جغرافيا العراق واثرها في بناء التعددية والتعايش السلمي..التركمان انموذجاً

14 سبتمبر، 2020
315

اعداد سامي العبودي

يمتلك العراق مميزات عديدة تميز بها عن اغلب البلدان العربية في منطقة الشرق المتوسط والجزيرة العربية، فبالرغم مما يتمتع به العراق من موقع جغرافي مهم، حيث يقع في شمال شرق الوطن العربي الى الجنوب الغربي من قارة أسيا، الذي جعل منه جسراً أرضياً بين قارات العالم القديم وموقعه الاستراتيجي الذي يقع في قلب منطقة الالتقاء بين القارات الثلاث ” آسيا وأوربا وأفريقيا”، ساهم في بناء نسيج اجتماعي متعدد الاطياف من مختلف القوميات، وهذا ما يميز العراق الحديث عن بقية بلدان المنطقة.

ويتضح من خلال التتبع والبحث ان “الموقع الجغرافي للعراق” كان رائدا في تأثيره على كل متغيرات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في محيطه الاقليمي، فكان على مر التاريخ مركزاً للحوار ولقاء الحضارات.

ويتمتع العراق ببنية جيولوجية نادرة جعلت منه بلداً ذو تظاريس متعددة ولكل منها طبقة مجتمعية تسكنها، فيوجد في العراق سلسلة جبلية تبدأ من شمال غربي العراق متجه نحو الشرق وتشغل نحو خُمْسِ المساحة الكلية للعراق وتسكنها الغالبية الكردية والتركمانية، والبنية الثانية وتتألف من السهول وتقع في المنطقة الوسطى ويخترق هذه المنطقة نهرا دجلة والفرات ويسكنها العرب، والبنية الثالثة تتمثل بالاراضي الصحراوية وتغطي الأجزاء الغربية والجنوبية الغربية من العراق، وهي تتكون من تلال من الحجر الجيري والكثبان الرملية التي تمتد إلى داخل بادية سورية والأردن وصحراء المملكة العربية السعودية، وتنتشر في هذه الصحراء الأودية الجافة التي تمتلئ بالمياه بعد سقوط الأمطار وغالبا مايسكن هذه المناطق هم “البدو” الرحالة.

لقد ساهمت هذه البنية الجغرافية بتكوين المجتمع العراقي ذو الطيف المتعدد الالوان فهو يضم العرب والاكراد والتركمان والسريان والشبك واليزيدية والصابئة والكاكائيين واليهود، فضلا عن بقية الاطياف الاخرى التي يتم تقسيمها بحسب الدين التوجه العقائدي والعرق واللون.

التركمان وامتزاجهم باطياف الشعب العراقي.

يصنف التركمان في العراق بالمرتبة الثالثة من حيث العدد بعد العرب والاكراد، ويليهم السريان والشبك واليزيدية والصابئة… ويتميزون بأنهم أكثر الفئات العراقية امتزاجاً مع باقي فئات الوطن مذهبياً وقومياً ومناطقياً، وهذه الخاصية الايجابية تعود لسبيين، الاول “مكاني”، فهم ينتشرون في شمال العراق في المدن والبلدات التي تشكل الخط الفاصل بين المناطق الجبلية حيث ينتشر الاكراد والمناطق السهلية حيث ينتشر العرب، إبتدءاً من ديالى ثم كركوك وأجزاء من صلاح الدين الى الموصل، بالاضافة الى تواجدهم في بغداد وباقي المدن، اما السبب الثاني فيعود الى “التنوع المذهبي”، حيث ينقسم التركمان تقريباً مناصفة بين الشيعة والسنة.

ان هاتين الميزتين، الانتشار المناطقي والتنوع المذهبي، جعلت التركمان يختلطون ويتزاوجون مع العرب والاكراد والفيلية والشبك، شيعة وسنة، بل هنالك الكثير من العشائر التركمانية التي تَعَرَّبَت تماماً، مثل البيات والقرغولي وكذلك حال الكثير من تركمان أربيل الذين أصبحوا أكراداً بعد تنامي الهجرات الكردية الى المدينة وصاروا غالبية فيها، بل ان الجماعات التركمانية تراها ممتزجة في الشبك واليزيدية، وحتى مع المسيحيين كما هو حال مسيحيي القلعة في كركوك.

الاضطهاد السياسي للتركمان في زمن النظام البعثي السابق.

لقد عانت القومية التركمانية الاضطهاد السياسي والاجتماعي في زمن النظام البعثي السابق الذي استمر حتى أعوام التسعينيات من القرن الماضي، مما أدى الى عزلة النخب التركمانية عن النشاطات الحزبية والثقافية العراقية، لكن لحس الحظ، فأن النخب التركمانية، منذ أعوام التسعينات، بدأت تدرك خطأها الانعزالي التاريخي هذا، وراحت بالتدريج تنفتح وتشترك بصورة فعّالة في الحياة الحزبية والسياسية والثقافية العراقية، وانهم ليسوا فئة معزولة محصورة في كركوك، بل هم عراقيون أصيلون منتشرون في أنحاء الوطن، في مختلف مناطقه وطوائفه وحتى قومياته.

أصل التركمان وانتشارهم في المجتمع العراقي.

(التركمان)، تسمية تطلق على فئات من أصول تركستانية متواجدة في عدة بلدان من آسيا الوسطى والشرق الاوسط، مثل العراق وايران وسوريا وفلسطين، وفي الاصل التاريخي القديم، كانوا يشكلون جزءاً من مجموعة الشعوب (التركستانية، أو الناطقة باللغات التركية) المنتشرة في عموم منطقة وسط آسيا، التي  تحدها الصين وايران وافعانستان وروسيا.

وبعد انتشار الاسلام بين هذه الشعوب، ومشاركتها الفعالة في الجيوش الاسلامية، بدأت تنتقل الى بلدان الشرق الاوسط  والقفقاس وتشكل جزءاً من نسيج شعوبها، فتواجدت الجماعات الناطقة بالتركية في ايران والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين، بل انها أصبحت غالبية ونشرت لغتها التركية في آذربيجان وكذلك في بلاد الاناضول التي أصبحت مقراً للدولة العثمانية ثم اطلق عليها تسمية (دولة تركيا).

التركمان ( تسميتهم وتاريخ وجودهم في العراق).

تشير المصادر التاريخية الى وجود التركمان في العراق منذ عام1055ميلادي بعد دخول الخاقان السلجوقي طغرل بك إلى العراق ، وقد تعمق وجودهم التاريخي في العراق منذ تلك الفترة وحتى عام 1918 أي ما يقارب تسعة قرون من السيادة التركية في العراق، ومع دخول طغرل بك إلى العراق، تتابع دخول أعداد ضخمة من الأتراك للعراق وعلى شكل موجات بشرية متلاحقة.

وقد بدأ إطلاق أسم التركمان على أتراك العراق في عهد السلاجقة، بعد سقوط الدولة السلجوقية، حيث حكمت العراق إمارات تركمانية عديدة مثل أمارة زين الدين كوجك في أربيل (1144-1233 )، والاتابكية في الموصل، وقبجاك اوغوللارى في كركوك، وقد عاشت أربيل عصرها الذهبي في فترة حكم مظفر الدين كوكبري الذي استمر من 1190 إلى 1233 ودام 43 عاماً. وقد تتابعت الإمارات التركمانية على حكم المنطقة حتى عام1514، وتمكن السلطان العثماني ياووز سليم بعد حملة تبريز في 1514 من فتح شمال العراق وإخضاعه للدولة العثمانية في عام 1515، وبعد مرور 19 عاماً على هذا الفتح دخل السلطان العثماني سليمان القانوني بغداد في 28/11/1534 منهياً بذلك الحكم الصفوي التركي فيها. وبذلك أصبح العراق ولاية تابعة للدولة العثمانية.

اهم المناطق التي يتواجد فيها التركمان.

ينتشر تركمان العراق منذ فترة تتجاوز الألف عام في المناطق الشمالية والوسطى، في محافظات الموصل وأربيل وكركوك وديالى وصلاح الدين وفي بعض أحياء مدينة بغداد.

لقد عملت الأنظمة التي توالت على الحكم في العراق ومنذ 1957 على تغيير الواقع السكاني لمناطق الاستيطان التركمانية إضافة إلى تغيير وحداتها الإدارية، وشملت مناطق التمركز عام 1957 الموصل وأربيل وكركوك وديالى.

اللغة التركمانية.

ان اللغة التركمانية العراقية هي  جزء من مجموعة اللغات التركستانية المتقاربة فيما بينها، لكن التركمانية شبيهة الى حد كبير باللغة التركية (جمهورية تركيا) والآذربيجانية، بدرجة تشبه التقارب بين اللهجة العربية العراقية واللهجة العربية السورية، ومازالت اللهجة التركمانية تحتفظ بنسبة 40%  من المفردات العربية بخلاف اللهجة التركية التي أدخلت إليها، بعد تأسيس الجمهورية التركية، المفردات الإنكليزية والفرنسية بنسبة أكثر من %30 بدلاً من المفردات العربية، وما زال التركمان يعتمدون الحروف العربية في الكتابة، بينما الاتراك تبنوا الابجدية اللاتينية.

احصائيات تخمينية بأعداد التركمان في العراق.

في ظل غياب التخطيط في العراق بعد عام 2003 ولحد الان، لم تتخذ الحكومات العراقية خطوات جدية باجراء تعداد سكاني في المناطق العراقية، وقد تعود الاسباب الى اسباب سياسية من اجل تغليب فئة على فئة اخرى وضياع حقها الانتخابي الذي كفله الدستور العراقي الجديد، وفي ظل هذه الظروف الضبابية، فقد اجريت العديد من الدراسات والابحاث من قبل بعض المختصين حول الاعداد التقريبية لنفوس العراق بصورة عامة وأعداد التركمان بصورة خاصة كما أيدت معظم هذه الابحاث والدراسات حول أعداد التركمان من قبل بعض الكتاب والباحثين العرب والاجانب المحايدين ومنها:

1- عند تطبيق النسب المئوية مع الاخذ بنظر الاعتبار أن نفوس العراق البالغ حوالي 24.502.730 نسمة لسنة 2000م فان عدد نفوس التركمان سيكون حوالي 2.940.207 نسمة . وعند تطبيق نسبة الزيادة السكانية بمعدل 3.4% فان عدد نفوس التركمان سيكون بحدود 3.040.174 نسمة.

2- إذا أخذنا بنظر الاعتبار 3.2 % كمعدل للنمو السكاني فان عدد نفوس العراق في سنة 2003م سيكون 25.122.672 نسمة ( باعتبارالزيادة العددية السنوية 567.744 نسمة) . وبما أن نسبة التركمان حسب الدراسات الواردة في 1990م هو 12% وعليه فان تعداد نفوس التركمان سيكون بحدود 3.014.720 نسمة وأن هذه الأرقام أقرب إلى الواقع من الأرقام السابقة التي تحاول تصغير حجم وأعداد التركمان في العراق . وهنا يمكننا تأكيد صحة الدراسة المقدمة من قبل الجبهة التركمانية العراقية بأن نسبة التركمان في العراق هي 13% , وبذلك سيكون عدد التركمان في العراق أكثر من ثلاثة ملايين نسمة .

3- لقد تم اجراء الحسابات الدقيقة حسب معدلات النمو السكانية في العراق بواقع 3.4% الى سنة 1957م و 3.2% الى السبعينات و 2.6% في الثمانينات و2.3% في 1993 حسب معطيات التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 1993م والصادر عن الصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي وصندوق النقد العربي ومنظمة الاقطار العربية المصدرة للبترول في الكويت عام 1993م . وعند تطبيق نفس الحسابات الاحصائية فان عدد التركمان سيكون أكثر من ثلاثة ملايين أيضا .

………………………………….

المصادر

  1. الموسوعة الحرة (ويكيبيديا)
  2. تاريخ التركمان / الدكتور محمود نورالدين
  3. الاقليات في الشرق الاوسط / فايز سارة
  4. موقع (نحن التركمان) الالكتروني
  5. التركمان (أصلهم، وموطنهم الأصلي، لغتهم، ودياناتهم، وسكنهم العراقي) – حسام الدين شلش
  6. تركمان العراق (تاريخهم ومناطقهم وثقافتهم) – سليم مطر