شرق المتوسط..هل تتحول المنافسة الاقتصادية إلى مواجهات عسكرية ؟

10 أكتوبر، 2020
65

بقلم اللواء الركن الدكتور عماد علو

وقع يوم 22/9/2020  ممثلو 6 دول تطل على البحر الأبيض المتوسط ، في العاصمة المصرية على ميثاق تحويل منتدى غاز شرق المتوسط إلى منظمة إقليمية. ومن الجدير بالذكر أن منتدى غاز شرق المتوسط ، يضم كلا من مصر والأردن وإسرائيل واليونان وقبرص وإيطاليا.

ويأتي توقيع الدول الست المنخرطة في ميثاق غاز شرق المتوسط  في وقت أثار قيام تركيا بعمليات تنقيب عن النفط والغاز قبالة سواحل اليونان و قبرص “القلق العميق” لعدة أطراف تضم مصر وأميركا والاتحاد الأوروبي، إذ اعتبرت الولايات المتحدة أنها عمليات “استفزازية تثير التوترات في المنطقة”، وفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على أنقرة بتعليق أي اجتماعات رفيعة المستوى بين الجانبين.

اسرائيل وغاز شرق المتوسط

وكانت إسرائيل أول من عثر على مخزون للغاز في أعماق البحر شرق المتوسط في العام 2009. الامر الذي غير بشكل كبير التوازن النفطي في منطقة الشرق الاوسط ، نظرا للأوضاع المضطربة والتغيرات السياسية المتسارعة التي تشهدها دول المنطقة ، فضلا” عن موقعها الجيوستراتيجي الذي يؤهلها لتصدير الغاز والنفط الى الاسواق الاوربية بأسعار تنافسية للدول النفطية لاسيما الدول الخليجية .

وقد تحولت إسرائيل بعد ذلك، من بلد مستورد للغاز الطبيعي إلى بلد مصدر له، فبعد اعتمادها لسنوات طويلة على الغاز المصري الذي حصلت عليه بأسعار زهيدة، تبادر تل أبيب اليوم إلى تصدير الغاز إلى دول الجوار كالأردن ومصر وسط غضب شعبي واضح..

وتعتبر إسرائيل المُحرك الرئيسي للتوصل الى اتفاقية “منتدى غاز البحر المتوسط” الذي وقع في القاهرة يوم 22/9/2020، وأبرمت خلاله إتفاقيات مختلفة طويلة المدى مع دول حوض المتوسط، لتبين أنها الدولة الأكثر أمناً في قدرتها على توريد الغاز. وكذلك فعلت مصر بعد دخولها الى حلبة التنافس  على الغاز الطبيعي شرق المتوسط بعد اكتشاف حقل غاز “ظهر” المصري عام 2015  .

الدور الامريكي

الولايات المتحدة الأمريكية كان لها دوراً في استكشاف حقول غاز شرق المتوسط ، عبر شركة ” Noble Energy ” ومقرها تكساس أول من أعلن عام 2011 عندما اعلنت اكتشاف الغاز قبالة جزيرة قبرص في حقل ” Aphrodite ” الذي يقدر احتواؤه على 4.5 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي. كما اعلنت شركة ” ExxonMobil ”  الامريكية وشركة و” Qatar Petroleum ” عن اكتشافها احتياطيا ضخما من الغاز الطبيعي قبالة ساحل قبرص، قدر أنه يحتوي على ما بين خمسة وثمانية تريليونات قدم مكعب.

ان دخول الولايات المتحدة إلى ساحة الصراع على النفط والغاز في شرق المتوسط يستجيب أيضا لاعتبارات قانونية وسياسية واستراتيجية، بعد أن أقر الكونغرس الأمريكي في صيف العام 2019 قانون “الشراكة في الأمن والطاقة لمنطقة شرق البحر المتوسط” بهدف دعم التعاون الثلاثي بين كل من إسرائيل واليونان وقبرص.  هذا القانون يوفر غطاء تشريعيا لحماية المصالح الأمريكية الاقتصادية والاستراتيجية في شرق البحر المتوسط، ويفتح الباب أمام الولايات المتحدة للعب دور أكبر في الصراع على الغاز، وهو ما يتناقض مع سياسة تخفيف وجودها العسكري في المنطقة..

​​العرب وغاز شرق المتوسط

وقع لبنان في العام 2018 اتفاقه الأول للتنقيب عن الغاز مع ائتلاف ” Consortium ” إيطالي وفرنسي وروسي. ويقدر احتياطي الغاز الطبيعي ما بين 102 و170 مليار متر مكعب في منطقة تعتبرها قبرص “منطقتها الاقتصادية الحصرية”، مما يقحمها في صراع مع تركيا التي تسيطر على الجزء الشمالي من جزيرة قبرص .

في خضم كل ذلك تتزايد أهمية الجغرافيا السورية في معادلة الطاقة، في شرق المتوسط لاحتواء اراضيها وسواحلها على  مخزون غاز كبير، وتحاول الولايات المتحدة و اسرائيل استغلال الأوضاع في سوريا من أجل السيطرة على الغاز الطبيعي في الحقول السورية  وبحسب احصائية علمية لموقع شركة PRITISH PETROLEUM فان احتياط الغاز في سوريا يبلغ 0.3 ترليون متر مكعب .

ولذلك سعت اسرائيل دائما” لكسب ود روسيا الاتحادية المورد الاكبر للغاز الطبيعي لأوروبا والتي تسيطر على مسارات الاوضاع السياسية والعسكرية في مساحات واسعة من الجغرافيا السورية كما تتمركز اساطيلها العسكرية في قاعدة طرسوس البحرية شرق المتوسط وذلك عندما منحت اسرائيل لروسيا حقوقا حصرية لتطوير وتسييل الغاز الطبيعي، مقابل ذلك، اعلنت روسيا انها على اتم الاستعداد للاستثمار في منشأة غاز مسيل عائمة في مياه المتوسط بكلفة تصل الى نحو 5 مليارات دولار، عبر شركتها العملاقة ” Gazprom” وتحرص روسيا من خلال تعاونها مع اسرائيل في مجال استخراج وتصدير الغاز من شرق المتوسط ، على ديمومة مكانتها في البعد الجيوسياسي. كما ان مصلحتها تتطلب الحد من تأثير ونفوذ تركيا في منطقة المشرق العربي.

تركيا دبلوماسية البوارج الحربية

في خضم هذه التطورات والصراعات في إطار التنقيب عن الغاز شرق المتوسط ، سارعت تركيا لتحتل مكانا” في البعد الجيوسياسي في اطار الاستحواذ على مكامن الغاز الطبيعي في شرق المتوسط ، لاسيما وان سواحلها الجنوبية تطل على مساحات شاسعة من المكامن المحتملة لغاز شرق المتوسط ، لذلك اعطت الحكومة التركية الضوء الاخضر لشركة ” Turkish Petroleum ” في 2009 و2012 للتنقيب في المياه قرب الشطر المسيطر عليه من تركيا.

ودعمت مساعيها تلك باستخدام ما سمي بـ “دبلوماسية البوارج الحربية”، حيث تؤكد أنقرة أن تحركاتها في التنقيب والبحث عن النفط والغاز تتم ضمن القانون الدولي، وأن التنقيب يجري داخل “جرفها القاري”.

وفي 20 يونيو2020 أرسلت تركيا سفينة التنقيب “يافوز Yavuz ” ، بعد أن كانت قد أرسلت السفينة “فاتح Fatih  ” للتنقيب في مياه  منطقة “اوفشور” التي أرسلت إليها السفينتان هي قسم مما تعترف به المجموعة الدولية على أنه “المنطقة الاقتصادية الحصرية” لجمهورية قبرص، والتي وقعت عقود استثمار مع مجموعات نفط عملاقة مثل “إيني” الإيطالية و”توتال” الفرنسية و “إكسون-موبيل” الأميركية للتنقيب عن النفط والغاز.

لذلك تسعى دول الاتحاد الاوربي وفرنسا والولايات المتحدة الامريكية للضغط على تركيا من اجل منعها من الاستحواذ على مخزون الغاز والنفط في شرق المتوسط ، الذي انخرطت فيه مصر ايضا” في مواجهة مع تركيا في ملف التنقيب عن الغاز، خاصة وأنها تملك أكبر احتياطي للغاز في المنطقة فضلا عن توقيعها اتفاق تطوير ضخم مع قبرص.

ايران تبحث عن منفذ

ان التوقيع على ميثاق غاز شرق المتوسط  وانشاء تكتل اقتصادي من ست دول تحت تسمية منتدى غاز شرق قد يحول الصراع على ثروة النفط والغاز في شرق البحر المتوسط من مجرد منافسة اقتصادية إلى تهديدات باستخدام القوة واستفزازت عسكرية، في وقت تسعى دول الاتحاد الاوربي الى مغازلة ايران  التي تملك ثاني أكبر احتياطي من الغاز في العالم بعد روسيا ورابع أكبر احتياطي نفطي ولها نفوذ كبير وواسع على العراق  الذي يتمتع بموقع جيوسياسي قد يسمح لإيران من الوصول اللا سواحل شرق المتوسط  لتحتل مكانتها في البعد الجيوسياسي لمصدري الغاز الى اوربا ،لاسيما بعد أن وافقت الحكومة الايرانية على مشاركة 29 مؤسسة دولية نفطية في مشاريع لإنتاج الطاقة في ايران تتعلق بتصدير الغاز والنفط الى اوربا .

وفي خضم التنافس الايراني القطري على تصدير الغاز الى اوربا يبقى العراق الجغرافية الاكثر يسرا” لتصدير الغاز الايراني والقطري من حقول الخليج العربي الامر الذي سيجعل من العراق ساحة للتنافس بل للصراع بين مصدري غاز نفط شرق المتوسط ومصدري غاز ونفط الخليج العربي .