حدود قدرة شركات التكنولوجيا على تطوير الإنسان “الهجين”

17 أكتوبر، 2020
43

د. إيهاب خليفة

جاء إعلان “إيلون ماسك” (مؤسس شركة نيورالينك Neuralink) عن جاهزية الجيل الثاني من الشرائح الذكية المدمجة مع العقل البشري لكي يدشن بذلك مرحلة جديدة من التطور البشري، تشهد ظهور نسخ مُعدلة صناعيًّا من البشر، يمكن تسميتها “السايبورج” Cyborg، تلك النسخ الهجينة التي تندمج فيها التكنولوجيا بالأعضاء الحيوية للإنسان فتصبح مكونًا رئيسيًّا من الجسد البشري، يختلط فيه اللحم بالسيليكون، والعقل بالأسلاك، والإدراك بحالة شحن البطارية، فيظهر لدنيا جيل جديد من البشر أو الأجدر وصفهم بأنصاف البشر أو السايبورج، جيل يستطيع أن يتذكر أدق التفاصيل ولا يخطئها، ويعمل أطول فترة ممكنة دون كلل أو ملل، لا تتأثر قراراته بالعواطف أو المشاعر، ولا يشعر بالإرهاق أو الألم، حالة مستجدة على الوجود الإنساني، قد يراها البعض إيجابية تحقق السمو البشري، ويراها البعض الآخر انتحارية تؤدي إلى اندثار البشر.

الفجوة بين الواقع والخيال:

في البداية، لا بد من الإشارة إلى ظاهرة هامة للغاية، وهي أن الخيال العلمي لم يعد قادرًا على مجاراة التطور التكنولوجي في الواقع، فهناك عجز حقيقي في الأفكار التي يتم طرحها، سواء في الكتابات أو حتى في أفلام هوليود، عن شكل الحياة البشرية في المستقبل القريب، وكيف يمكن أن تؤثر عليها التطورات التكنولوجية، خاصة على المستوى الإنساني والاجتماعي، وذلك لأن التقنيات الذكية التي تم تطويرها ويتم ابتكارها ثورية بمعنى الكلمة، تتعدى قدرة العقل أحيانًا على تخيل تبعاتها وتداعياتها على شكل الحياة البشرية.

فمثلًا قراءة الأفكار لم تعد من أمور الخيال العلمي، فأصبح التخاطر الذهني قائمًا بالفعل من خلال خوذة ذكية تقوم بترجمة الموجهات الكهرومغناطيسية التي ينتجها المخ وتحويلها إلى صيغة رقمية يمكن قراءتها عبر الكمبيوتر، بصورة أقرب إلى حد ما إلى الاختبارات التي كان يتم إجراؤها على الفصائل في فيلم Divergent.

كما أن طباعة الأعضاء الحيوية للإنسان مثل الرئة والقلب أصبحت ممكنة وموجودة من خلال الطباعة ثلاثية الأبعاد، ليس فقط الأعضاء الحيوية بل حتى الأطعمة والأبنية والأسلحة وغيرها من ملايين المنتجات الأخرى، كما أن فكرة السفر عبر الزمن لم تعد بعيدة كثيرًا عن الواقع، فبفضل تطور صناعة الفضاء وإزاحة كثير من أسرار الثقوب السوداء، يتوقع العلماء أن تكون هذه الثقوب بمثابة بوابة بين عوالم مختلفة يمكن تجاوز الزمن من خلالها.

ورغم كل هذا التطور إلا أن العقل البشري ما زال قادرًا على إثبات عبقريته من خلال استمرار قدرته على ابتكار تقنيات ذكية جديدة وغير مسبوقة، من شأنها أن تحقق التفوق للجنس البشري Human Supremacy، أو أن تسرع باندثاره وفنائه، وذلك عبر دمج شرائح ذكية في مخ الإنسان تعمل على تطوير قدرات الدماغ البشري وإكسابها مهارات لم تكن موجودة من قبل، مهارات تضاف إلى هذه العبقرية الموجودة بالفعل. فهل ستكون إضافة لهذه العبقرية أم قيدًا عليها؟ وما هي التداعيات والتبعات التي يمكن أن تترتب على هذا التطوير المتسارع للتقنيات الذكية؟ وهل تحتمل أجساد البشر وطاقتهم النفسية هذا النوع من القدرات الفائقة؟

دافع البقاء والتطور:

إن الفلسفة التي يراها “إيلون ماسك” قائمة على فكرة تشاؤمية مفادها أن الذكاء الاصطناعي سوف يتسبب في تدمير البشر، فهو لا يخطئ وقادر على التعلم السريع المستمر، وتحصيل جميع أنواع المعارف والعلوم والآداب بصورة تفوق أي طاقة بشرية ممكنة، وقادر أيضًا على مشاركتها مع غيره من نظم الذكاء الاصطناعي الآخر، مكونًا عقلًا واحدًا صناعيًّا، يمثل العقل الجمعي للذكاء الاصطناعي، ما يدركه أحدهما، يدركه الجميع.

هذا العقل سيكون بالطبع أذكى وأسرع من العقول البشرية بملايين المرات، وبمجرد إدراكه هذه الحقيقة سوف يتعامل مع البشر بدونية شديدة، فهم أقل منه ذكاءً ومهارة، وأنه لا سبيل للحفاظ على ما سماه “ماسك” الإدراك البشري الخارق أو Superhuman Cognition إلا من خلال تطوير القدرات البشرية لكي تساير قدرات الذكاء الاصطناعي، من خلال زرع شرائح ذكية داخل العقول والأجساد البشرية تُحسّن من أداء عملها ووظيفتها في مواجهة قدرات الذكاء الاصطناعي، وبذلك نضمن عملية استمرار بقاء الجنس البشري في مواجهة الذكاء الاصطناعي.

فلسفة نتفق أو نختلف معها، إلا أن “ماسك” قد اتخذ خطواته بالفعل في مضمار أتمتة أو رقمنة البشر، التي سوف تؤدي قريبًا لظهور الإنسان نصف آلة، أو السايبورج، مثل شخصية “أليكس ميرفي” في فيلم الخيال العلمي RoboCop، ذلك الإنسان الذي كان زوجًا مخلصًا وأبًا عطوفًا وضابط شرطة شغوفًا بعمله، قبل أن يتعرض لحادث وترى فيه الشرطة فرصة لصناعة روبوت يتكون من اللحم والفولاذ ذي قدرات خارقة قد يكون البشر في احتياج بالفعل لها، ينجح في عمله وبتفوق لكن تنقلب حياته الإنسانية رأسًا على عقب، فطاقة البشر النفسية قد لا تسمح لهم بتحمل الضغوط التي تتحملها الآلات نفسها.

طموحات “الإنسان الخارق”:

حسب تصريحات “إيلون ماسك” فإن هذه الشريحة يمكن لها أن تعالج أمراضًا عدة، مثل: الخرف، والزهايمر، وأمراض الذاكرة، واضطرابات الجهاز العصبي الحركية، وإصابات النخاع الشوكي، والشلل، وتلف الدماغ، والقلق، والإدمان، وتخفف من الآلام الحادة، وتعالج جزئيًّا حالة فقدان البصر والسمع، بالطبع ليس هذا ما تقوم به هذه الشريحة، بل ما يحلم به “ماسك”، وإلا لم يكن ليعلن في مؤتمره عن حاجته لعباقرة ينضمون إلى نيورالينك لتطوير هذه الشريحة التي باتت جاهزة للاستخدام الآدمي بعد الحصول على موافقة إدارة الأغذية والعقاقير الأمريكية FDA.

فما عرضه “ماسك” في مؤتمره الصحفي هو واجهة كمبيوتر تقوم برصد النشاط الدماغي لخنزير تم زرع شريحة إلكترونية في حجم العملة المعدنية داخل دماغه وتوصيلها به عبر أسلاك رقيقة، يمكن شحن بطاريتها لا سلكيا وتستمر لمدة يوم كامل، ومن خلال رصد النشاط الدماغي ومراقبة الإشارات الكهربائية الصادرة من المخ عبر الشريحة إلى برنامج كمبيوتر، يمكن إرسال إشارات عكسية أخرى تصحح الخلل الموجود في الدماغ، أو تعطي أوامر معينة للمخ، مثل حفظ ذكريات معينة أو محوها، وبالطريقة نفسها يمكن إصدار أوامر بمعالجة بعض الأمراض التي عددها “ماسك”، أو إصدار أوامر بتجاهل مشاعر معينة مثل الاكتئاب أو الحب.

ومن هنا تبدأ مرحلة جديدة من الحياة “النصف بشرية”، يُعامِل البشر فيها أنفسهم معاملة الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية، ويتم تصنيفهم لأجيال حسب خصائص وقدرات الشرائح الذكية المدمجة فيهم، كل حسب شريحته الذكية والتي يتحكم فيها في النهاية قدرات هذا الشخص المالية على شراء الشريحة الأحدث والأسرع.

وإذا استطاع “ماسك” أن يجذب العقول البشرية التي سوف تعمل على تطوير هذه الشريحة بالفلسفة التي يراها، واستطاعت ابتكار شريحة تحفز النشاط الدماغي لكي يصل إلى أقصى طاقته، ويوظف كافة القدرات العقلية الكامنة، تمامًا مثل فيلم Lucy؛ فإنه يمكن صناعة ذلك السايبورج الخارق، الذي تفوق قدراته غيره من البشر، ويصل إلى مرحلة تؤهله لأن يسيطر على كل شيء، وليس فقط الذكاء الاصطناعي.

الإنسان “السايبورج”:

يتبقى التساؤل: ما مدى إمكانية أن يحقق ماسك تقدمًا حقيقيًّا في تعديل الجنس البشري لكي يصبح خارقًا بالفعل، فقد اتخذ “ماسك” خطواته الأولى، ولكن كم خطوة أخرى يمكن له أن يتخذها هو أو غيره في مضمار تعديل الجنس البشري؟ ما هي الحدود التي يمكن الوصول إليها قبل أن يبدأ الجسد في الانهيار؟ أو أن يفكر صاحبه في الانتحار؟ أسئلة صعبة الإجابة، فالعقل البشري أعقد بكثير من قدرتنا حتى على اكتشافه أو فهم الآلية التي يعمل بها، الأمر الذي يضع أحلام “ماسك” محل شك، كما يرى عالم اللغويات الكبير “نعوم تشومسكي” الذي يرى أن معرفتنا حول كيف نفكر محدودة للغاية، وأن مشروع “ماسك” لن يتحقق.

وما هو الحال إذا تم اختراق هذه الشريحة الذكية -رغم تأكيدات “ماسك” على تأمينها من الاختراق- وتمت سرقة جميع الأفكار والذكريات والمعلومات الموجودة في دماغ أحدهم؟ وهل ستترك نيورالينك جميع المعلومات محفوظة فقط بالدماغ البشري أم إنها ستحتفظ بنسخة منها على خوادمها بداعي التطوير والتحسين أو دون حتى أن تستأذن صاحبها؟ وإن لم تفعل ذلك فمن يضمن أنها لن تتجسس على الشريحة بنفسها وتسرق أفكارنا؟

أسئلة أخلاقية وتنظيمية كثيرة، قبل أن تكون أسئلة علمية، لا بد من الإجابة عنها أولًا، فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه، كيف يمكن له حذف مشاعر معينة من قائمة الخيارات بهذه السهولة؟ وهل تتحمل طاقة الإنسان النفسية هذا الكم الرهيب من الذكريات والأفكار والنظريات والإدراكات المختلفة دون أن يبدأ في الانهيار؟ وما هي الحدود التي يمكن تحميلها على هذا الدماغ قبل أن يفكر في التمرد أو الانتحار؟ وماذا يحدث إذا استطاع مجموعة من البشر امتلاك هذه التقنية الثورية، هل سيتركون الباقي يتمتعون بالحق في اقتنائها؟ أم سيتم حرمانهم منها بدواعٍ أخلاقية مزعومة كي يستأثروا منفردين بالسلطة؟.

الرشادة في التفكير والتطوير:

يرى فريق أن ما قدمه “إيلون ماسك” تقنية ثورية تُغيّر من مفهوم الذكاء البشري، وتؤدي إلى ظهور جيل جديد من الجنس البشري ذي قدرات فائقة التطور تحقق التفوق البشري Human Supremacy. وهناك فريق آخر يرى أن “ماسك” قد باع الوهم للشغوفين بالتطور التكنولوجي، وقدم لهم شريحة تستطيع فقط قراءة حالة الدماغ البشري، يستطيع جهاز طبي قديم أن يقدمها، الفرق فقط أن تقوم بدفع أموال طائلة مقابل فتح حفرة دقيقة داخل الدماغ بها شريحة إلكترونية لكي تحصل على هذه القراءات.

وما بين هذا وذاك، فإن التقنية –حتى الآن- ليست بالتقنية الثورية كما أنها ليست بالوهم، بل هي خطوة في سباق التطور التكنولوجي، وفكرة تم برهنتها نظريًّا حتى الآن، سوف تكتسب رشادتها بمرور الوقت وندرك حدود وظيفتها واستخدامها، وقد نجدها يومًا ما سبيلًا لعلاج كثير من الأمراض المستعصية، أو وسيلة للتخاطر الذهني بين الأفراد عن بعد بدلًا من الهواتف الذكية، دون أن تصبح أداة سحرية لتحقيق التفوق البشري أو مجرد واجهة كمبيوتر لقراءة نشاط الدماغ البشري.

فحوالي ألف عام تفصل بين أول محاولة بشرية فاشلة للطيران وبين اختراع الطائرة، وفي ذلك لا أقول إن فكرة “ماسك” سوف تأخذ ألف عام حتى نراها، ولا أقول حتى إنها ستأخد بضع سنوات، فلا داعي للتهويل أو التهوين، والأجدر أن نضع كل فكرة في سياقها الحقيقي، وأن ندرك تبعاتها وتداعياتها دون الاندفاع بالإنسانية إلى حافة الهاوية.

التصنيفات : تقارير علمية