الكُرد الفَيليون.. ماضيهم شقاء وحاضرهم مجهول

14 أكتوبر، 2020
527

فاطمة جودت

من الجدير بالذكر ان الصراع بشتى اشكاله على مدى التاريخ اراق الكثير من دماء الابرياء, ولطالما كان الانسان بفطرته يقاتل من يخالفه في دينه او ثقافته أو سلالته ويتناحر من اجل اعلان سيطرته الكاملة على جميع قوى النفوذ والسلطة والمكانة, فقد باتت الايديولوجيات رفيقة لكل هذه الصراعات بتخليق الوعي والقناعة والتشريع لاقصاء الاخر وفق رؤى عرقية او دينية او قومية او اجتماعية او غيرها.

لو عدنا الى جذور مشكلة الهوية الثقافية العراقية وهي مقصدنا الاساس للوصول الى الهدف المنشود الا وهي قضية التعامل مع مفهوم الهوية الوطنية والانتماء العرقي، وهي وظيفة الدولة في صناعة ذلك النسيج المتماسك والمتلاحم وطنياً باعتبار ان هذه المسألة ذات اهمية في تكوين نواة المجتمع العراقي, ولكن سياسة السلطة استخدمت اسلوب التغيب التام لفعل الهوية الوطنية لأسباب طائفية وسياسية واقتصادية، بشكل مباشر او غير مباشر.

استمرت هذه الازمة العراقية في كشف المستور يوما بعد يوم من خلال البحث والتنقيب عن المخلفات التي تركهاالنظام الصدامي السابق (1979-2003)، ومن بين العديد من ضحايا هذا النظام كان للكرد الفيلية نصيبٌ كبير من تلك الازمة.

انقسم اكراد العراق الى قسمين الاول هم اهل كردستان الذين يقطنون في شمال البلاد  واغلبهم من الطائفة السنية, اما الاكراد الفيليون هم من سكان المناطق الوسطى والجنوب واغلبهم من اتباع المذهب الشيعي, وتعود اصولهم الى ( اللورية ) وهي منطقة في ايران، بدورها تنقسم هذه المنطقة من ناحية الاصل واللهجة والمظهر الاجتماعي  الى قسمين ايضا الليرية الفيلية (لورستان الصغرى ) واللورية البختيارية ( لورستان الكبرى), الكرد الفيليون ينتمون الى ( لورستان الصغرى) من حيث الاصل واللهجة وهم يسكنون ما بين مناطق لور الصغرى في كردستان ايران في حين يقع جزؤها الاصغر في كردستان العراق واغلب سكانها يشكلون فئات كبيرة من مناطق ميسان , واسط , ديالى فضلا عن مناطق صغيرة من الحلة والنجف .

يذكر الباحث والمتخصص في موضوع اقليات العراق (سعد سلوم) في كتابهِ ( الاقليات في العراق: الذاكرة ، الهوية، التحديات) ان الفيليون تعرضوا منذ عشرينيات القرن الماضي الى ضربة في اصول هويتهم من قبل النظام السياسي الذي انشأ العراق الملكي من خلال تشريع قانون الجنسية العراقية رقم (42 لسنة 1924) الذي قسم المواطنين الى درجتين ( اولى وثانية ) وبموجبه قسم الجنسية الى فئة (أ) بصفة اصيلة رغم انتمائه الى تركيا العثمانية في حين مُنح الفيلي التجنيس من فئة (ب) بصفة مكتسبة وان اثبت تواجد اسرته في العراق منذ مئات الاعوام فأصبح هنالك عراقيون من التبعية العثمانية او من التبعية الايرانية, ومن هنا بدأت المُعاناة, خلال نصف قرن ما بين الاعوام (1940-1991) تعرض الفيليون الى سلسلة لا تنتهي من عمليات التهجير واسقطت عنهم الجنسية العراقية للأسباب سياسية عرقية وطائفية من الحكومات المتعاقبة وصولا الى انقلاب السلطة وظهور حزب البعث الذي استلم الحكم وبدأ يتطرق الى قضية الاكراد الفيلية حتى قام بأجلائهم من مناطقهم بحجة تصفية خصومه ومعارضيه ومن يقاومه كونهم تبعية ايرانية ظهرت مؤشراتها عندما بدأت الحرب ما بين ايران وحزب البعث في العراق .

كما اكدت السيدة (ام سامر) وهي مواطنة احد سكنة قضاء علي الغربي من محافظة ميسان انهم اجبروا على ترك الهوية العراقية على حد وصفها: “عندما تم تسفيرنا على الحدود الايرانية لمدة سنتين رفضنا الدخول الى ايران, حيث تمسكنا بالجنسية العراقية ورفضنا بشدة تبعيتنا لإيران قسراً وفضلنا البقاء في المُخيمات “.

بعد ذلك ظهرت العديد من التشريعات والقوانين,  ضيقت الخناق عليهم من خلال اصدار الكثير من القرارات التي تحاصر نشاطاتهم الاقتصادية والتجارية وتجميد اموالهم وممتلكاتهم المصرفية طيلة ايام الحرب .

حيث اكدت ذلك احدى ابناء الكرد الفيلية الدكتورة (علياء البدري) وهي تتحدث قائلة: “ان احد اسباب تهجيرنا اقتصادي, لان اغلب من تم تسفيرهم هم اصحاب رؤوس اموال وهم يديرون اقتصاد البلد في فترة كان البلد يمر بأزمة مالية اقتصادية شديدة نتيجة للحرب, اكثرهم تجار مواد غذائية وخصوصا تجار الشورجة, النجف, كربلاء البصرة, العمارة, والكوت, والديوانية, حيث تم مصادرة اموالهم واملاكهم عندما تم تسفيرهم” .

 ولم يكتفي النظام السابق  بذلك فقد وضعهم تحت المراقبة لسنين وحاصرهم امنيا واستخباراتيا ووصفهم بالجواسيس والخونة والعملاء لإيران .

يقول عالم الاجتماع المصري عبد الوهاب المسيري ” الهوية هي حلبة الصراع الحقيقية بيننا وبين العدو”،والاكراد الفيليون كانوا في نظر النظام الصدامي السابق هم عدوه الاول. اذ من خلال الذاكرة الفيلية التي تحمل في طياتها تاريخ حافل بالتشكيك حولهويتهم العراقية منذ تأسيس دولة العراق,الكورد في كوردستان لم يعانوا من اشكالية الهوية مثلما عانى منها الفيليون في الجنوب والوسط, ولكن الدولة حاربت كردستان لانهم كانوا يريدون الحرية والاستقلال كأقليم منفصلة.

مشكلة الاكراد الفيليون بقيت معلقةبما يسمى بالجنسية العراقية التي بقيت تتهاوى ما بين التبعية العثمانية والتبعية الايرانية, وهذه كانت مشكلة النظام السابق معهم.والى الان يسعى الاكراد الفيليون وحتى بعد سقوط النظام لاستعادة ممتلكاتهم واموالهم التي سلبها منهم البعثيون, كما يسعون لإعادة كافة وثائقهم الثبوتية حين تم تسفيرهم, اذ لا يمكنهم المطالبة باي حق من حقوقهم كمواطنين عراقيين بسبب تلك الوثائق.جيل بعد جيل استمرت معاناتهم ليومنا هذا،فهم يسعون لإعادة توحيد صفوفهم من خلال اعلاء كلمة الحق والاصرار على احياء مكونهم من جديد اسوة بباقي مكونات المجتمع العراقي من خلال انخراطهم في مؤسسات الدولة كموظفين او كأصحاب مناصب  كونهم جزء لا يتجزأ من المجتمع العراقي.

التصنيفات : تقارير
الكلمات المفتاحيه :