العراق … ما بعد داعش

7 أكتوبر، 2020
542

بهاء النجار

الحلقة الثانية / الجانب السياسي

* مقالة كُتِبَت قبل أربع سنوات

بعد ما توصلنا إليه في الحلقة الأولى من مستقبل أمني للعراق بعد طرد داعش الى مكان أو ظرف لم يُحدد لحد الآن ، ما هو المستقبل السياسي للعراق بعد الطرد العسكري لداعش ؟

يعيش العراق أزمة سياسية خانقة بُنيت على انعدام الثقة بين السياسيين الذين لم يرضوا بهذا المستوى المتدني من الثقة فيما بينهم فنقلوها الى صفوف جماهيرهم ، وخلقوا أعداء وهميين حتى يلتجأ الناس إليهم ، فالسني يلتجأ الى السياسي السني والشيعي الى السياسي الشيعي والكردي الى السياسي الكردي ، وهذا لا يعني أننا ننكر وجود مشاكل على أرض الواقع بين الطوائف والقوميات ولكن هذا لم يكن لولا ما قام به السياسيون من سياسة رعناء حوّلت العراق الى جحيم طائفي .

وحتى يخلصنا الأمريكان من هذا الجحيم فكروا منذ سنوات عديدة بحل لهذه المشاكل كونهم (الراعي الأساسي لديمقراطية العراق ) ، فقام السيد (بايدن) نائب الرئيس الأمريكي الحالي (أوباما) بطرح مشروع التقسيم الناعم الذي يدعو الى تقسيم العراق الى أقاليم وفق العرق أو وفق الطائفة ، إقليم كردستان وإقليم للعرب السنة (سنستان) يشمل محافظات الأنبار وصلاح الدين ونينوى وديالى ، وإقليم للعرب الشيعة (شيعستان) تضم محافظات الوسط والجنوب ، وتبقى بغداد عاصمة فيدرالية وكركوك لحين التوصل الى اتفاق مرضٍ لجميع الأطراف .

وهذا المشروع عندما طُرِح – قبل حوالي ثمان سنوات – كان الوضع الأمني هو الأسوأ منذ سقوط نظام صدام  والوضع السياسي متوتر والوضع الاجتماعي متأزّم ومتكهرب وكان الحرب الطائفية في أعلى قممها وإذا أحسنّا الظن وقلنا أن الإدارة الأمريكية – ومن يقف وراءها من صنّاع القرار الإستراتيجي الأمريكي من تجار السلاح والطاقة – لم تكن هي من خطط لذلك الوضع فإنها درسته ورأت أن أفضل حل له هو تقسيم العراق الى أقاليم ثلاث ، والذي انبرى لهذا الحل هو السيد بايدن نائب الرئيس الأمريكي الحالي الذي لم يكن في حينها مسؤولاً حكومياً وإنما كان نائباً في الكونغرس .

ويبدو أن هذا الحل راق لأصحاب القرار الأمريكي بحيث أقدموا على دعم هذا الرجل حتى يكون في قيادة السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة حتى تُتاح الفرصة له كي ينقل حله من مستوى النظرية الى مستوى التطبيق ، خاصة بعد أن انزاح التوتر الطائفي بحكمة قادة العراقيين وبالخصوص المرجعيات الدينية وبعض السياسيين الشرفاء ، ومن يتابع الأحداث في العراق يجد حجم اهتمام السيد بايدن بالشأن العراقي بحيث يتصل في كل أزمة بالساسة العراقيين كي يوصلهم الى حل يرضي الجميع ولكن هذه الاتصالات لم توصل العراق إلا الى ما أراده وخطط له قبل ثماني سنوات من الآن .

وقد كتبت مقالة بعنوان (العراق وفوز الديمقراطي أوباما) عند فوز أوباما بالانتخابات الأمريكية في الدورة الأولى عام 2008 وحذّرت فيها من خطورة مجيء هذا الفريق الديمقراطي الى الإدارة الأمريكية على العراق ووحدته ، وذلك كون وجود بايدن صاحب فكرة تقسيم العراق في قيادة تلك الإدارة ، وقد انخدع العراقيون حالهم حال باقي الشعوب وخصوصاً الإسلامية بأن فوز أوباما بالرئاسة الأمريكية هو انفراجة من تعنت جمهوري صليبي قاده جورج بوش الابن مستكملاً لنهج أبيه الذي فصله عنه ثمان سنين من حكم الديمقراطيين بقيادة كلنتون .

الآن بعد تفاقم الثقافة الطائفية في العراق بحيث وصلت الى أبناء الشعب العراقي ودخول داعش في تفاصيل الأزمة الطائفية الذي زاد منها ونزوح الملايين من العراقيين أغلبهم من طائفة معينة جاء التحالف الدولي لطرد داعش ليحكم سيطرته كي يكون المجال مفتوحاً لتطبيق خطة بايدن للتقسيم ، وكان احتلال داعش للموصل بعد التعشعش في الأنبار خطوة كبيرة في تأزيم الثقافة الطائفية عند العراقيين على الرغم من أن الجميع يؤكد أن داعش ليس لها دين وليس لها طائفة ، إلا أن داعش أعطت مبرراً للطائفيين من الجهتين لزيادة تلك الثقافة في نفوس العراقيين ، فالطائفيون من الشيعة استغلوا وجود داعش لضرب السنة وإضعافهم ، والطائفيون من السنة استغلوا وجود داعش كي يؤججوا الأهالي السنة ضد الحكومة التي يقودها شيعة وبالتالي يخفونهم من الشيعة ، وقيام بعض شيوخ العشائر السنية باستغلال وجود داعش وبدعم إعلامي عربي بأن يروجوا لوجود ثورة عشائرية سنية ضد (ظلم الشيعة) .

وكان من ضمن الخطوات لتحقيق هذه الخطة التقسيمية لـ(بايدن) هو تشكيل حكومة توصَف رئاستها بالضعيفة كون وزرائها هم زعماء الكتل أنفسهم وبالتالي قد يُنظر لها على أنها حكومة قوية بأعضائها ولكن هذا على حساب ضعف رئاستها ، وضعف رئاستها يجعل قرار الحكومة إما بطيئاً لا يتناسب مع المرحلة أو يكون متسرعاً متهوراً غير مدروس يزيد من مستوى الأزمات كماً ونوعاً ، وحكومة بهذا الشكل تجعل كل طرف يلقي الكرة في ملعب الآخر فرئيس الوزراء يحمّل المسؤولية لرؤساء الكتل الأعضاء في الحكومة لأنهم مشاركون في القرار الحكومي وأن الحكومة تشكلت على أساس مشاركتهم فيها ، ورؤساء الكتل يعتبرون المسؤول الأول هو رئيس الوزراء لأنه هو القائد العام للقوات المسلحة والمسؤول التنفيذي الأعلى في البلاد ، وبين هذا الرأي وذاك الرأي يضيع مستقبل العراق .

ومن الخطوات التفصيلية لمشورع التقسيم التي جاءت نتيجة طبيعية لتشكيل حكومة بالمواصفات السابقة هو تشكيل الحرس الوطني في المحافظات بصلاحيات واسعة ومستقلة بشكل كبير عن القيادة العامة للقوات المسلحة ، وهذه الخطوة دعمتها شخصيات سياسية لا يمكن ائتمانها على وحدة العراق لأنها مجربة في مواقف سابقة وقد فشلوا في تلك المواقف وأبرزهم محافظ نينوى أثيل النجيفي ، وبصراحة لا أعرف مبررات قبول باقي الأطراف السياسية لهذا المشروع أو حتى طرحه بالشكل الذي يُتداول في وسائل الإعلام ، فهل لباقي الأطراف نية مماثلة لنية الداعمين لتشكيل الحرس الوطني ؟ فإن كان الجواب (نعم) فتلك مصيبة ، ونأمل إن يكون الجواب (لا) وأن يسعوا لتقنين هذا المشروع بما يخدم وحدة العراق أرضاً وشعباً ، فما زالت الثقة بقدرتهم على ذلك موجودة رغم أنها ضعيفة .

التصنيفات : اقلام حرة
الكلمات المفتاحيه :