التنوع الديني والمذهبي.. بنية ثقافية لرفع مستويات التنمية الإنسانية

5 أكتوبر، 2020
256

العراق – نور نافع علي

كيف سيبدو شكل الحياة لو كانت الأشياء كلها بلون واحد، ورائحة واحدة، وملمس واحد، ومذاق واحد؟، وكيف سيبدو العالم لو كنا نحن البشر متماثلين في الاسم والشكل والصوت؟، كيف سيتحقق التكامل بين البشر لو كنا جميعا نعمل في مهنة واحدة ونتكدس في بلد واحد؟.

 هذه التساؤلات كلها تقودنا إلى حقيقة مفادها أن الاختلاف بين الأشياء والأشخاص قلبًا وقالبًا ضرورة من ضرورات تقدم البشرية، وعامل أساسي من عوامل قدرة الإنسان على تحمل الحياة، ومن هذا المنطلق يصير اختلاف البشر في توجهاتهم الدينية والطائفية والمذهبية أمرًا ضروريًا لحماية التوازن الإنساني مثل اختلاف جنسياتهم وتخصصاتهم العلمية ومهنهم ورغباتهم وطموحاتهم التي تميز شخصياتهم وتجعل منها عناصر قادرة على إكمال ما تحتاجه الشخصيات المختلفة عنها.

تتعايش بالعراق اليوم خمسة أديان، اثنان منها تعددت مذاهبهما وهما المسيحية والإسلام، وثلاثة أخرى هي: الصابئية المندائية والأيزيدية، لا يُلمس فيها في الوقت الراهن مذاهب وفرق. أما الكاكائية أو أهل الحق فلها أن تكون ديناً أيضاً، وبهذا في ظل الحرية العقائدية، التي لا تمس بالآخرين ستكون أديان العراق سبعة أديان.

وإذا كان الإسلام والمسيحية تتجاوز حدودهما إلى حدود غيرهما عبر التبشير ولا تربط الانتساب إليها بقومية أو بأصل وانحدار فأن الأديان الثلاثة الباقية اكتفت بحدودها وراعت الأصل في الانتساب إليها، فمن المتعارف عليه أن المندائي والأيزيدي يتحول إلى الإسلام والمسيحية برمشة عين بفعل التبشير أو الضغوط، لكن من العسير، إن لم يكن من المستحيل، أن يجد المسلم أو المسيحي مكاناً له في الأديان الثلاثة الأخرى، لأنها تعتمد شروطاً في الانتساب ومنها العلاقة بالأم ونقاوة الدم وغير ذلك.

دين الإنسان وطائفته من أهم عناصر تشكيل بنيته الثقافية، وهذا يجعل من الاختلاط بين أبناء الديانات والطوائف المختلفة كنزا انسانيًا عظيمًا ورافدًا لصنع الحضارات شرط أن يلتقي البشر من مختلف الأديان والطوائف على أرضية من الوعي الذي يقف سدًا منيعا في وجه التعصب العنصري الهدام، فالتعمق في اكتشاف الأبعاد الفلسفية لكل دين ومذهب توسع من مدارك الإنسان وترفع من مستوى وعيه الخاص، ليغوص في عالم التعرف إلى معاني الطقوس والأحكام والأهداف المنشودة منها، ويسبر أغوار أسرار الأبعاد التاريخية لولادة دين بعينه في مكان وزمان وظروف بعينها، ويرى كيف أن هذا العالم مليء بما لم يكن يعلم، فيعيش لذة الولادة المعنوية من جديد في كل مرة يعرف فيها جديدًا.

إن التعددية الدينية والطائفية ثروة قادرة على رفع مستويات التنمية الإنسانية في مختلف المجالات إذا تم استغلال الجوانب الإيجابية في كل منها وفق استراتيجيات ذكية تقوم على أساس من النوايا الطيبة الصادقة، لكنها تتحول إلى قنابل موقوتة إذا تم شحنها بمشاعر العداوة والكراهية ضد الآخر لتدمر حاملها قبل أن تدمر من يرى فيهم اعداء له، ولا يختار الخراب على البناء والسلام والرفاهية شخص عاقل.