عبد الأمير الحصيري.. الشاعر المنسي

19 أكتوبر، 2020
868

عبد الأمير عبّود مهدي الحُصَيْري شاعر عراقي ولد وعاش في النجف (1935 – 2 فبراير 1978).. ترك آثاراً شعريّة كثيرة، وقد نظم في جميع البحور الشعرية وله تسعة دواوين منها معلقة بغداد وأنا الشريد وأزهار الدماء وسبات النار وأشرعة الجحيم وكتب للثورة العراقية ومنجزاتها. توفي في بغداد ودفن في النجف.

أهم المحطات في حياته

أكمل المدرسة الابتدائية ثم المتوسطة ولم يكمل دراسته، شغفه حب الأدب فقرأ دواوين شعراء العرب، وأرتاد النوادي الأدبية واستفاد منها. غادر النجف إلى بغداد سنة 1959 وسكنها بقية عمره. عمل محرراً في جريدة الوطن لكنه ترك عمله. ثم عيّن سنة 1973 محرراً في القسم الثقافي في مجلة وعي العمال ثم ترك عمله بعد أقل من شهرين، ثم عمل في دائرة الإذاعة والتلفزيون مصححاً لغوياً ما لبث أن ترك عمله ليشارك في تأسيس مؤسسة أقاصي للطباعة والنشر والإعلان، لم يستمر بأعماله هذه وفضل البطالة على العمل. واتخذ من مقاهي بغداد مقراً دائماً لكتابة الشعر ومصاحبة الأدباء والشعراء.

نظم الشعر وأجاد به وكانت له قدرات لغوية جيدة ونفس طويل إلى حد الإفراط، وامتاز ببطولاته الشعرية ووظفها في السياق التاريخي، ووظف الاستعارة الشعرية أيضا. كان عضواً في اتحاد الكتاب العراقيين.

شاعريته

تتجلى في شعر عبد الأمير الحصيري ثلاثة ركائز، كما يقول جمال مصطفى مردان في كتابه شعراء من العراق هي البلاغة العربية والمطولات الشعرية والصور الشعرية، توفي في فندق الكوثر الشعبيّ بالكرخ في 2 فبراير 1978 ودفن في مقبرة وادي السلام بالنجف.

تلازم كتابة الشعر في بغداد، متنقلا في اليوم الواحد بين مقاهٍ وحانات عديدة، هو بالتـأكيد، نتيجة رسوخ قناعة لديه، بأن الشاعر يجب أن يعيش حياة غير نمطية أو تقليدية، مدت له يد المساعدة أكثر من مرة، كي يحصل على وظيفة لائقة، يستطيع بها بناء حياة مستقرة ، ولكنه ينقلب عليها، ليعود إلى الصعلكة والتشرد في الفنادق البائسة، التي وجد في أحدها جثة هامدة، في غرفة غاية في الرثاثة.

شاعريته كان يشار لها بالتميز، حاول الخروج بنمط العمود الكلاسيكي، من تقريريته وحشوه المفروض بسبب الالتزام بالعروض الخليلي والقافية إلى فضاء الصور الشعرية المبتكرة.

هو شاعر حقيقي ذو موهبة كبيرة، لو أحسن استثمارها، لو طال به العمر، لكان ذا شأن  في الشعر العراقي خاصة والعربي عامة، أكبر مما حققه من منجز  في سني عمره القصير، الذي أكل جرفه الإدمان على الخمر والفاقة والحرمان.

قصر عمره مع طاقة ابداعية متميزة، يسجلانه في عداد المبدعين، الذين وضعوا بصماتهم في سجل الإبداع الإنساني الخالد، سبقه في ذلك رائد الشعر العربي الحديث بدر شاكر السياب، الذي توفي في العام 1964 عن عمر يناهز 38 عاما، ونحن هنا لسنا في موضع مقارنة الا لأجل أننا ينبغي إعادة الاعتبار للحصيري، بغض النظر عن الطريق الذي اختطه في حياته، التي خرج منها شاعرا كبيرا، لفت أنظار الدرس الأكاديمي، فكتبت عنه رسائل جامعية عدة.

إعادة الاعتبار تتمثل في طباعة أعماله الكاملة، متضمنة ماكتب عنه، وسيرة حياته. وإطلاق اسمه على ملتقى أدبي أو مرفق ثقافي، طالما انه من المبدعين الذين لم يلحقوا ضررا ما بالناس، وهذا جزء من الوفاء لهم، وإلفات نظر الأجيال الجديدة إليهم.

رغم تشرده وصعلكته، كان غزير الإنتاج فقد أصدر خلال سني عمره القصير، الذي ناهز  نحو 36عاما، أحد عشر ديوانا، منها:

معلقة بغداد 1962، أزهار الدماء 1963، سبات النار 1969، أنا الشريد 1970، مذكرات عروة بن الورد 1973 ، تموز يبتكر الشمس 1976.  رحل عنا  أواسط العام 1978 ، بعد رحيله المبكر، صدرت بقية أشعاره. حيث اهتم الكاتب الراحل عزيز السيد جاسم بجمع اشعاره .

من روائع شعره

أنا الشريد

قصيدة (أنا الشريد) تعد من عيون شعره، وهي من ضمن ديوانه (أناشيد الشريد) المنشور العام 1960

أجائع؟أي شيء ثم يا قلق؟

أَمنْ حطامي هذا يمطر العبق؟

إذا تصبيت روحي دونما تعب

يطغى تلظي هواك القائم الخفق؟

إنْ كنت تحلم في قلبي، فإن دمي

من جوعه بات فيه الجوع يحترق!

ألم يشردك تشريد يمزقني

عيناي أظفاره العمياء تأتلق

قلبي الجحيم… أثيمات الشرور به

معذبات!! فما أذنبت يا قلق؟!

أخشى عليك دمي الواري، وإن يك في

إحراقه حلمك الريان ينسحق

ما زلت طفلا غريرا، كيف تقربني

أنا التشرد والحرمان والأرق؟!

أنا الشريد!! لماذا الناس تذعر من

وجهي؟ وتهرب من قدامي الطرق؟!

وكنت أفزع للحانات، تشربني

واليوم!! لو لمحت عيني، تختنق!

قد بِت أمضغ أعراقي وأوردتي

وأرتوي من جراحاتي…. وأنسحق

شنقت قلبي على أحلامه.. فإذا

بها، وضحكتها الخضراء تنشنق

وجبت حتى زوايا الغيب، ليس صدى

فيها، يروي صدى نفسي، ولا ألق

زرعت حتى اصطخاب الموج في شفتي

ضحكا، ولم يبتسم خفاقي الأَرِق

العري… أذهله شأني، فجن على

شفاهه ألف سؤل، كيف ينطلق

أنا الإله وندماني ملائكة

والحانة… الكون والجلاس من خلقوا

عريان، يكسو الدنا بالنجم ألبسة

عطشان، في راحتيه الكوثر العبِق

فهل كسوت جفون الناسِ ألف دجى؟

أم هل تبسم في أحداقه الغسق؟

الدار تسكن أحلامي! وما اكتحلت

بالشمسِ …. والشمس من كفي تنبثق

معلقة بغداد

وهي قصيدة طويلة جدا صدرت في كتاب منفصل العام 1962، نقتطف هنا مقطعا منها:

بغداد قـلـبي في يديـك فعذبي

إن شئت، أو إن شئت شل العاطبُ

إما صببت سعير عتبي لم أكن

لسوى تضاريم الفؤاد أعاتبُ

وأنا ابـنك المغوار مسقط دجلة

ذا القلب والسعف الإهاب الشاحبُ

بالرغم  من أن الغري بأضلعي

لهب ولي حتى رباه حبائبُ

وتـوقد الرمل الشروب، سرابه

رئـتي وأوردني الفرات الساكبُ

فيراعتي سيف بريق صليله

شعري وخفق القلبِ غمد ضاربُ

أنا ذلك الـشــحرور دجلة أيكتي

ولئن توهم بي حزين ناحبُ

أطري حفيف غصون عزك أخضرا

حـتى يمزقني ارتعاش قاصبُ

والنار تخضع خافقي وتمجه

إذ لم يعد فيه اخضرار صايبُ

أتفيأ الـبسمات حيث مدامعي

في غاب لحيتي البهيم سواكبُ

فغسلت في  منديل صبحك أدمعي

نسجته من همس الحرير كواعبُ

لا تعتبي إما زفرت تألما

من نار أحـلامـي، فما أنا عاتبُ

أو إن زرعت  رؤاي في لجج السنا

عين مخصبة ووجه قاطبُ

أفتوقد الدرب الشموع؟،وفرقدُ

أكـلته من جـوع الظـلام مخالبُ

وعزيف ثورتك الوضيـئة تزدهي

حيث ازدهت بدمي اللفوح نوائبُ

أواه يا أعـشــــى لـو أنك عائد

ما طاوعتك بأن تقول مشاربُ

حسبي بأن أطأ النجوم وسلمي

حسد وبغض وانتقاص كاذبُ

وتكاد تعثر أرجلي فأزمها

مـلء الطريق ضفادع وجنادبُ

إن كنتم مـن صنع ليل دامس

فأنا من الفجـرالندي تلاهبُ

أو كنت في ثوب الـدجـى متدثرا

جهلت ضحاي أباعد وأقاربُ

ورسبت إذ طفح الحباب فإنما

بثمالة ثملا يعود الشاربُ

قالوا عنه

فاضل ثامر(ناقد):

عبد الأمير الحصيري يعد ظاهرة استثنائية من ظواهر الشعر في العراق، وهو يشبه إلى حد كبير شخصية حسين مردان التي برزت في الخمسينيات، لكنه واصل بإصرار سياسة الصعلكة في الحياة والشعر رافضا قواعد النظام التي انصاع إليها مردان وبقي متمردا . إن عملية الصعلكة كانت بالنسبة له موقفا وسلوكا، ومن خلالها يفتخر بانتمائه لسلالة عروة بن الورد في جوانب كثيرة كالغرور والاعتداد بالنفس وغيرها.

سعدي يوسف (شاعر):

ولد عبد الأمير في النجف، العام 1942 ، ورحل عنا في فندق الكوثر الشعبي بالكرخ في العام  1978 ، دخل اتحاد الأدباء فتى، وخرج منه نعشا محمولا إلى مقبرة وادي السلام بالنجف.  كنت مع مودعيه، بعد أن كنت استقبلته آن جاء إلى بغداد. ألقيت كلمة على قبره، مستشهدا بأشعاره

ومن فؤادي أصيحُ يا نجف

أنا من الذين ظلوا يراهنون على عبد الأمير، شاعرا، وإنسانا. وظللنا صديقين.

عبد الحسين شعبان (كاتب وباحث):

أصبح الحصيري بعد انتقاله إلى بغداد، حديث المجالس والندوات والمقاهي والحانات، بسرعة فائقة، من اتحاد الأدباء، إلى الصحافة، إلى النقاد، إلى محافل الدراسة والجامعات، وأخيرا وليس آخرا إلى مقاهي المثقفين اليساريين والوجوديين والقوميين حسب تصنيفات تلك الأيام!

د.محمد حسين آل ياسين (شاعر وأكاديمي):

الحديث عنه يتناول إدمانه ونومه في الحدائق والساحات والأرصفة متجاهلين أنه مثقف كبير أدمن القراءة والبحث منذ صغره كما أدمن الخمرة. الحصيري لا يختصر بهذه الطريقة فهو نبتة نجفية حقيقية في ثقافته واتصاله بالتراث وفي إحاطته بهذا الموروث الشعبي وتمسكه بالقصيدة العربية وبتمرده، ننسى أننا حين نحتفي بهذا التمرد ونعجب به ونتحدث عنه أنه تمرد على النجف فهذا الرجل هو ابن العمائم والحوزات لو كان ابن ذي قار او ابن واسط لما لفت انتباهنا تمرده.

عمار المسعودي (شاعر وأكاديمي):

الحصيري كان شخصا استعاريا حين استبدل النجف ببغداد لما فيها من أجواء منفتحة

وجد فيها غاياته، والاستعارة لديه متلاحمة بالدراما. الاستعارة هي الصورة لدى البلاغيين القدامى لأنها هي الإنسان والمجال الواسع. والاستعارة مع الصورة تبلغ وحدة كونية متصوفة،

ومن هنا كان الحصيري كائنا متصوفا بالطبيعة.

رزاق ابراهيم حسن (شاعر وناقد):

لم يمارس احد العبث بنفسه وبشعره كما فعل عبد الامير الحصيري، واتخذ هذا العبث نهجا للحياة والشعر ايضا، واغلب شعر الحصيري يهتم بالصورة الاستعارية، فهو لا يعتمد السياق السردي، ولا يعتمد البناء المقطعي او القصيدة القائمة على الرموز والأساطير، وانما يعتمد على البناء الذي يجمع بين الأبيات في اطار الصورة الاستعارية ويجعل اغلب الأبيات قائمة على الصورة ايضا، وهو من الشعراء المعنيين بقوة العلاقة مع الحداثة والتراث، والصورة الاستعارية تحقق له ذلك، لأنها تعد من العناصر المهمة في الشعر العربي القديم، وتعد ذات اهمية فنية في الشعر الحديث الذي يميل الى التشخيص والتجسيم والعلاقة بين العناصر المتناقضة والمتباعدة والمتنافرة.

عواد خضر الخزاعي (ناقد):

في فوضى مأساته حاول الشاعر أن ينتحر أكثر من مرة كما يقول المقربون منه بعد ان أتلفت روحه المدينة والفقدان، فقدان الأسرة والإحساس بالاستقرار والأمان، فقدان الانتماء لمدينة يشعر معها بالثقة، أنها لن تخونه، وكانت لحظات الصحو عند عبد الأمير أكثر إيلاما من لحظات السكر، ففيها ينتبه من غفلة السكر إلى وحشة المكان والوجوه، والعوز والفاقة.

لمحات

أربعون عاما على نسيان موهبة كبيرة فريدة، لم يحسن استثمارها أو الاهتمام بها، وتركت للأرصفة والإهمال والتجاهل، عمر قصير مع طاقة إبداعية هائلة استهلكتها الحانات والمقاهي البغدادية والفاقة والعوز والتمرّد والحرمان.

رحل وهو في السادسة والثلاثين، كما رحل من قبله بدر شاكر السيّاب في الثامنة والثلاثين، وحين يموت الشاعر لا يعود ينشغل بغيابه أحد في مدننا الموغلة بالتراجع والفقدان والوجع والغياب، ولا يعود للشاعر مكانة في سجلات الموت الجماعي اليومي في حروب الأخوة الأعداء، والخسائر الفاجعة بأثمان غير إنسانية وغير مشرّفة تحت يافطة مسرحية داعش المتنقلة بعروضها بين عواصمنا ومدننا، بذريعة محاربة الإرهاب وزراعة الديمقراطية في ربوعنا القاحلة.

والشعر في العراق حصرا ليس سببا للترف أوالتمظهر، إنما دافع إلى البقاء وحافز على العناد، البقاء المميت والعناد المميز لكل موهبة على حدة. عبدالأمير الحصيري ورقة ميلادية محفوفة بالغرائب والمخاطر، وملف هجري استعاري استبدل به النجف ببغداد وعروة بن الورد ببدوي الجبل، دخل العاصمة يافعا متوهجا مشاكسا، وعاد منها إلى مسقط ولعه محمولا في تابوت بعد أن عثر صدفة على جثته في فندق الكوثر الشعبي في الكرخ، تاركا خلفه مبعثرات قصائده وبنطالا أسود أثريا وقميصا باليا وخمسة فلوس عدا ونقدا وجدت في أحد جيوبه، تلك كانت كل ثروة الشاعر الحصيري المنقولة وغير المنقولة.

طريق النجف – بغداد

حدث أن ولد الحصيري في مدينة النجف عام 1942، أكمل الابتدائية فيها، لكنه لم يستطع إكمال المتوسطة إذ أدمن مجالس الأدباء والشعراء والقراءة والبحث، وهذا هو الإدمان الأول له قبل أي إدمان آخر، في المدرسة كان يعترض على مقولات الأساتذة حول مفاهيمهم التقليدية للشعر العربي وللبلاغة والنحو.

وفي مجالس شعراء النجف كان الحصيري يتهكّم على نظمهم الكلاسيكي لشكل العمود الشعري، فلم يعد يطيق حضوره أحد، لا أساتذة اللغة والأدب في المدرسة ولا نجوم المجالس الأدبية المحافظة في مدينة النجف فقرر مغادرة الدراسة ومجالس الشعراء ومغادرة عائلته البسيطة التي كان يعيلها أب يعمل في نسج العباءات الشرقية.

ورغم هذا النفور والطرد اللذين كان يعانيهما في المدرسة وفي مجالس الشعراء في مدينته، لكنهم جميعا توقّعوا له شأنا معرفيا وشعريا مميزا، فدخل بغداد عام 1958 وهي تموج بمتغيرات سياسية وثورة شعرية أسس لها السياب ولميعة عباس عمارة، وفي المناخ العربي مجلة شعر في بيروت وقصائد نزار قباني في دمشق وغيرها.

لكن الحصيري، وخلال أشهر معدودة من قدومه إلى بغداد، بات حديث المقاهي والحانات والمجالس الأدبية، وقد قدمه الشاعر الكبير الجواهري لروّاد اتحاد الأدباء في العراق بالشكل التالي “إنه ابن كوفتي الحمراء التي قدّمت إلى الدنيا متنبّيها، وأرجو أن لا تعدو عليه بغداد كما عدت علينا عقوقا وغدرا”.

عمل الحصيري في صحيفة “الوطن” البغدادية، ومن ثم في القسم الثقافي في مجلة “وعي العمال”، وموظفا في دائرة الإذاعة والتلفزيون، لكنه سرعان ما كان يغادر تلك الوظائف وسواها ويعود إلى صعلكته المفضوحة وتشرّده في الحانات والمقاهي ومجالس الحوارات الصاخبة. وقد كان مشاكسا صداميا باعتراضاته وآرائه، وغالبا ما كان يطرد من تلك الأمكنة، كما طرد من المدرسة سابقا ومن مجالس أدباء النجف، وفي اليوم التالي يجدونه نائما في بناية مهجورة أو عند بوابة اتحاد الأدباء العراقي وفي أفضل الأحوال في غرفة بائسة في فندق رخيص.

مجالس شعراء النجف تذكر اليوم كيف كان الحصيري يتهكّم فيها على نظمهم الكلاسيكي لشكل العمود الشعري، وكيف لم يعد يطيق حضوره أحد

سحرته بغداد وافتتن بها وكتب فيها معلّقته الشهيرة “معلّقة بغداد” التي يقول فيها: بغداد يا قمر الشموس ويا ضحى الأص/ باحِ ، هل يغشاك ليل شاسب؟/ بغداد يا بلد الكفاح، شدا لكِ المأ/ هول، وابتسم الطريق اللاحب/ وتكسّرت أظفار ذئب كاسر/ لما نضت عنها الجلود ثعالب/ يا مرسح الشعراء والفكر الذي/ لم تبرح الدنيا به تتجاذب/ سكران من صهباء بسمتك التي/ سكر الخلود بها وجُن الشارب / شاء القضاء بأن يشل سوامقا / يبس، وتسقي الأزدهار طحالب / من كان يحسب أن ذلك ينطفي/ وتشب من أعمى الرماد لواهب/ أمسٌ على بيبان سورك هشمت/ للفرسِ والروم الغزاة مطالب”.

شيخ الصعاليك

من أسماء الشاعر الحصيري التي شاعت عنه “شيخ الصعاليك”، “الشاعر الشريد”، “الشاعر المتمرّد”، “خليفة الجواهري”، “صعلوك الشعراء” وغيرها الكثير. وفي الحقيقة لو نال الشاعر شيئا من الاهتمام والرعاية في توفير حياة رضيّة هانئة، بحيث لا تذله الحاجة ويطارده العوز والألم والفقدان، لكان من عبقريات التجارب الشعرية، ولكان قد أعطى زادا وفيرا للأجيال اللاحقة، لكن حياته القصيرة الموجزة قد تناهبتها المقاهي والحانات والأرصفة، وقوبلت بالنفور والطرد والأهمال.

يقول “أجائع؟ أي شيء ثم ياقلق؟/ أمن حطامي هذا يمطر العبق؟/ إن كنت تحلم في قلبي، فأنّ دمي/ من جوعه بات فيه الجوع يحترق/ قلبي الجحيم، أثيمات الشرور به/ معذبات، فما أذنبت ياقلق؟/ مازلت طفلا غريرا، كيف تقربني؟/ أنا التشرّد والحرمان والأرق/ أنا الشريد، لماذا الناس تذعر من/ وجهي، وتهرب من أقدامي الطرق؟”.

هذا النفور والذعر اللذان قوبل بهما الشاعر، أصاب حتى دائرة دار الشؤون الثقافية العامة التي طبعت له مجموعة شعرية، لكنها لم تكن تذكر اسمه ولا مطبوعته من ضمن نشاطاتها السنوية التي كانت تعلن عنها نهاية كل عام، فأمعن أكثر فأكثر في انتمائه للصعلكة والتشرّد والخسائر المتتالية “وكنت أفزع للحانات تشربني/ واليوم لو لمحت عيني، تختنق/ قد بت أمضغ أعراقي وأوردتي/ وأرتوي من جراحاتي وأنسحق/ أنا الإله وندماني ملائكة/ والحانة الكون، والجلّاس من خلقوا”.

تسلل الحصيري بطرق التهريب البري إلى الكويت عام 1964، كأبطال قصص الراحل غسّان كنفاني، بقي فيها فترة قليلة وصدر له فيها ديوان شعري كبير، ولكن باسم شخص آخر هناك، كان قد منحه بعض الدريهمات مقابل ذلك، عاد بعدها إلى بغداد ليغني “بغداد قلبي في يديك فعذبي/ إن شئت أو إن شئت شل العاطب/ أنا ابنك المغوار مسقط دجلة/ ذا القلب والسعف الأهاب الشاحب / حسبي بأن أطأ النجوم وسلّمي / حسد وبغض وإنتقاص كاذب / وتكاد تعثر أرجلي، فأزمّها / ملء الطريق ضفادع وجنادب”.

وفي المقهى كما في الحانة، كان يتناهب قصائده وقصاصاته أشباه الشعراء، ويجمعونها مع بعض الإضافات والتحوير ويطبعونها بأسمائهم، كما كان يزوره لذات الغرض معجبون بشعره من بلدان عربية مختلفة، يأخذون القصائد لتطبع لاحقا بأسمائهم، ويوغل هو بالمزيد من الإسراف بانتهاك حياته في التشرد والحرمان والألم. حتى صار يكرر تحيته الوحيدة الشائعة عنه عند التقائه برفاق الحانة “فيضي دنان الخمر فيضي”، ومع حياته القصيرة المشتتة تلك فقد صدرت له المجاميع الشعرية التالية بعناوين منسجمة مع انتماءاته المختلفة “أزهار الدماء” عام 1963، “معلّقة بغداد” عام 1964، “سبات النار” عام 1969، “أنا الشريد” عام 1970، “مذكرات عروة بن الورد” عام 1973، “تموز يبتكر الشمس″ عام 1976. ومن بعد رحيله أواسط عام 1978 صدرت بقيّة أعماله الشعرية باهتمام بالغ ونوعي من قبل الأستاذ الراحل عزيز السيد جاسم.

انطباعات وخسائر

لا تشبه قصائد الحصيري الملتزم بالعمود الشعري قصائد المتنبي أو الجواهري رغم تعلّقه بهما، كما لا تشبه نصوصه قصائد عروة بن الورد رغم تمسكه بصعلكة بن الورد، وهو في شعره أقرب ما يكون إلى قصائد عمر أبي ريشة وبدوي الجبل منه إلى أي تجربة أخرى، وفي سعيه لتمييز تجربته حاول تخليص مفهوم العمود الشعري المتوارث من تقريريته ومن الحشو النظمي الحماسي الخطابي إلى جهة ابتكار الصور الشعرية بصياغات نفسية وفلسفية معاصرة، مشحونة بالتمرد على الأساليب السابقة، وتستبدل وتستعير كل شيء باستقلالية الصورة الشعرية بعيدا عن السرد والحشو والتراكمية، برؤية درامية لنمط الصور الشعرية فقط وبلاغتها.

قصيدة الحصيري تعمل من أجل توسيع وتجديد مدياتها الدلالية مستندة على تجربة الإنسان في علاقته بالحياة، لتبلغ أقصى توحدها وتفاعلها الكوني، حتى وإن كانت تلك التجربة بأشد مشاهدها الواقعية ألما وتشردا وحرمانا وعوزا.

وهنا يتخلّص الحصيري عن عمد وسابق إصرار من السردية ومن استخدام الأسطورة والرمز. لقد عبث بالأساليب الشعرية المتعارف عليها كما عبث بحياته بإصرار العارف المنتمي إلى الحياة والطبيعة بنهج الصعلكة كموقف وبتجربة التشرّد إلى أبعد نقطة قادته إلى ميتة مختلفة أيضا.

لقد كانت دقائق الصحو عنده أكثر إيلاما من ساعات السكر والتشرّد، ففيها، كما يقول هو، ينتبه إلى وحشة المكان والوجوه وبؤس الحالة، فيهرب إلى أقرب سوق شعبي في الحيدرخانه ليبيع البنطلون الأسود الذي أهداه له أحد الأصدقاء مقابل ثمن ربعيّة، ليسترد البنطلون في اليوم التالي، ليعود يبيعه في اليوم الثالث وهكذا.

هذا الإصرار على مواصلة حياة الصعلكة في الحياة وفي الشعر مغامرة فريدة غير مفتعلة، جعلت منه ظاهرة استثنائية بكل شيء، بالأخص حين يرافقها الغرور والاعتداد بالنفس والمشاكسة والاعتراض على ما يراه باطلا، لذا لم يتقبّل الأكاديمي محمد حسين لغة مئات المقالات وعشرات الدراسات العليا التي صدرت عن شعر الحصيري لاحقا، والتي يتناولون فيها فقط إدمانه على الخمرة ونومه في الحدائق والبنايات المهجورة، ولم يتحدثوا فيها عن إدمانه للكتاب والبحث والتقصي منذ نعومة أظفاره، التي صنعت منه مثقفا نوعيا كبيرا أدمن التجديد والتمرد على كل ما سبقه كإدمانه على الخمرة لاحقا لأسباب أخرى، فلماذا يسلطون الضوء على تجربة الحصيري من باب أنه من بيئة ومدينة النجف، مدينة العمائم والحوزات الدينية ورجال الدين، وليس من باب موهبته الشعرية وفرادته وتميّزه، بمعنى أن تلك الصعلكة وهذا التمرّد لو كانا قد حصلا من فتى من أهالي الموصل أو بغداد أو البصرة، لكان الأمر لا يثير العجب ولا يلفت الانتباه.

أربعون عاما مضت على رحيل الفتى النجفي، ومازال التجاهل والإهمال ساريي المفعول إزاء أشعاره وحياته، وسيمر وقت طويل حتى تنتبه مدننا وعواصمنا ومؤسساتنا الثقافية الموغلة بالنسيان وسجلات الموت المجاني الجماعي إلى تجارب فذّة كتجربة الشاعر الحصيري.

التصنيفات : ادبية وثقافية
الكلمات المفتاحيه :