدِّر الثورات وتبث نفوذها الديني والسياسي في تفاصيل الحيوات العربية (العراق – سوريا – لبنان– اليمن – شمال أفريقيا)، بالرغم من أن ما يجمعنا بالدولتين الاسلاميتين أكبر مما يفرقنا باستثناء تركيا التي داست على التاريخ القريب طمعاً في ثروات الدول العربية الا انتهكت سيادتها. أمَّا إسرائيل، فهي باب عال لنفوذ استعماري تحت أمجاد بني اسرائيل وإعادة ترميم مملكة الرب في ضوء وعود التوراة والسياسات العالمية. وهي المخلب الأمامي القذر لمآرب القوى الكبرى بقدر توظيفها لحراسة المنطقة وجعلها الأعلى قدراً وكعباً على الجيران!!

هل نفهم اسرائيل؟!

لم يفطن العرب إلى دولة اسرائيل، ماهيتها وتكوينها ووظيفتها وآلياتها. لم يفطنوا بإرادتهم، لم يدركوا بأم أعينهم ولم يحذروا بحوافر واقعهم على خريطة المنطقة العربية. ولأول وهلة ستكون ” إرادة التغييب” بملء الكلمة هي السائدة حين تشكل حائط العمى الأول بيننا وبين العالم. إقليمياً ودولياً، بتنا لا نملك فكرة مسؤولةً عن عالمنا الذي تغمرنا أحداثه كأعاصير من شاطئ إلى غيره.

ولكن قد يتساءل القارئ: لماذا حُجبت الرؤية عن العرب؟! كل تاريخ وعينا الضائع – عن قصد أو بدونه- سيتكثف في الإجابة عن هذا السؤال. ربما لأن السؤال يمثل رؤية في هذا الضياع نفسه، ولن تكون ثمة رؤية دون معرفة طبيعته ولماذا سيكون حصاداً مُراً أمام مشكلة الاستعمار الراهن (في شكل اسرائيل أو القوى الكبرى). لأننا ضيعنا وجودنا المتنوع والثري سدى أمام الشعوب المقموعة، لقد انخرطنا في عمليات تاريخية من الاستنزاف الذاتي والخارجي وما زلنا.

ذلك أن الاستعمار تدرج من الأساطير التي كانت تغزو الذهنية الغربية عن الشرق، وكانت تضاف أساطير إلى هذه الأساطير حول العادات والديانات وأنماط الحياة الشرقية (والعربية تخصيصاً) ثم تحركت الأساطير في شكل أساطيل غزت الشرق وتم تحويل الخيال إلى نهم استعماري ينهب كل شيء أمامه وعندما انحسرت موجات الاستعمار المادي كان الاستعمار عن بعد بأدوات ثقافية وسياسية عولمية. ونحن الشرقيون ما زلنا متوحلين في هذا الوحل، لأن أصحابه المحليين يقدمون خدمات مهولة للذين يرسمون السياسات والخطط والاستراتيجيات في الدول الكبرى. وأخيراً استعمار الوعي حيث التخلف الحضاري ورسم صورة عن أنفسنا كما يريد الآخر بإطلاق.

وهذه الصورة الأخيرة تطَّبِع حياتنا مع العالم كله وليس مجرد علاقات مع دولة هنا أو هناك، أي أننا نقبل وجودنا الهامشي وفاقد الأصالة دون تغيير. بل نؤدي أغراض الدول الكبرى والأنظمة الاستعمارية الاستبدادية كأفضل ما يكون.  ورغم أنني بلا أمن بنظرية المؤامرة، لكن قد تأخذ المآرب أفعالاً تاريخية وتسلك سلوكاً موضوعياً. لتحتكم إلى هشاشة البنية والبذور الكامنة فيها والقابل لما يراد لها.

مجدداً، أكاد أجزم أنَّ العرب لا يفهمون إسرائيل فهماً حقيقياً ولا يدركون ما معنى أن توجد دولة بلا توصيف ولا خريطة ولا إقليم؟!!. وبالطبع لا أمتلك مفتاحاً سحرياً لتحديد ماهية تلك الدولة، لكنني على الأقل أضعها بين قوسين بلغة الفينومينولوجيا وتحت الشطب بفكرة التفكيك وبجوار علامة الاستفهام بحسب التساؤلية.

والعرب نتيجة التشوهات السياسية (إن وجدت هناك سياسة) لا يرون الواقع، يحركهم ميراث الفواجع والهزائم المتتالية ناظرين إلى الخلف. فيتحركون بخيال الانتصار المفقود، أي يخرجون من الهزائم كما لو كانت انتصارات هم صانعوها. تدخل في هذا الإطار عمليات التطبيع كأنها ظفر بمكاسب تاريخية لم تتحقق من قبل. وهذا ما سمعناه مع كل تجارب التطبيع ومعاهدات السلام المختلفة. ولكم كانت الأنظمة المستبدة مساهمةً في ترسيخ هذه الفكرة، فالقائد الفذ حين يطل براسه عبر التلفاز يعدُّ ذلك انتصاراً ما بعده انتصار، وعندما يدشن مشروعاً يصبح فتحاً مبيناً وحينما يراوح مكانه يحرز انتصارات وراء أخرى.

ذلك هو السبب في تسمية اتفاقيات السلام بين بعض العرب وإسرائيل بالاتفاقيات التاريخية!!، وهي لا تساوي الأوراق التي كتبت عليها. فإسرائيل ليست دولة بمفاهيم الدولة الحديثة لعدة أسباب:

1- هي دولة “الوعد” التاريخي، والوعد استثناء خارج جميع المعايير آخذا طابع الفعل الكلي. لأن كل وعد يستند إلى سلطة الواعد… وبني اسرائيل يقولون إن الواعد هو الرب. ولذلك ليست السياسة الاسرائيلية منذ النشأة الأولى إلا وعوداً لن تكون لها أية مصداقية بمنظور الطرف المقابل لهم. بسبب أنَّ وعد الرب لا تزعزعه وعود أخرى مهما كانت،  ولذلك كان وعد بلفور سائراَ في الطريق نفسه، وجميع الوعود التي لا تنشد الهدف من الوعد الأول ليست سوى أمور غير ذات بال.

2- هي بمثابة الدولة الوظيفة، اسرائيل ليست دولة مستقلة الكيان والعلاقات والقرار. فبحكم تكوينها لابد أن تؤدي مهام قوى أكبر، كما أنها تمارسها في السياق الإقليمي. اسرائيل دولة بدرجة خادم سياسي للحفاظ على نصيبها. ولذلك عندما تأخذ مكان فلسطين، فهي مخلب لقوى أخرى. وتسهم في تفكيك المنطقة إن لم يكن تغيير طبيعتها من الأساس. لا ننسى جهود الأمريكان لتغيير المنطقة العربية ومسماها بعنوان الشرق الأوسط، لكي تلائم الوجود الإسرائيلي.

3- لا تعترف اسرائيل بسيادة الدول ولا بمفاهيم الدولة الحديثة. والمثال الواضح في دولة الإمارات نفسها عندما اخترق الموساد أجهزة المراقبة في اغتيال محمود المبحوح  عبلى الأراضي الامارتية. وقتها قيل إن دولة مسرح الجريمة ستقدم ملفها إلى الأمم المتحدة نظير هذا العبث بأمن البلاد. ولكن لم يحدث أي شيء من ذلك. قس على ذلك كافة الدول العربية المخترقة سواء مصر أم تونس أم المغرب أم السعودية.

4- اسرائيل لن تسمح لأية دولة عربية بنمو حضاري طبيعي، لأنها النقيض غير الموضوعي لأي مشروع حضاري عربي. اسرائيل تدرك كون هذا المشروع أو ذاك سيكون في غير صالحهم. ولذلك هي تحرص على الاسهام في المعرفة والتطور التقني والصناعات العابرة للقارات وفي التجارة والتنقيب عن الثروات. اسرائيل تريد الطفو فوق كل المنطقة العربية وتدأب على ذلك بإصرار.

5- لا تكتفي اسرائيل بدولة فلسطين، إنما تسعى لاختراق الدول العربية، وأن توجد بشكل تطبيعي، فوق هذا وذاك تمارس دورها الاستعماري. أي لا تحترم حدوداً كما تتدخل في النزاعات الإقليمية والقارية وتستبق لإعادة ترتيب الأوضاع وفقاً لمصالحها.

6- لا تريد اسرائيل السلام ولا الأمن ولا التعايش ولا الجوار ولا الحوار (فهي السبّاقة بالحروب والاعتداءات)، بل الهيمنة والتغلغل، أي أن تكون المجتمعات العربية مكشوفة تحت أنظارها ومخابراتها.  وهي محكومة بهذا الهدف في كل علاقاتها العربية الخفية والمعلنة.

7- خلطت إسرائيل بين الهوية الدينية والسياسية حتى تغطي على الهوية الفلسطينية الأخرى، ولكي تأخذ وجودها العبري بحسب التراث اليهودي. و طبعاً العرب ذاهبون إليها بلا أية هويةٍ، هم فارغو الوفاض إلاَّ من ثرواتهم وأزيائهم العنترية ليس إلاَّ. ولكن لن تخفي الملابس سنحات السذاجة الموحلّة حتى الأقدام.

8- اسرائيل دولة تصفي وجود الغير، فالأغيار في الموروثات اليهودية لا قيمة لهم، هم الأعداء بجوهر الكلمة تاريخاً ودلالةً. لذلك هي توقِّع اتفاقيات لتصفية القضية الفلسطينية من جذورها. لأن تحييد الدول العربية الواحدة تلو الأخرى بمثابة تجريد فلسطين من قوتها ومحيطها الاستراتيجي.

التصنيفات : بحوث ودراسات