التأثيرات المستقبلية المحتملة لفايروس كورونا المستجد ( Covid 19) على الفرد والمجتمع العراقي

7 أكتوبر، 2020
59

نظرة سريعة على ما يمكن أن يحدثه مرض فايروس كورونا المستجد ( covid 19) على الفرد والمجتمع العراقي من النواحي الاجتماعية و السياسية والصحية والدينية والثقافية والعلمية والاقتصادية

بقلم / مدير عام دائرة صحة بغداد الكرخ الدكتور : جاسب لطيف علي الحجامي

من الثابت والواضح ان الحروب والأوبئة هما العاملان الأكثر تأثيراً في تكوين المجتمعات وصنع التاريخ بل ان الأوبئة تتسبب في اندلاع الحروب والتحكم في سيرها ونتائجها ونهاياتها وما إلى ذلك من تأثيرات جيو سياسية وديموغرافية واجتماعية واقتصادية وثقافية و دينية في المجتمعات.

* اول وباء يذكره التاريخ كان أثناء الحرب البيلوبونيسية ( Peloponnesian war) عام 430 ق.م حيث ضرب (أثينيا) وهي تحت حصار( اسبرطة) ولعب دوراً في هزيمة أثينيا على يد (اسبرطة )وأدى إلى زيادة الفجور بين السكان .

* في طاعون جستنيان ( Justinian Plague) في القرن السادس الميلادي ( 541 م) الذي انتشر من مصر الى القسطنطينية ثم الى الشرق والغرب قتل بين 25-100 مليون شخص عندما كانت الإمبراطورية البيزنطية في ذروتها حيث كانت تسيطر على ايطاليا وروما وشمال إفريقيا وأدى الطاعون الى ضعف الجيش البيزنطي وفشل في توفير الإمدادات العسكرية الى ساحات القتال وفقدت الكثير من المناطق في أوربا وأدت بشكل أو آخر الى انتشار المسيحية في جميع أنحاء البحر الأبيض المتوسط وزيادة التدين في المجتمع .

* عندما ظهر الطاعون البابوني او الموت الأسود عام 1347 مBlack death or bubonic plague ادى الى نتائج كثيرة على مختلف الأصعدة , حيث ظهرت أولى ملامح العزل او الحجر الصحي في مدينة البندقية الايطالية وأصبحت الفحوصات الطبية الروتينية مألوفة وتم بناء المستشفيات في جميع أنحاء أوربا لعلاج المرضى وأدى أيضا الى القضاء على النظام الإقطاعي بسبب شحة الأيدي العاملة وأعطى للفلاحين النفوذ في التفاوض على شروط عمل جديدة وازداد الطلب على الأيدي العاملة وتضاعفت الأجور ثلاث مرات وأدى فعلياً الى انتهاء نظام العبيد وتمهيد الطريق للرأسمالية الحديثة .

عام 1802 م ادى ظهور الحمى الصفراء (Yellow fever )في مستعمرة سانت دومينكو( saint Domingue )الفرنسية ( هاييتي حالياً ) الى سلسلة من الإحداث أدت الى التوسع الكبير للولايات المتحدة الأمريكية حيث تسبب الوباء الناجم عن فايروس ينقله البعوض ( الحمى الصفراء yellow fever )الى موت اكثر من 150 الف جندي فرنسي كانوا يحاولون السيطرة على ( هاييتي ) مما اجبر فرنسا على الانسحاب واضر بفرنسا لدرجة ان نابليون باع 828000 ميل مربع في أمريكيا الشمالية المتحدة من نيو اورلينز الى كندا للرئيس الأمريكي ( توماس جيفرسون ) مقابل 15 مليون دولار فقط وكذلك ادى التايفوس والزحار dysentery and typhns الى انسحابهم من موسكو.

* أدت الكوليرا التي ظهرت في باريس عام 1832 وقتلت حوالي 19000 من سكان باريس الى انتشار نظرية المؤامرة حيث انتشرت شائعات ان الحكومة غير الشعبية بقيادة ( لويس فيليب) كانت تسمم الآبار بالزرنيخ وكانت الشرطة والجيش بالكاد قادرين على احتواء العنف الذي أعقب ذلك مما تسبب في التدمير العنيف لثورة 1848م والتدمير الدموي لبلدية باريس والحكومة الثورية التي حكمت المدينة لفترة وجيزة امتدت 23 عام فقط .

* انتج وباء الطاعون الذي ضرب كيب تاون(Cape Town ) في جنوب افريقيا حجراً صحيًا شديداً اصبح مقدمة و مخططاً لمدن و مجتمعات منفصلة ادت الى زيادة و تعميق الفصل العنصري في جنوب افريقيا.

* أما الأنفلونزا الاسبانية التي ظهرت عام 1918 م فأنها غيرت مسار الحرب العالمية الأولى وتسببت بانتهائها بالطريقة والنتائج التي انتهت بها وادى الكساد الاقتصادي بعدها الى تنامي الشعور القومي والاستبداد وشعور الإذلال عند الشعب الألماني وصعود هتلر مما ادى الى حرب عالمية ثانية.

* من الممكن ان يحدث وباء فايروس كورونا المستجد covid 19 الى مجموعة من التغيرات والتأثيرات في الفرد والمجتمع العراقي وكل ذلك يعتمد على مدة بقاء الوباء وشدته , فكلما كان مكوث الوباء أطول وشدته أكثر كانت النتائج واضحة ومهمة , هذه التأثيرات قد تكون ايجابية وقد تكون سلبية , وقد تكون ايجابية من وجهة نظر البعض وسلبية من وجهة نظر البعض الاخر .

عاجلاً ام آجلا سوف ينتهي الوباء لكنه سوف يترك تأثيرات مهمة لا يمكن تجاهلها , سيؤدي الى فقدان الكثيرين خصوصاً من كبار السن ومتوسطي الأعمار مما سيؤدي الى زيادة نسبة الأيتام و الارامل ( على اعتبار ان المرض يصيب الذكور اكثر من الاناث)وممن هم بدون معيل مما يتوجب على الحكومة اخذ ذلك بنظر الاعتبار والاستعداد له , وسيؤدي الى تغيرات في النظام والواقع الصحي والاقتصادي ويترك تأثيرات سياسية وثقافية ودينية واجتماعية كثيرة سوف ينعكس بشكل ايجابي على النظام الصحي العراقي ويؤدي الى تحسينات عليه وزيادة عدد المؤسسات الصحية والأجهزة الطبية الحديثة وزيادة المختبرات الحديثة ومعامل الأوكسجين الطبي وما شابه ذلك , ولكن يجب ان لا نغفل النقص الذي يحصل بالأيدي العاملة الطبية والصحية المختلفة وكذلك يجب ان ننتبه الى احتمال حصول عدم المساواة في الرعاية الصحية التي يحتاجها المصابون من الفحص والعلاج والتأهيل في حالة ظهور مختبرات حكومية تعمل بنظام الأجنحة الخاصة وكذلك ظهور أجنحة خاصة لرقود المصابين المتمكنين مادياً مما يؤدي الى عدم الاهتمام بالمرضى في الطبقات الفقيرة وكما يحصل الان في بعض العمليات الجراحية وعمليات الولادة القيصرية حيث يجبر المريض بطريق او آخر على الدخول للأجنحة الخاصة.

وكذلك سوف يؤدي الى زيادة الوعي الصحي وزيادة الوعي في طرق الوقاية من الإمراض والاهتمام بالصحة والسلامة الشخصية وكذلك زيادة الوعي في الالتزام بطوابير الانتظار امام المحلات التجارية والتنظيم والتباعد فيما بين الأشخاص .

وكذلك سوف يؤدي الى زيادة استعمال التكنولوجيا الحديثة في العمل والدراسة عن بعد والعمل في البيوت وعقد الاجتماعات عن بعد باستعمال التكنولوجيا الحديثة في كل الأوقات فمن الممكن عقد الاجتماعات او التدريس ايام العطل والجمع وفي المساء أيضا , وكذلك سيؤدي الى زيادة الطلب على خدمات التوصيل للبيوت وازدهارها أكثر .

ولكن في نفس الوقت سوف يؤدي الى ترسيخ العزلة لفئات كثيرة من المجتمع وعدد كبير من الأفراد وقد نجد مثلاً التزاور في الأعياد وتقديم التهاني فيها سوف ينحسر شيئاً فشيئاً حتى يكون الجيل القادم لا يعرف معنى الأعياد والطقوس والأعراف والتقاليد التي نشأنا نحن عليها ويقل الإقبال على دور العبادة والمناسبات الدينية شيئاً فشيئاً ( ونؤكد أن ذلك يعتمد على شدة الوباء وطول فترة مكوثه ) , وهو سلاح ذو حدين فقد يؤدي الى زيادة نسبة التدين واللجوء الى الله او يحصل العكس .

و كما ادت العمليات الارهابية التي استهدفت في السابق مجالس العزاء الى تقليص وقت العزاء الى يوم واحد او يوم و نصف فقط فإنها اليوم أُلغيت تماما في الغالب و اقتصرت على اقامتها بشكل مختصر جداً في البيوت و قد يؤدي فايروس كورونا الى الغاءها تماماً و تبقى كما هي الان حتى بعد انقضاء الجائحة و كذلك سوف تقتصر المناسبات السعيدة مثل الاعراس على حفلات بسيطة و مختصرة.

* مستوى التعليم الاولي و العالي سوف يتأثران بشكل كبير سلباً او ايجاباً و سوف ينخفض مستوى التعليم و جودته خصوصًا تلك الاختصاصات التي تعتمد التدريب العملي بشكل اساسي مما يؤدي الى تخريج اجيال قليلة المهارة.

* اذا استمر الوباء لوقت طويل فإن ذلك سيؤدي حتماً الى ركود اقتصادي و سيفقد الكثيرون فرص عملهم و يؤدي ذلك الى ضغط كبير على الحكومة و بالتالي اضطرابات في عموم البلاد من الصعب التكهن في نتائجها.

الى هنا اتوقف عن البحث في التغييرات و التأثيرات المحتملة و اترك للقارئ التكهن بالباقي.