“الطلاق الصامت”.. متزوجات شرعاً بوضع المطلقات؟

4 أكتوبر، 2020
82

كل شيء في مكانه، البيت مُرتب، الغداء مُعدٌّ وجاهز للتقديم، الأولاد عادوا من مدارسهم وأخذوا حمامهم اليومي، لا يوجد ملابس مُتسخة بسلة الغسيل، ولا يوجد أطباق مُتسخة في حوض المطبخ، ولا يوجد ملابس مُتراكمة تنتظر دورها في المكواة، هكذا تُتَمِّم سعاد على كل شيء، كل شيء مُنجز بعناية فائقة، كل شيء في وضع استقرار إلا روحها، تشعر بعدم استقرار روحها، تشعر بتخبُّطها وعدم ارتياحها الذي يصل إلى حدّ الاختناق.

“عيشي.. ما تعرفيش تعيشي؟!”، بهذا الأمر وذلك السؤال الاستنكاري المُتعجِّب رد عليها أخوها، حينما علم من أمها بشأن المشكلات التي بينها وبين زوجها، تُحاول أن تُجيب أخاها بأنها تشعر بالاختناق بشكل يومي، لا تشعر أنها تحيا في بيتها وأن هذا الرجل هو زوجها الذي ستقضي معه ما بقي من عمرها، لا تشعر أن هذا البيت هو المملكة التي ظلت تحلم بها أياما وليالي طويلة تُقدَّر بسنوات حينما كانت في بيت والدها، وها هي تجد حياتها الزوجية المأمولة قد تحوَّلت إلى واحدة من حالات الطلاق الصامت التي لا يعرف عنها أحد شيئا.

في تعريف الطلاق الصامت تقول غصون بشير، المستشارة القانونية، خلال استضافتها على إحدى الفضائيات، إن هناك اختلافا جذريا بين الطلاق الشرعي الذي يتم وفق إجراءات الانفصال النهائي بين الزوجين، والطلاق العاطفي “الصامت”، وهو استمرار العلاقة الزوجية بين الطرفين مع انعدام مقومات الحياة الزوجية، فالطلاق العاطفي يتم عن طريق انعدام لغة التواصل بين الزوجين، وانعدام الحوار، وفتور المشاعر والعواطف الذي يؤدي إلى إنهاء العلاقة الزوجية في أسرع وقت، وفي حين أن الظاهر أمام المحيطين بهما أنهما يعيشان “تحت سقف واحد”، فإنهما منفصلان عاطفيا ويستمران فقط من أجل تربية الأبناء.

وأوضحت بشير أن أهم أسباب الطلاق الصامت انعدام الاحترام والمسؤولية والمشاركة الثنائية، وغياب الحب المُبطَّن بانعدام الرحمة والقسوة وجفاء المشاعر، مستنكرة اقتصار مفهوم المسؤولية عند البعض على الإنفاق فحسب، رغم أنها تشمل فتح جسور الحوار والحب والتواصل مع الزوجة.

حلم يتحول الى كابوس وحاولة انتحار

تعيش سعاد في إحدى محافظات صعيد مصر، وهي فتاة في منتصف الثلاثينيات من عمرها، حصلت على شهادتها الجامعية من جامعة القاهرة بالعاصمة المصرية حيث عاشت واستقرت نحو أربع سنوات مدة تعليمها الجامعي، ثم عادت إلى بلدتها لأن أهلها لن يسمحوا لها بأكثر من هذا، لن يسمحوا لها أن تبقى وحيدة بالعاصمة لتعمل أو تؤسس مُستقبلها، مُرغمة عادت سعاد لبلدتها، التي لم تستطع الحصول فيها على فرصة عمل تُلائم دراستها للموسيقى، بقيت في المنزل سنة تلو الأخرى وكل ما تنتظره هو فارس الأحلام الذي رُبما يأخذها لتعيش معه في مكان آخر تستطيع الحصول فيه على فرصة عمل بمؤهلها الجامعي.

حينما أتى فارس الأحلام كان رجلا في منتصف الأربعينيات من عمره، يمتلك مجموعة محلات شهيرة في بلدتهم الصغيرة، حينها كانت قد أتمّت لتوّها عامها الخامس والعشرين، عريس لا يمكن رفضه، رغم أنها منذ البدء كانت تشعر أنه لا تلاقي بينهما في أي شيء، فرغم حصوله على مؤهل جامعي، فإنه لا يوجد أي موضوع أو اهتمام يربطهما، كانت أفكارهما وثقافتهما مختلفتين اختلافا جذريا، هكذا شعرت في مرحلة الخطوبة، وحينما أعلنت هذا وجدت نفسها في مواجهة تيار عنيف ينهرها وينتقدها، كيف لها أن تُفكِّر هكذا في هذا الزوج “اللُقطة”، فحاولت أن تُطمئن نفسها بأنها ستبذل قصارى جهدها بعد الزواج ليستطيعا التشارك في الحياة.

الآن مَرَّ ما يزيد على السنوات العشرة بعد زواج سعاد، وأسفر الزواج عن ثلاثة صغار مُتعاقبين، لا يتجاوز عمر أكبرهم تسعة أعوام، بعد مرور أول شهر من الزواج بدأت تشعر أن الأمر غير قابل للإصلاح أو التقارب، لا اتصال نفسي أو فكري يربطها بزوجها.

لا يتحدثون طوال سنوات زواجهما في شيء سوى إعداد الغداء، ومدارس الصغار، والمناسبات التي تخص عائلته أو عائلتها، ولا يتشاركون في شيء سوى وجبة الغداء والنوم مُتجاورين على السرير في نهاية كل يوم، حتى التلفاز لا يُفضِّلون مُشاهدة الأشياء نفسها، مما يجعل كلًّا منهما يشاهده في وقت مستقل عن الآخر، لا يستغرقهما موضوع يتحدثون فيه، ولا يشعران بعاطفة تجاه بعضهما بعضا تُهوِّن عليهم وطأة الحياة، ولا يدفع أحد منهما الآخر إلى إنجاز أي شيء في حياته أو التطور في تفكيره.

لا يحاول الزوج أن يُشركها في أخبار عمله، ولا يحاول أن يكون بينهما أي حديث مشترك يخصهما، وعندما تُحاول هي أن تفعل ذلك لا تجد أي استجابة تُذكر منه، ولا تجد لديه استعدادا من الأساس، ولم يكن هذا أبدا ما تأمله من زواجها، كل هذه الأمور كانت تدور في ذهن سعاد بشكل يومي، لا تستطيع تجاهلها، رغم مُحاولتها التأقلم.

كان رد فعل الأخ الذي أصبح مسؤولا عنها أمام المجتمع والعائلة بعد وفاة أبيها، خاصة بحكم وجودهم في مجتمع صعيدي، وانصياع الأم له، كافيا لجعل سعاد لا تُحاول التحدث مرة أخرى، لتصبح واحدة من آلاف الحالات التي تحيا طلاقا صامتا، هي مُنفصلة عاطفيا بشكل كامل ورُبما كارهة للزوج الذي يُجاورها على السرير، ورُبما يتشاركان العلاقة الحميمية لأنها لا تستطيع أن تُعلن رفضها للأمر.

أكان يُمكن التأقلم مع هذه الحياة كما أخبرها أخوها مُستنكرا؟ لا، لم يكن هذا ممكنا بالنسبة لقوتها النفسية وقدرتها على الاحتمال التي لا يعي عنها أخوها شيئا، والدليل تلك الحبوب التي تناولتها مُحاولة إنهاء حياتها بالموت بدلا من الطلاق، تاركة وراءها كل شيء حتى صغارها، لكنهم أنقذوا جسدها دون أن يستطيعوا أن يردوا لها روحها، وانتهى الأمر بغسيل معدة واستكمال للحياة وتكتُّم العائلة على نبأ محاولة الانتحار.

تقول سعاد: “بعد محاولة الانتحار، وجدت أنه لا يهم أهلي سوى إخفاء الأمر عن الجيران والأقارب، أخبروهم أني أمر بوعكة صحية، وكانت أمي تنظر لي كأنني فقدت عقلي وسأجلب لهم العار، عرفت أن حياتي لا تُهمهم، وأن ما يهمهم أكثر هو الناس وكلامهم، فهمت عن قرب لماذا يرفضون الطلاق”.

وتُضيف قائلة: “قررت أن أتعامل مع نفسي كأنني مُتّ بالفعل، قررت أن أتعامل مع هذا الجسد الذي يحيا كأنه لا يخصني أنا، بل يخصهم هم، عليه الاستمرار في تنظيف البيت ورعاية الصغار وإعداد الطعام، وتلبية احتياجات الزوج الجنسية، وزيارة الأقارب ومودة الأهل، سيفعل هذا الجسد كل هذا، لكن بدون روح، بدون أن يُحاول أن يشعر بأي شعور حتى لا يتألم، أعلم أن هذا يرضيهم تماما، سأفعل هذا”.

متزوجة على وضع مطلقة!

أما علياء فهي امرأة في منتصف الأربعينيات من عمرها، لديها ولدان هما نتاج زواج عمره نحو عشرين عاما، حينما كانت تعيش علياء مع زوجها كانت تُعاني في كل شيء، بدءا من توفير الطعام والشراب ونفقات البيت، وصولا إلى تلبية حاجات الولدين، كان الزوج شديد الحرص في الأمور المالية، رُبما كان يصل إلى حد البخل، لا يهتم ماذا يأكل الصغار أو ماذا يرتدون، لا يهتم بتوفير كسوة الصيف أو الشتاء، ولا يعنيه كثيرا التفكير معها في أمور تعليمهم أو تطوير مهاراتهم، بعد 5 سنوات من الإنجاب، خافت علياء على أطفالها، لا تودّ أن يعيشوا محرومين تحت خط الفقر لأن والدهم بخيل، طلبت أن تنفصل وأن تُربيهم بمُفردها وتتكفَّل هي بنفقاتهم كافة لكن دون طلاق، لم تكن تستطيع الإنفاق عليهم وزوجها يعيش معهم، هو يُعادي بالكامل فكرة الإنفاق، حتى وإن كان من مالها.

وبالفعل قامت علياء بالعمل في مهنة واثنتين بعد الانفصال، كان الصغار يذهبون إلى المدرسة وهي إلى العمل، ثم تعود بهم إلى البيت لتطهو وجبات تقوم ببيعها للأقارب والأصدقاء والمحيطين، كل ما كانت ترغب فيه هو أن توفر حياة جيدة للصغار. مرّت السنين وأصبح عمر أكبرهم الآن ثمانية عشر عاما، لم يحاول والدهم السؤال عن نفقاتهم، قد تمر سنوات دون أن يحاول حتى أن يراهم، سافر للعيش في مُحافظة أخرى، فقد كان يرى أن العيش في القاهرة يحتاج إلى الكثير من النفقات، وأن من أراد التوفير عليه الانتقال إلى مكان آخر، فاتحها في هذا الأمر حينما كانت تعيش معه لكنها رفضت، وبعد الانفصال فعل بمفرده ما كان يرغب فيه بالفعل.

وتقول علياء: “تحملت الكثير من الصعوبات والضغوطات، ورغم عدم علمي شيئا عن زوجي وعدم علم أولادي شيئا عن والدهم، فإنني ما زلت لا أرغب في الطلاق، أنا لن أتزوج مرة ثانية أبدا، ولا أرغب في وجود رجال في حياتي، وفي الوقت نفسه أبو أولادي لا يضرني ولا يظهر في حياتي من الأساس، فلماذا أصبح مُطلَّقة في مجتمع لن يرحمني ولن يرحم صغاري، مُجتمع تُهدِّئه جملة: “متزوجة لكن زوجي مُسافر”، فدعنا نحتفظ بهذه الجملة وتظل هي حائط الأمان بالنسبة لنا!”.

الوسواس القهري ثمن قبول الطلاق الصامت

التقليل من شأن الزوجة وإهانتها هو سبب آخر من أسباب الطلاق الصامت، ورُبما يكون هذا تلخيصا جيدا لحالة كريمة، المرأة التي في منتصف الثلاثينيات من عمرها، لا تتذكر كريمة منذ متى تحديدا كفّت عن التحدث إلى زوجها أو التعامل معه، خمس سنوات أو سبع أو عشر، تُراجع ذاكرتها فلا تستطيع التذكر، رُبما لأنه لا يوجد حدث بارز أو ذكريات عميقة تجعلها تستطيع أن تؤرخ متى كانت تتكلم ومتى كفّت عن الكلام، كل ما تتذكره جيدا أنها حصلت على مؤهلها الجامعي وتزوجت مُباشرة ليصبح الزوج والبيت والأطفال هم كل حياتها، بحسب ما تروي.

تتذكّر أيضا أن زوجها، الذي تزوجته بعد قصة حب عُمرها ثلاث سنوات، على مدار سنوات طويلة من الحياة الزوجية كان دائم التسفيه لها، يرى أنها لا تُجيد شيئا، لا تُجيد التحدُّث، لا تُجيد التفكير، لا تُجيد حتى تربية الصغار، بالإضافة إلى أنه يُخبرها دوما أنها لا تتمتع بأي جمال أو صفات شكلية جيدة تُذكر، ورغم كل هذا الأذى الذي يقع عليها منه فإن زواجهما قد استمر حتى الآن لمدة خمسة عشر عاما، وما زال مُستمرا.

لا ترغب كريمة في الانفصال الفعلي عن زوجها، وإن كانت مُقرَّة أنهما مُنفصلان نفسيا منذ فترة طويلة، لا تريد الزوجة أن تحظى بلقب مُطلَّقة، في مجتمع يُجيد التعامل السيئ مع حاملات هذا اللقب، ويتفنّن في خذلانهن. رتبت كريمة أوراق حياتها جيدا، سيعمل الزوج ويأتي بالمال، وستُنظف هي البيت وتعتني بالصغار، وإن كان زوجها يراها لا تُجيد تربيتهم فهذا يخصه، ستعتني كأفضل ما يكون الاعتناء بنظافة أجسادهم وملابسهم وغرفهم ومذاكرة دروسهم، وبذلت بالفعل كل جهدها وكامل طاقتها الذهنية والنفسية لتحقيق هذا، كانت تتفانى في تنظيف المنزل حد إهلاك نفسها، حتى الأجزاء التي يصعب تصور الوصول إليها، كانت تصل إليها وتُنظفها.

“وسواس قهري يا مدام”، هكذا أخبرها الطبيب النفسي الذي لجأت إليه لمساعدتها بشأن قلقها الدائم حول نظافة البيت والأولاد، هي تعرف جيدا كيف حدث هذا، حدث عندما اقتنعت بكلام زوجها بكونها لا تفهم شيئا ولا تُجيد أي شيء، حينما وضعت كل همها وطاقتها في التنظيف المُبالغ فيه، تنظيف البيت والمطبخ وأجساد الصغار، لم تلتفت والأمر يزداد حِدّة يوما بعد يوم، لم تلتفت إلا بعد أن أصبحت تستيقظ من نومها مفزوعة لأنها حلمت بوجود طبق مُتسخ في حوض المطبخ.

حينها لجأت للمساعدة المتخصصة، وبالكاد أقنعت زوجها بالأمر، فاجأها الطبيب بالتشخيص الطبي الجامد دون معرفة التاريخ الطويل الذي أوصلها إلى هذا، لكنها تُخبر نفسها الآن أن الحال الذي استسلمت له لسنوات طويلة ما كان ليؤدي إلى نتائج مُختلفة عمّا وصلت إليه.

الاكتئاب أهون أحياناً من الطلاق !

“أريد التواصل والمحبة، أريد السكن والمودة والرحمة، أكان هذا كثيرا؟!”، بهذه الكلمات حاولت نهاد .ع، 32 عاما، التعبير عن طموحاتها من زواجها، ما زال زواج نهاد قائما، لكنه يسير على قدمين، القدم الأولى مضادات الاكتئاب التي تتناولها الزوجة الشابة، أما القدم الثانية فهي استسلامها للأمر الواقع وعدم رغبتها أن تعود إلى بيت عائلتها مُطلَّقة بطفلين.

بعد أشهر قليلة من الزواج، الذي أصبح عمره الآن ثمانية أعوام، وجدت نهاد ألّا علاقة تُذكر بينها وبين زوجها، لا يُريد منها شيئا سوى إعداد الطعام والعلاقة الزوجية، لا يهتم بأي شيء آخر، وإذا حاولت أن تُشاركه في شيء طلب منها أن تتركه لحاله ولا تتدخل فيما لا يعنيها، وحينما كانت تُحاول فتح موضوعات للتحدث معه يكتفي بهزّ رأسه أو يُجيبها بنعم أو لا، فقط هكذا حتى تملّ، وتبدأ في موجات من الصمت غير المنتهي، بعد مرور كل موجة من الصمت كانت تُحاول أن تنسج علاقة حياتية مع زوجها مرة أخرى، لكنها كانت تفشل في كل مرة إلى أن تمكَّن اليأس منها، بعدها أصبحت نهاد تترك بيتها بالأسابيع ورُبما الشهور وتُقيم في بيت أهلها طلبا للأُنس والمشاركة التي لا تجدها في بيتها.

ظلّت نهاد تُحاول التأقلم حينا والهرب أحيانا إلى أن خيّم شبح الاكتئاب الثقيل على روحها، هكذا شخّص حالتها الطبيب النفسي، وأعطاها بعض مُضادات الاكتئاب التي تُعينها على الحياة، عندما تتوقف نهاد عن تناول الأدوية تعود فاقدة للرغبة في كل شيء، لا تريد التحدث مع أحد، لا تريد أن تنهض حتى من سريرها صباحا، ولا تستطيع أن تفعل شيئا للصغار الذين ما زال أكبرهم لم يتجاوز ستة أعوام بعد.

وتقول نهاد: “يُخبرني المُحيطون أن الأطفال سيُجبرونني على أن أتغلب على الاكتئاب، هم فقط لا يعرفون أنني عندما أتوقف عن تناول الأدوية لا أستطيع أن أستجيب حتى للصغار، يتوقف كل شيء، أصبح خارج العالم ولا شيء يستطيع أن يُحركني أو يُثيرني، لم أفاتح أحدا في أمر الانفصال الرسمي، أنا لا أرغب من الأساس في أن أصبح مُطلَّقة، رُبما يقودني هذا الوضع للجنون، رُبما الانتحار أيضا، لا أعرف إلى أي شيء تحديدا قد يقودني الاكتئاب إذا توقفت عن تناول العقاقير، لكني غير مُهتمة بهذا على أي حال، كل ما يهمني هو ألا ينتهي الوضع بي مُطلَّقة ألهث وراء توفير احتياجات أطفالي، لأنني أعرف جيدا أن زوجي لن يتكفَّل بهم إذا حدث الانفصال الرسمي”.

وفقا للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري، بحسب ما نقلت جريدة الوطن المصرية، فقد بلغ عدد عقود الزواج 887315 عقدا عام 2018، مقابل 912606 عقد عام 2017 بنسبة انخفاض قدرها 2.8%، بينما بلغ عدد إشهادات الطلاق 211554 إشهادا عام 2018، مقابل 198269 إشهادا عام 2017 بنسبة زيادة قدرها 6.7%. (2)

وبين الرقمين الرسميين حول أعداد الزواج والطلاق تقع آلاف ورُبما عشرات الآلاف من حالات الطلاق الصامت التي لا يعرف عنها أحد شيئا. تقول علياء جمال (اسم مستعار)، طبيبة الأمراض النفسية والعصبية والباحثة النفسية: “أغلب حالات السيدات اللاتي يترددن عليّ في العيادة يُعانين من الطلاق الصامت، رُبما عدد المطلقات الرسميات لديّ أقل منهن بكثير، في وضع الطلاق الصامت تكون المرأة في حال لا تُحسد عليه، خاصة إذا كانت تعيش مع زوجها تحت سقف منزل واحد، أحيانا نحاول أن نوجِّه المرأة لبذل المزيد من الجهد لإيجاد أي اهتمام مشترك يُمكِّنها من التعامل والتلاقي مع زوجها، لكن غالبا ما تلجأ النساء إلى المشورة النفسية بعد أن تكون قد استنفدت كل سُبلها بالفعل”.

تُضيف علياء: “في هذا الحال لا يوجد سوى حل من اثنين، إما التأقلم وقبول أن يُصبح الزوج جار سكن وليس شريك حياة، وهذا من الممكن أن تقبله السيدات اللاتي يترددن علينا خاصة في حال وجود أطفال، لكن ما يعوق هذا الحل في أحيان كثيرة هو أن يكون الزوج مؤذيا في الحياة معه، سواء أكان بخيلا أو عنيفا للحد الذي يجعله يضرب زوجته، أو أن تكون الزوجة ترغب ببساطة في أن تصبح زوجة وشريكة حياة فعلية وليست زوجة مع إيقاف التنفيذ وهذا حقها.

الحل الثاني هو الطلاق الرسمي، ورغم أن هذا الحل قد لا تقبله المرأة لأنها لا تريد أن تخرج من مشكلات الزوج لتجد نفسها أمام مشكلات عائلتها وأزمة تقبُّل المجتمع لها والصورة التي يضعها فيها، لكننا أحيانا نقويها على مواجهة هذا خاصة عندما يُعرِّضها وضع الطلاق الصامت الذي تحياه لمشكلات نفسية واضطرابات عقلية قد تدفعها للانتحار، فقد رأينا بالفعل الكثير من حالات الاكتئاب والوسواس القهري التي يقود إليها الطلاق الصامت بثبات”.

وردا على سؤال لماذا النساء يُعانين أكثر من الرجال بسبب الطلاق الصامت، تقول علياء: “على مواقع التواصل الاجتماعي يوجد الكثير من النكات حول الرجال المتزوجين الذين يشتكون من زوجاتهم لفتيات يحاولون الارتباط بهن. يُمكنك أن تجد الكثير من الدعابات حول الرجال الذين يُرددون: نعم، مُتزوج لكن لست مرتاحا وأفكر في الانفصال، وأثناء التفكير في الانفصال هذا يرتبط بفتاة واثنتين وثلاث، دون أن يُنفِّذ الانفصال فعلا، قد لا يكون شخصا سيئا بالمناسبة، لكنه يُعاني من حالة الانفصال العاطفي والطلاق الصامت ذاتها التي تُعاني منها النساء، لكن المرأة في مجتمعنا الذي وضع الكثير من القيود الأخلاقية والقيمية عليها قليلا ما تستطيع أن تميل عاطفيا لشخص غير زوجها، لن أقول نادرا أو معدوما لأن هذا يحدث على أي حال، لكنها نسبة قليلة بالفعل، المرأة التي تفعل هذا تنظر لنفسها على أنها خائنة ولا تستطيع قبول تلك النظرة تجاه نفسها، وهو ما يجعل الكبت لديهن أعلى ويُشكِّل خطورة حقيقية على صحتهن النفسية والعقلية، بالإضافة إلى كون المجتمع لا يتعامل مع الرجل المُطلَّق بالحِدّة نفسها التي يتعامل بها مع المرأة المطلقة، مما يجعل لدى الرجال سعة نفسية أكبر لتقبُّل إنهاء العلاقة إذا تأزمت حياتهم للغاية، وهو ما لا تستطيع نساء كثيرات فعله بسهولة”.

المصدر/ ميدان – الجزيرة نت

التصنيفات : تحقيقات
الكلمات المفتاحيه :