الوراثة اللاجينية: قراءة الترميز الجينومي الثاني

4 أكتوبر، 2020
111

ڤيڤيان ماركـس

التغيرات عابرة الجينوم تجعل ترميزها وتفسيره أكثر تعقيدًا، لكنها ما زالت تضع بصيصًا من النور في أعين مطوِّري الأدوية والتقنية.

اشتهر جزيء الحمض النووي “DNA” بأنه دليل تعليمات الحياة ـ بيانات الشريط المكوّن من مليارات أزواج القواعد النيتروجينية ـ التى توجه كيف تتحول البويضة المخصبة إلى أنسجة وخلايا وأعضاء محددة لشخص ما، بأنْ يقال عنه إنه محترف كرة قدم، حاد العينين، يميل إلى الموسيقى، لكنه يكافح الاكتئاب أيضًا.

يعمل الحمض النووي “DNA” مع عديد من الشركاء، بما في ذلك العوامل “اللاجينية”، التي تؤثر في التعبير الجيني بطرق لا تنطوي على تغيرات في المتتابعات الضمنية أو الكامنة (انظر: الحمض النووي الميّال للتعدد Polygamous DNA). وهناك مثال مهم على ذلك، هو المثيلة (methylation)، حيث يتم إلحاق مجموعات الميثيل إلى مواقع مختلفة على طول اللولب المزدوج للسيطرة على نشاط جينات معينة. تؤثر المثيلة أيضًا على الهستونات، والبروتينات الشبيهة بالبكرة التى يلتف حولها الحمض النووي بإحكام داخل النواة: تساعد التعديلات الكيميائية في السيطرة عندما ينفتح المركب المسمى “كروماتين” ـ حمض نووي وبروتين ـ بحيث يمكن قراءة التعليمات الوراثية. إن معرفة متى وكيف تحصل مثل هذه التغييرات الجينية ـ أو تتلف ـ أصبح جزءًا أساسيًّا من جهود العلماء لفهم التطور الطبيعي للخلايا، وتطورها إلى سرطان وأمراض أخرى. وهو ما يمكن أن يكون عملًا مضنيًا.

يقول أندرو فاينبرج، خبير “الوراثة اللاجينية” Epigenetics بجامعة جونز هوبكنز في بالتيمور، ميريلاند: “غالبًا لا تلتقط التقنيات المتاحة سوى “ظلال بيوكيميائية ضئيلة” من أحداث جارية بموقع معين، في حين أن مجموعة كاملة من اللاعبين وآلياتها لا تزال غامضة”. وحتى عندما يمكنك تحديد الجزيء اللاجيني، بحسب توني كوزاريديس، عالم الأحياء الجزيئية بجامعة كمبريدج، المملكة المتحدة: “يجب أن تستنبط لماذا هو هناك، وماذا يفعل هناك”.

ومع ذلك.. أحرز أنصار علم “الوراثة اللاجيني” تقدمًا ملحوظا خلال العقدين الماضيين. وتضم مجموعة أدواتهم حاليًا تقنيات فك متتابعات متقدمة، والأجسام المضادة الموجهة، وحتى الفرز الخلوي بالليزر، ويجب أن تشمل قريبا الموائع النانوية فائقة الحساسية وطرق فك المتتابعات النانومسامية. يتحول المجتمع أيضا إلى المعلوماتية الحيوية المتقدمة للتعامل مع الحجم الهائل من البيانات، خاصة ثروة من المعلومات اللاجينية من مشروع موسوعة عناصر الحمض النووي (ENCODE)، الذي أصدر هذا العام أكثر من 1600 مجموعة بيانات على نطاق الجينوم، وتغطي أكثر من 100 نوع من الخلايا.

ينطلق التطور التقنى الآن بسرعة أعلى، حيث يواصل الباحثون بمجال علم الوراثة اللاجيني فك رموز شركاء الجينوم الكثيرين، وتعميق فهم الصحة والمرض.

ما وراء محدثات الصداع؟

تسمى الطريقة القياسية المستخدمة لدراسة تعديلات الوراثة اللاجينية للهيستون “الحث المناعي للكروماتين” (ChIP)، المقرون بفك المتتابعات، والفكرة الأساسية هي قص الحمض النووي “DNA”، بينما لا يزال ملفوفا حول الهيستونات، واستخدم الأجسام المضادة لالتقاط مركبات محددة من شظايا البروتين-الحمض النووي، ومن ثمّ دراسة أي متتابعات الحمض النووي “DNA” تعلق بأي بروتينات. وسياعد هذا النهج على مراجعة كيف تضبط التفاعلات الجينات؛ فتفعِّل بعضها، وتسكت الأخرى.

ولهذه التقنية عيوبها، لكن سريهارسا برادهان، وهو عالم في بيولوجيا الحمض النووي الريبي بمختبرات “نيوإنجلاند بيولاپس” في إبسويتش، بولاية ماساتشوستس، يقول إنه غالبًا ما يكون غير قادر على إعادة إنتاج عمل (نتائج) دراسات علم الوراثة اللاجيني المنشورة. ويضيف برادهان: “معظم حالات الفشل تحدث إذا كانت الأجسام المضادة ليست جيدة”.. فقد تلتقط عددًا كبيرًا جدًّا من مركبات البروتين-الحمض النووي (DNA)، ـ كل من توم، وديك، وهاري في عيِّنة ـ وهكذا لا يقدم القرار الذي يسعى إليه العلماء.

ويوافق كوزاريدس على أن نوعية الأجسام المضادة ذات أهمية كبيرة في طريقة “الحث المناعي للكروماتين” (ChIP)، وعديد من إجراءات المختبر الأخرى. وهذا ما أدى به إلى المشاركة في تأسيس “أبكام” Abcam، وهي شركة بمدينة كمبردج البريطانية، تُوَرِّد الأجسام المضادة. يقول كوزاريدس، عضو مجلس إدارة “أبكام” إن الهدف من ذلك هو أجسام مضادة ذات جودة عالية استثنائيًا، لكن العملية نضال مستمر.. فـ”أنت تحت رحمة الأرانب”، في اشارة إلى الحيوانات المستخدمة لتوليد الأجسام المضادة. إن “بعضها يولّد أجسامًا مضادة جيدة، وبعضها يولد أجسامًا مضادة رديئة”، وليس هناك تنبؤ بالفرق بين مصدر وآخر.

يقول كوزاريدس إنه يمكن أن تقدم الأجسام (أضداد وحيدة النسيلة) موثوقية أكثر، لأنها تتجنب مشكلة التغاير من كمية إلى أخرى.. لكن لأسباب لا تزال غير واضحة، بعضها لا يعمل بشكل جيد في طريقة “الحث المناعي للكروماتين”. أما الآن، فإن هذا الحقل يجب أن يستخدم الحيوانات لتوليد خلائط الأجسام المضادة المفيدة لطريقة “الحث المناعي للكروماتين”. ويقول: “يجب أن تكون مهيَّأً لطبيعة الأجسام المضادة غير الموثوقة، لأنها هي الطريقة الوحيدة للقيام بهذه التجارب في الوقت الحالي”.

ويضيف ألن تاكيت من جامعة أركنسا للعلوم الطبية في ليتل روك عيبًا آخر في طريقة “الحث المناعي للكروماتين” القياسية هو تحيزها. ورغم أن هذه التقنية تتيح للعلماء توطين بروتين محدد للعمل على موقع جينومي، “عليك أن تعرف ما هو البروتين، أو تعديل الهيستون الذى تستهدفه”. يحتاج العلماء إلى أن يكون في متناولهم جسم مضاد يضاهي البروتين موضع اهتمامهم، فلا تتم بسهولة مضاعفة طريقة “الحث المناعي للكروماتين” لإدارة ملفات تعريف مجالات متعددة للجينوم في الوقت نفسه.

واستجابة لهذا النقص، طوّر تاكيت وزملاؤه بأركنساس، بالتعاون مع علماء كلية طب جامعة جونز هوبكنز، تنقية ألفة الكروماتين بتقنية “الضوء الطيف الكتلي” (ChAP-MS). وتفضي هذه المقاربة إلى الاستغناء عن منطقة بطول 1000 زوج من قواعد الكروموسوم، وتنقيته، وتحديد جميع التغييرات اللاجينية الموجودة. وقد استخدم الفريق هذه المقاربة في الخميرة لكشف حالات كروماتين مختلفة وجينات تم إسكاتها، ومناطق أخرى لا تزال بها جينات نشطة. ويقول تاكيت إن هناك حوالي عشرة مختبرات بحثية أخرى بدأت استكشاف هذه الآفاق أيضًا.

وحاليًا، يجهز تاكيت هذه التقنية لاستخدامها في خطوط الخلايا والأنسجة البشرية. ويقول: “نعمل على إنجاز نسخة الثدييات، ونتوقع اكتمالها خلال العام”. وهناك تحدٍّ واحد لتنقية ألفة الكروماتين بتقنية الضوء الطيف الكتلي، وهو أن التحليل يتطلب بين 107 و1010 خلية. ولذلك.. يحاول تاكيت وزملاؤه خفض هذا العدد، بيد أنه واثق من أن هذه التقنية واعدة. ويقول: “نرى هذا يأخذ مكان طريقة الحث المناعي للكروماتين في مختبرات علم الوراثة اللاجيني في نهاية المطاف”، مع تقنية قياس الطيف الكتلي التى يتم توفيرها من خلال المرافق الأساسية للبروتيوميات في الحرم الجامعي.

ويقترح علماء آخرون بدائل مختلفة لطريقة “الحث المناعي للكروماتين”. يقول بول سُولوْوِيه بجامعة كورنيل في إيثـِكا، بولاية نيويورك عنها إنها: “ليست عملية فعالة جدًّا”. وبالإضافة إلى تحديات معالجة العينات، تستعلم طريقة “الحث المناعي للكروماتين” عادة عن علامة واحدة فقط للوراثة اللاجينية في الوقت الواحد في جمهرة من الخلايا. وهذا يعني أن نتائج تجارب فك متتابعات “الحث المناعي للكروماتين” تنبغي محاذاتها؛ لتحديد ما إذا كان لبعض الخلايا علامة واحدة، وللبعض الآخر علامة أخرى، أو إذا كانا كلاهما لدى كل الخلايا.

يريد سولوويه أن يقدم للعلماء حلولا أبلغ لتحليل “الحث المناعي للكروماتين”. يريد أيضا أن يكون هذا النهج متدرجًا، مقدمًا التفاصيل، وكاشفًا علامات جينية متعددة في تجربة واحدة. وكان جوابه: جهاز موائع نانوي (متناهي الصغر) يعتمد على رقاقة سيليكا بمرحلة النموذج الأولي، يأتي في شكلين: أحدهما يقدر الجزيئات ذات العلامة الوراثية اللاجينية الواحدة ـ على الأقل ـ كميًّا، والآخر جهاز موائع نانوي متفرع، يفرز ويقدر الجزيئات تقديرًا كميًّا. وباستخدام علامات فلورية والفرز بصري الأساس، تنقل الجزيئات إلى حجرة، أو إلى أخرى؛ لتحليلها لاحقًا، مثل فك تتابعات الحمض النووي ” DNA”. ويضيف: “لأن السيليكا رائقة وغير فلورية، يمكننا أن نقيس الجزيئات الفردية باستخدام بصريات عالية الحساسية”.

وفي نهاية المطاف، فإن سولوويه يرغب في أن يستطيع المرور خلال الجينوم كله بطريقة سريعة مضاعفة. يقول إن طريقة “الحث المناعي للكروماتين” لا تزال في طليعة تقنياته، لأن بإمكانها توليد المواد بكميات حسب الحاجة اللازمة لإجراء عملية فك المتتابعات، في حين أنه لا يزال بحاجة إلى الوصول من جزيئات مفردة إلى مستويات الپيكوجرام والنانوجرام اللازمة.

ويعتقد سولوويه أن تقنيته ستجد له مكانًا في تطوير العقاقير، مما يساعد الباحثين على التميز والتقدير الكمي والسريع لكيفية تأثير المواد المرشحة كعقاقير على علامات الوراثة اللاجينية. ويقول الباحث إن التطبيقات الإكلينيكية تشمل المساعدة في مراقبة كيفية نجاح أو إخفاق علاج المرضى بعقاقير لاجينومية، وتحديد كيف تختلف العلامات اللاجينية أثناء مرض كالسرطان. في يناير الماضي، وبالتعاون مع هارولد كرايجهيد، وستيفن ليفي، المهندسَيْن بجامعة كورنيل، اللذين عملا على هذه التقنية؛ أسس شركة Odyssey Molecular في إيثاكا، لتسويق الجهاز.

العثور على علامات أخرى

مثيلة الحمض النووي “DNA” لها أدوار مهمة في الخلايا، بما في ذلك تنظيم الجينات خلال النمو والمرض. وإحدى الطرق المستخدمة للعثور على هذه المقاطع من الجينوم هي مثيلة الحث المناعي للحمض النووي، الذي يستخدم الأجسام المضادة التي تحدد موقع – ميثيل سيتوزين، وهو شكل مثيلة قاعدة السيتوزين في الحمض النووي.

وهناك نهج مختلف يستهدف الأجزاء الممثيلة للجينوم في جزر “CpG”، المتميزة بروابط كيميائية معينة بين قاعدتي الحمض النووي: “سيتوزين” و”جوانين”. وفي تحليل لمستويات الحامض لحوالي 240 ألف من ملايين الجزر في بيانات موسوعة الترميز (إنكود)، فإن جون ستاماتويانوبولوس بجامعة واشنطن في سياتل وزملاءہ وجدوا علاقة قوية بين المثيلة، وإمكانية وصول الجينات لتتسنى قراءتها5. كما لاحظت وندي بكمور بمجلس البحوث الطبية، بوحدة الوراثة البشرية بجامعة إدنبرة الاسكتلندية، أن النتائج تدعم فكرة أن مثيلة الحمض النووي “DNA” يتم اعتراضها، حيث تتقيد عوامل النسخ التي تقرأ الحمض النووي “DNA”. تقول بِكمور إن هذه الآلية ذات أهمية لتفسير المواقع المرتبطة بالأمراض، التي تظهر تغيرًا في مثيلة الحمض النووي.

وإحدى التقنيات ذات الاستخدام الواسع لتحديد أنماط مثيلة الحمض النووي عبر الجينوم هي فك التتابعات بثنائي الكبريتيت. وإضافة ثنائي الكبريتيت إلى الحمض النووي تحول “سيتوزين” إلى “يوراسيل”، لكن يتخطى الـ”سيتوزين” المُمَثيَـل (methylated)، مما يسمح بحالة مثيلة لأجزاء الحمض النووي، ليتم تحديدها من خلال فك المتتابعات عالية الإنتاجية. وتعرض شركات عديدة أدوات تحويل ثنائي الكبريتيت. يقول فاينبرج: “إنها رخيصة بما يكفي الآن، وهناك أدوات إحصائية لفهم ذلك، ولا يوجد سبب لاستخدام أسلوب آخر”.

إن الكشف عن المثيلة مضيعة للوقت. ولهذا.. يستكشف علماء الأوساط الأكاديمية والصناعة سبل تحسين هذه المقاربة. وتستكشف فرق بحثية ـ بما فيها فريق جامعة أوساكا اليابانية، وفريق جامعة أكسفورد البريطانية ـ استخدام المسامات النانوية، والبوابات الصغيرة التي يمكن خلالها مد خيط من الحمض النووي. وتستخدم شركة “باسيفيك بيوسيانسِز” Pacific Biosciences لفك متتابعات الحامض النووي، في مينلو بارك بكاليفورنيا، بطاقات (واسمات) لإعداد خيوط الحمض النووي “DNA” المفردة لفك متتابعات عالية الإنتاجية.

وفي الوقت نفسه، يقود روب مِترا بجامعة واشنطن في سانت لويس جهدًا كبيرًا، لنكون أكثر دقة في التقاط بيانات المثيلة، لأن هذه المعلومات يمكن أن تكون علامة مبكرة لتطور الورم. وقد طوّر مِترا وفريقه ـ ومن بينهم طالب الدراسات العليا ماكسيميليان شيليبيكس ـ تقنية تستخدم أشعة الليزر لفصل الخلايا ذات الاهتمام. وسميت هذه التقنية تقنية الالتقاط بالليزر بالتشريح المجهري منخفض التمثيل لفك المتتابعات بثنائي الكبريتيت. ومن بين المزايا، كما يقول مِترا، هو أن تغطي هذه التقنية “الغالبية العظمى من جزر CpG بغير كلفة نسبيًّا”.

ويماثل فك المتتابعات بثنائي الكبريتيت منخفض التمثيل فك متتابعات كامل الجينوم بثنائي الكبريتيت، لكنه يفك متتابعات أجزاء الجينوم المشتملة على مناطق ذات جزر “CpG” كثيفة. وتستخدم هذه التقنية إنزيمات لتقطيع شظايا نقية لجزيء الحمض النووي تحوي جزر”CpG”، ثم تتم معالجة الشظايا، ثم شظايا ذات حجم معين تتعرض للتحويل بثنائي الكبريتيت، ثم يتم تضخيمها وفك متتابعاتها.

وتوجه هذه المقاربة للعمل على كميات صغيرة من الحمض النووي ـ وربما أقل حتى من نانوجرام ـ وفي الأنسجة المدمجة في البارافين والمثبتة في الفورمالين، وهي ـ حسب قول مِترا ـ “ليست بحالة جيدة عادة، مقارنة بعينات طازجة للحمض النووي المجمد”. وعادة ما يُستخدم هذا النوع من تثبيت الأنسجة بشكل نموذجي في عينات البنك الحيوي. ويضيف أنه يمكن أن تكون هذه التقنية أداة للباحثين الذين يعملون مع أنواع معينة من الخلايا أو الأنسجة المعقدة، مثل العينات العصبية، التي من الصعب أن يتم عزل نوع معين من الخلايا المستهدفة منها.

وتتجنب الطريقة أيضًا ضرورة التنقية المتعددة كثيفة العمالة. ويقول مِترا: “في كل نقطة في الفضاء تحصل على ملامح المثيلة على نطاق الجينوم، ويمكنك الآن البدء في ربط ملامح المثيلة مكانيًّا”. ويمكن للباحث أن يرى ما إذا تمت مثيلة مناطق مماثلة من النسيج المركب بشكل مماثل. وبمزاوجة تحليل المثيلة على نطاق الجينوم مع التقاط الليزر لعزل عناقيد من الخلايا المستهدفة، يمكن أن تساعد هذه الآداة الباحثين في تناول المسائل الصعبة في هذه الأنسجة.

توسيع نطاق الوصول

بجانب سيل البيانات التي جلبتها موسوعة الترميز “إنكود” ENCODE للوراثة اللاجينية، جاءت معايير البيانات، وقياسات الجودة، وأدوات البرمجيات، وطرق لنقل كيفية إجراء التجارب، مما يتيح إجراء مقارنات بين المختبرات. “وهذا التطور أدى إلى زيادة الوعي بـ”تكنولوجيات جيدة” ضرورية لدراسة كيفية وضع الشفرة الوراثية موضع الفعل”، بحسب قول آدم بيترسُن، أحد علماء “زيمو ريسيرش” Zymo Research في إرفين بكاليفورنيا، إحدى الشركات التي تقدم خدماتها بمجال “الوراثة اللاجينية” للأكاديميين وشركات اكتشاف العقاقير الطبية.

وهذا الوعي سيصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى، حيث ينمو مجال الوراثة اللاجينية، لا ليشمل أنواع خلايا متعددة فقط، بل ليشمل أنواعًا حية متعددة. ويرسم مشروع “مودإنكود” modENCODE، أي الترميز النموذجي (www.modencode.org) الخرائط التنظيمية لاثنين من أنماط الكائنات النموذجية المستخدمة في كثير من الأحيان: ذبابة الفاكهة (دروسوفيلا ميلانوجَستر) والديدان الخيطية (كينورأبديتيس إليجانس). ويركز كونسرتيوم إنكود ENCODE لترميز الفأر على رسم خرائط الوراثة اللاجينية. “وهناك طريقة ضخمة لفهم الوظائف بالوراثة اللاجينومية المقارنة”، بحسب قول فاينبرج، الذي يود أن يرى جهودًا أكثر عبر الأنواع الأخرى.

يقول كوزاريديس، الذي يرى المعلوماتية الحيوية كخطوة لتحديد المعدل في الوراثة اللاجينية: “هذه التطورات ستقتضي حتما زيادة الاعتماد على قدرات حاسوبية فائقة”. ويحتاج الباحثون طرقًا لدمج وإجراء تحليل شامل لخرائط ناشئة من علامات الوراثة اللاجينىومية ولآثارها، فضلا عن طرق للقيام بتحليلات عالية الدقة، ويفضل أن تكون على مستوى الخلية الوحيدة. وبدون موارد حاسوبية كهذه، سيكون “مستحيلاً تقريبًا أن نقدر مدى تعقيد المعلومات”، بحسب قول كوزاريدس.

لقد وضع مايكل سنايدر وفريقه بجامعة ستانفورد في پالو آلتو بكاليفورنيا أداة آلية لاستكشاف مناطق غير مرمزة (مشفرة) بالجينوم البشري لعلماء يفضلون عدم التنقيب عن البيانات بأنفسهم، وتسمى “ريجيولوم-دي بي”، (regu­lome.stanford.edu). ووضع مانوليس كيليس في معهد تكنولوجيا ماساتشوستس في كمبريدج وفريقه أداة تساعد على ربط الأنماط المختلفة غير المرمزة (المشفرة) إلى الحالات الإكلينيكية المحتملة “Haplo-Reg”.

(www.broadinstitute.org/mammals/haploreg).

عقاقير عابرة

تمثل إمكانات التطبيقات الإكلينيكية دافعًا مهمًّا لأبحاث الوراثة اللاجينية. وتعطي الطبيعة العابرة لتغيرات الوراثة اللاجينية الباحثين بمجال العقاقير والطب الحيوي أسبابًا للحلم بأن تقلب جهودهم اتجاه التغيرات التي تسهم في نشوء المرض. يقول فاينبرج: “الأشياء الأكثر ليونة يُرجح أنها الأشياء التي يمكننا استهدافها”.

وقد تمت الموافقة من قبل إدارة الغذاء والدواء (الأمريكية) على تداول أربعة أدوية تعمل على مسارات الوراثة اللاجينية، والموجة التالية من علاجات الوراثة اللاجينية المرشحة للترخيص أعدت في شركات التكنولوجيا الحيوية والمستحضرات الصيدلانية. وعلى سبيل المثال.. يبحث كوزاريدِس في تعديلات الكروماتين، ويطوّر مركبات مرشحة كعقاقير يمكنها تصحيح أخطاء في السرطانات، حيث تؤدي تأثيرات الوراثة اللاجينية مثلاً إلى سوء تنظيم مسارات الخلية.

ومن أجل استهداف شكل عدواني من سرطان الدم الذى يعاني من نقص العلاجات، تمكن كوزاريدِس وفريقه من استكشاف كيفية منع نطاق البرومو والمحطة الإضافية لبروتينات (BET) وإزالتها من الكروماتين. تنتمي هذه البروتينات لفئة من البروتينات القارئة للوراثة اللاجينية تستهدف الهيستونات، وتجند المركبات متعددة البروتينات إلى الموضع الذى تعلق به، وترشد العمليات الخلوية المشاركة في قراءة المعلومات الوراثية.

يقول كوزاريدِس إن “الرحلة من المختبر إلى العيادة ليست سريعة عادة”. ومع ذلك.. فقد عُثر في هذه الحالة على عقار قيد التطوير مرشح كدواء للالتهاب قابل للتطبيق لحالات سرطان الدم (لوكيميا).

ويعتقد كوزاريدِس أن تعديل مسارات الكروماتين أهداف لعقاقير واعدة، لأنها تنطوي على بروتينات تتفاعل مع بروتينات أخرى. وفي الماضي، كانت العقاقير تميل إلى الإنزيمات المستهدفة، ولم يُنظر في استهداف تفاعلات البروتين مع البروتين مع جزيئات صغيرة، لكن نتائج أبحاثه8 ـ بجانب نتائج أبحاث آخرين ـ أظهرت إمكان تطوير جزيئات صغيرة محددة ضد بروتينات (BET) التي تتعرف على التعديلات الصغيرة للوراثة اللاجينية الموجودة على الكروماتين.

تستكشف شركة كونستليشن فارماسوتِكَلز Constellation Pharmaceuticals في كمبريدج، ماساتشوستس، أيضًا عائلة بروتينات (BET)، والإنزيمات الأخرى التي تعدل الكروماتين9. ويوضح كيث ديون، رئيس الشركة، والرئيس التنفيذي لها أن هذه العلاجات ستكون جزءًا من الجيل الثاني من عقاقير الوراثة اللاجينية المستهدفة لتعديلات جينية محددة لها دور في نشوء المرض. ويوضح جيمس أوديا ، أكبر مسؤول علمي بالشركة أنه في الماضي تحوًّل الفهم العلمي الأقل دقة للكروماتين إلى تقدير “التمييز الدقيق” بين حالات الكروماتين.

وفي أوائل هذا العام، بدأت شركة “كونستليشن فارماسوتكلز” وشركة “جيننتِك” التعاون لتطوير مثبطات بروتينات (BET) وفئة أخرى من مُعَدِلات الوراثة اللاجينية، و كُتَاب الكروماتين (EZH2). ويبدو أن هذه البروتينات جزء من مركب يكبح التعبير الجيني، وقد تم ربط بعض النُسخ المحورة وراثيًّا منه ببعض أنواع السرطان.

ويقول باتريك تروجر، مدير البيولوجيا بشركة “كونستليشن فارماسوتكلز”: “تستخدم السرطانات تعديل الكروماتين لكسب ميزة، كتثبيط المسار الذي يخلق مجالاً لنمو الورم دون عوائق”. وقام هو وزملاؤه بتطوير تقنيات لدراسة تفاصيل تغيرات الكروماتين، كجزء من برنامج اكتشاف الشركة للأدوية. يقول تروجر إن “فهم بيولوجيا الكروماتين يمثل إحدى المساعي القوية للشركة”.

استخدم تروجر وزملاؤه عددا من تقنيات الوراثة اللاجينية لدعم هذا البحث المستـند إلى التـطبيـق. يقول تروجر إن فك المتتابعات بـ”الحث المناعي للكروماتين” يُعد معيارًا مختبريًا تكون فيه الأجسام المضادة هي “مفتاح” هذه التقنية. وقد أعطت الشركة أولوية أيضا لمطياف الكتلة للهيستون، لأنه يسمح للعلماء بالاستعلام عن تغيرات الكروماتين، دون استخدام الأجسام المضادة، والاستعلام عن عدد من التعديلات معًا. وقد أقامت الشركة منشأة داخلية ذات إنتاجية عالية للكشف عن المركبات المحتملة.

ويوضح ديون أنه رغم ميل شركات أخرى للاستعانة بمصادر خارجية لتنفيذ هذه المهام، تريد الشركة دمج نتائج بيولوجيا الكروماتين في اكتشاف العقاقير بالأدوات والوسائل المتاحة المناسبة، وتشمل الطيف الكتلي، وتحليلات الفيزياء الحيوية.

وتركز شركة أخرى في الوراثة اللاجينية بكمبريدج “إپيزايم” Epizyme على عائلة بروتينات، تسمى هيستون ميثيلترانسفيراسز. وتعمل هذه المعُدِّلات الوراثية اللاجينىة على الهيستونات بتحفيز نقل مجموعات الميثيل إلى مواقع معينة في البروتين. يقول روبرت كوپلَند، كبير علماء شركة “إپيزايم”: إن “لشركته اتفاقات مع شركات الأدوية جلاكسوسميث كلاين؛ وشركة سلجين في سوميت، بنيوجيرسي؛ وأيساي في وودكليف ليك، بنيوجيرسي أيضًا، وجمعية سرطان الدم وسرطان الغدد الليمفاوية في وايت پلينز، بنيويورك؛ ومؤسسة بحوث المايلوما المتعددة في نورواك، بكونّتيكت. وحتى الآن، تم تحديد 96 هيستون ميثيلترانسفيراسز في البشر. ويضيف قائلاً: “نعتقد أن هناك ما لا يقل عن 20 من تلك الإنزيمات التي هي أهداف ذات قيمة عالية للسرطانات البشرية”.

ويذكر كوپلَند أن “هدف الشركة هو العثور على جزيء يمنع إنزيمًا نشطًا في مسار الوراثة اللاجينية، وليس جيرانه الأقربين”. إنها الانتقائية التي كان يصعب الحصول عليها في تطوير عقاقير علاجية حيوية. ويعتقد كوپلاند أن عقاقير الوراثة اللاجينية تندرج في اتجاه تحديد السرطان، ليس عن طريق موقعه التشريحي، بل عن طريق صورته الجزيئية، التي تضم توقيعات (بصمات) لاجينية. وكشركات عديدة في هذا المجال، نقّب كوپلاند وزملاؤه عن قواعد البيانات المتاحة للجمهور، ولاحظوا أنه تم العثور على تغيرات جينية عديدة في مسارات وراثية لاجينية في السرطانات البشرية.

ويعتقد كوزاريدِس أن عديدًا من الخلايا السرطانية سيكون عرضة لأدوية الوراثة اللاجينية، لأنها تعتمد واحدًا فقط أو اثنين من المسارات الجينية، في حين أن الخلايا الطبيعية تعتمد على عدة مسارات لمهامها. وفي الوقت نفسه، يعتقد كوزاريدس أن الباحثين في الوراثة اللاجينية ومطوري التكنولوجيا لا يزالون يرغبون في تطوير وصقل الطرق التجريبية، كاستكشاف بنية ثلاثية الأبعاد للأحداث اللاجينىومية مثلاً، لرؤية كيفية تغير الكروماتين بكافة أنحاء الجينوم. يقول كوزاريدس إن “من الصعب جدا النظر إلى الكروماتين نفسه.. فلا تزال التكنولوجيا بحاجة إلى التطور؛ للنظر في آثار الكروماتين داخل الجسم الحي”. ويضيف قائلاً: “البيانات المتاحة في الوراثة اللاجينية واسعة النطاق، لكن لا تزال ضئيلة جدًّا” من التغيرات اللاجينية. وتمثل الوضع في وقت محدد بخلية معينة.

وقد يجد مجال الوراثة اللاجينية طريقه إلى الطب الوقائي أيضًا. ويمكن لفحص اللاجينىوم بدقة أن يكون وسيلة للكشف عن المرض قبل ظهور الأعراض أيضًا. وطريقة وخز كعوب الأطفال حديثي الولادة، لأخذ عينة الدم منها، هي إحدى الطرق للبدء. وفي بلاد عديدة، يتم وضع بقع الدم على بطاقات غوثري، وتخزينها لأجل غير مسمى من قبل المستشفيات ونظم الرعاية الصحية. ويعمل العلماء في كوين ماري بجامعة لندن على استكشاف كيفية تغير أنماط الحمض النووى “DNA” بين حديثي الولادة، ومن الخلايا نفسها، ولدى الأطفال في عمر ثلاث سنوات. ويمكن أن تكون الاختلافات في العلامات اللاجينية دلائل على الصحة. وإذا كانت شركات فك متتابعات الجينوم تراهن بالشكل الصحيح، يمكن أن يصبح فك متتابعات الجينوم أمرًا مألوفًا للكثير من المرضى، وربما جزءًا من الفحص الجسدى السنوي. واستخراج علامات الوراثة اللاجينية، وتحديثها على فترات منتظمة، قد يكون ملفًا مهمًّا لمتتابعات الجينوم.

يقول كوزاريدس: “وهذا النوع من التقدم يعتمد على فهم أعمق لآليات وراثية لاجينية وتكنولوجية لم تتطور بعد”. ولأن الأحداث اللاجينية تتغير باستمرار في الخلية، فـ”كل ما تراه في لحظة واحدة سيتغير في اللحظة التالية”.