العلاقات الايرانية – الآذرية في ظل ازمة ناغورنو قراباغ

16 أكتوبر، 2020
39

م. م. نور حسين الرشدي

كانت آذربيجان جزء من الدولة الصفوية التي حكمت ايران منذ مطلع القرن السادس عشر وكانت تبريز عاصمة هذه الدولة وعمقها السياسي وقاعدتها وكانت اللغة الآذرية هي اللغة الرسمية في جميع مؤسسات الدولة  ، لكن هذه المعادلة قد تغيرت ونقلت العاصمة وحلت اللغة الفارسية محل التركية. وبعد ذلك حدثت حركات داخلية اضعفت الدولة وحروب خارجية مع الدولة العثمانية والقصيرية الروسية انتهت بتوقيع معاهدتي كليستان وتركمانجي ما بين 1813-1828 ، ففي المعاهدة الاولى تم التنازل عن جميع الاراضي الواقعة ما بين القوقاز وبحر قزوين ، اما في الثانية فقد تنازلت عن نخجوان ويريفان بالتالي عينت حدود جديدة بين الدولتين يمر بها نهر آراس .       ونتيجة ذلك قسمت آذربيجان والشعب الآذري الى جزئين، بقي جزء تحت حكم الروس ليشكل فيما بعد آذربيجان الحالية ،اما الجزء الآخرعرف منذ ذلك الوقت بأسم آذربيجان الايرانية، وقسم الشعب الآذري الى قسمين الجزء الأكبر في ايران يقدر تعداده اليوم ما بين (20-30مليون نسمة) اما الجزء الأقل في جنوب القوقاز يصل تعداده اليوم ما يقارب 10 مليون. وقد أغلقت الحدود بين شطري الوطن واستمرت لعقود وأصبح مصطلح شمال آذربيجان وجنوب آذربيجان متداول ، ففي ظل حكم بهلوي حاول استخدام سياسة الادماج القسري التي كانت تهدف صوريا الى خلق امة متجانسة تتكلم الفارسية وقد تم تطبيق ذلك بصرامة حيث تم حظر نشر الصحف والكتب باللغة الآذرية وكذلك التعليم . وبعد العام 1979 واجه النظام الايراني حركات معارضة هددت كل مفاهيم “الثورة الأسلامية” وكانت معارضة للدستور الايراني وكانت الشعارات في تلك المرحلة مطالبة بتوحيد الشمال والجنوب واقامة علاقات انسانية واقتصادية بين ضفتي النهر ، وقد كانت فكرة التوحيد تظهر ضمن كل تنظيم سياسي في ذلك الوقت .        الحدث الأبرز الذي اربك الداخل الأيراني هو استقلال اذربيجان بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ، عام 1991 ، حيث دعى بعض القادة الايرانيين بدمج آذربيجان على اعتبار انها جزء من اراضي ايران القديمة وكانت الحجة في ذلك الوقت هو الخوف من تتريك ايران بسبب وجود هذه الاقلية . وعلى ما يبدو أن هذا الامر اصبح مصدر قلق دائم لطهران التي حاولت بشتى الوسائل استقطاب آذربيجان في مدارها السياسي في الوقت الذي كانت فيه آذربيجان تحاول طمأنة الايرانيين بأن ليس لها اي نية في التدخل بشؤون أيران وانه لا يوجد اساس لقيام ” دولة آذربيجان الموحدة”.      وبعد اندلاع الصراع في ناغورنو قراباغ عام 1992، بدأت الهواجس الأيرانية بأقامة آذربيجان الكبرى بالظهور مرة أخرى مع وصول الرئيس ابو الفضل الجيبي رئيساً لآذربيجان ، وكان الحدث الأكبر الذي بقي في الذاكرة الشعبية الآذرية هو عندما وجهوا نداءات طالبوا بدعم اخوانهم الذين تشردوا من منازلهم الى الحدود الشمالية لأيران ، وبسبب رغبتها في عدم امتداد الصراع الى اراضيها قامت ببناء مخيمات داخل اراضي اذربيجان من اجل ابعاد الآلاف من المهاجرين الذين عبروا هرباً من الهجمات الارمنية ، ففي ذلك الوقت انتقد الجيبي الايرانيين واتهمهم بعدم مراعاة حقوق القوميات ، وكان الرد الايراني على هذه الانتقادات بدعم الانقلاب الذي اطاح بالجيبي وتولي حيدر علييف السطة  الذي ما لبث ان اتبع نهج الجيبي وأتخذ النموذج العلماني في قيادة الدولة الخط المغاير للسياسة الايرانية . بالتالي دعمت ايران ارمينيا في صراعها خاصة بعد ان وقع علييف لصفقة القرن مع الشركات الغربية لاستثمار النفط في العام 1994 في الوقت الذي كان الصراع لا يزال مستمراً ، ففضلت ايران ان تبقى اذربيجان منخرطة في هذا الصراع وغير قادرة على ان تستخدم باكو هذه الورقة الرابحة للضغط على ايران خاصة وان طبيعة هذا النظام العلماني يزعج طهران كثيراً . ومن الجدير بالذكر الى ان الصحف الايرانية والاعلام الايراني لم يتوانى لحظة في وصف علييف ” بخادم امريكا والصهيونية ” وبدأت الصحف بنشر ما سمته ” رغبة مواطني جمهورية آذربيجان في الانضمام لايران” .       فعلى الرغم من اندماج الآذريين داخل المجتمع الايراني وخاصةً وانهم قد سيطروا على مواقع مهمه فالمدرشد الأعلى هو آذري القومية وكذلك مير موسوي، فضلا عن ان هنالك ما يقارب مليون آذري في العاصمة طهران يسيطرون على الحركة التجارية، الا ان ايران سعت الى التقليل من التركيز على الهوية الآذرية والتركيز على الاسلام الشعي وهي حاولت ان تظهر كل ثقافة آذرية على انها ثقافة دينية لكن في المقابل نجد الآذريين في الشمال لا يثقون بتسيس الاسلام والذي يستخدم للتلاعب في معتقدات الناس حسب وصفهم . حاولت ايران ابقاء اذربيجان خارج التحالف المضاد لها على اعتبار انها ثاني بلد شيعي في العالم يشكل غالبية الشيعة فيه 90 % . من جهة اخرى كان صراع ناغورنو قراباغ والدور الايراني الذي وصفه الآذريين بالسلبي سبباً بان تدعم اسرائيل باكو ، وكان تطوير العلاقات ذو اهمية كبيرة بالنسبة لاسرائيل التي تعتبر هذه الروابط ممكن ان تساعدها في ايقاف ظهور الأصولية الاسلامية الصادرة من ايران على حد قولهم ، فلايوجد تهديد اكبر من تهديد الذي تمثله الآيديولوجيه الفارسية وسياستها التوسعية كما تراها أسرائيل في المقابل ترى ايران ان لا وجود للدولة اليهودية وآذربيجان في فنائها الخلفي. اذا كانت ناغورنوقراباغ المحرك الاساس في توجيه السياسة الآذرية باتجاه اسرائيل وتركيا ، وهذا ما ادى فيما بعد الى تبادل الاتهامات في ان اسرائيل تستخدم آذربيجان كقاعدة للتجسس على ايران ، حدة الخطاب كانت متصاعدة في ظل حكومة احمدي نجاد بعدها قد تغيرت في فترة حكم روحاني الذي عرف بتبنه خطاب أكثر هدوءاً اتجاه قضية آذربيجان .  اما دور ايران في الحرب الأخيرة بين آذربيجان وارمينيا، فقد كان محايد وهذا ما يمكن ملاحظته من خلال كلمة الرئيس الإيراني الأخيرة في يوم 7\10 حيث قال ان الأشتباكات المسلحة يمكن أن تتحول الى حرب أقليمية ، وان ايران مستعدة للمساعدة في حل النزاع بين ايران واذربيجان .  وقال المتحدث بأسم الحكومة الايرانية علي ربيعي ” ان ايران تتابع الأشتباكات عن كثب على الجانب الآخر من الحدود ، وان طهران تدعم حقوق آذربيجان في وحدة اراضيها، فإنها لا تعتقد ان الوسائل العسكرية هي الطريق الصحيح “. فيما اكد سعيد خطيب زادة ، الناطق بأسم لخارجية الأيرانية ، ان ايران ترصد بأهتمام التطورات في قراباغ وانها على استعداد للمساعدة في حل الأزمة . وقد اعلن خامنائي المرشد الاعلى ” ان الحكومة الارمنية تقمع المسلمين في منطقة قراباغ ونحن ندين هذه الأعمال وان قراباغ هي أرض الأسلام “.       الموقف الايراني هذا يدعو الى الأستغراب والتساؤل؟   فلماذا تتخذ ايران موقف الحياد في هذا الوقت في حين انها لطالما دعمت موقف ارمينيا في صراعها الدامي مع آذربيجان فالسبب الرئيسي في ذلك يعود في ان الصراع على حدودها الشمالية وهذا الامر يعتبر مشكلة بالنسبة لطهران لانه سيؤجج مشاعر الآذريين في الشمال خاصةً وانهم قد رفعوا شعار “قراباغ لنا” هذا من جهة ومن جهة أخرى خوفاً من ان يستغل اعداء طهران الموقع الجغرافي لآذربيجان بالتدخل وتأجيج  نزعات الأنفصال بين آلاذريين الإيرانيين . وتخشى ايران ايضاً من تدخل اطراف دولية أخرى وبالتالي يجر المنطقة الى ساحة صراع دولي .  فيشكك بعض الآذريين في جمهورية آذربيجان بهذه الخطوة الايرانية ويصفون موقف ايران بالمراوغ .      لكن الموضوع يدعونا للتأمل أكثر ، فإيران الآن تعيش في وضع مربك جداً لا يحتمل ان تفتح على نفسها المزيد من الجبهات ، فهي تدعم الموقف الارمني حتماً لكنها بالوقت ذاته تدعم السلام في المنطقة ، فالأقتصاد والعملة الإيرانية في انهيار مستمر نتيجة العقوبات الأمريكية على طهران التي كان آخرها فرض عقوبات على 18 مصرف ايراني. وقال وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين ان “عقوباتنا ستستمر إلى أن تتوقف إيران عن دعم النشاطات الإرهابية وتضع حدا لبرامجها النووية”. بالتالي هذه العقوبات تعتبر ضربة قاضية للأقتصاد الإيراني الذي يئن أصلاً تحت وطأة العقوبات الأمريكية . هذا من جانب ومن جانب آخر هنالك تحرك حقيقي داخل الشارع الإيراني رافض لسياسات بلاده الداخلية والخارجية . بالتالي هذه الأسباب بحد ذاتها كافية لكي تتبنى طهران موقفاً محايداً في هذا الصراع .

التصنيفات : دولية