تكرار الإصابة بفيروس كورونا يثير تساؤلات العلماء

23 أكتوبر، 2020
143

هايدي ليدفورد

عندما تناقلَت وسائل الإعلام -خلال الشهر الماضي- خبر إصابة رجلٍ يعيش في هونج كونج بمرض “كوفيد-19” COVID-19 مرةً أخرى، بعد شهور من تعافيه من الإصابة السابقة، أبدَتْ عالمة المناعة أكيكو إيواساكي ردّ فعلٍ غير متوقَّع، إذ قالت: “الحقُّ أنني سعدتُ بسماع هذا الخبر إلى حدٍّ ما. إنه يُعَد حالةً نموذجية لطريقة عمل الاستجابة المناعية”.

وبالنسبة إلى إيواساكي، التي تعكف على دراسة الاستجابات المناعية التي يشنُّها الجسم ضد فيروس “سارس-كوف-2” SARS-CoV-2 في جامعة ييل بمدينة نيوهافن بولاية كونيتيكت، بدا أن تلك الحالة تدعو إلى التفاؤل؛ حيث إنّ الإصابة الثانية كانت بلا أعراض، وهو ما يشير -على حد قولها- إلى احتمال أن يكون الجهاز المناعي لدى هذا الرجل قد تذكَّر معركته السابقة ضد الفيروس، واستطاع أن يتصدى للإصابة الثانية، قبل أن تتسبب في إحداث ضرر بالغ.

لم يمضِ أسبوعٌ واحد، إلا وقد تبددت هذه السعادة؛ فقد أبلغ العاملون في قطاع الصحة العامة بولاية نيفادا عن وقوع حالة أخرى لتجدُّد الإصابة بالعدوى، غير أنها كانت مصحوبة هذه المرة بأعراض أشد ضراوة. فهل يمكن أن يكون الجهاز المناعي قد عَجَز عن حماية الجسم من الفيروس، بل وتسبَّب في مُفاقمة أضراره؟ علَّقت إيواساكي على ذلك بقولها: “لم تُسعدني حالة نيفادا”.

بالنظر إلى التقلُّبات الشديدة التي يمُوج بها عالَمُنا في ظل الجائحة، لا عجب أن تَشيع الروايات المتضاربة. وتُدرِك إيواساكي أنها لا تستطيع الوصول إلى استنتاجات قاطعةٍ بشأن الاستجابات المناعية طويلة المدى تجاه فيروس “سارس-كوف-2″، اعتمادًا على بضع حالات قليلة، لكنها، وغيرها من الباحثين، يتوقعون أن يشهدوا خلال الأسابيع والأشهر المقبلة ظهور المزيد من حالات تجدُّد الإصابة بالمرض، وهو ما قد يتيح لهم الخروج -في نهاية المطاف- بصورةٍ أوضح للظاهرة، وأكثر تفصيلًا.

ومع توالي ورود البيانات ذات الصلة بظاهرة تجدُّد الإصابة بفيروس كورونا، تستعرض Nature أبرز التساؤلات المطروحة في هذا الشأن، التي يسعى الباحثون إلى الإجابة عنها.

ما مدى شيوع ظاهرة تجدُّد الإصابة بالفيروس بعد التعافي منه؟

تردَّدَتْ على مدار الشهور الأخيرة أخبار عن ظهور حالاتٍ محتملة لعودة مرض “كوفيد-19” إلى المتعافين، غير أن النتائج التي توصَّل إليها الباحثون مؤخرًا هي الأولى من نوعها التي تستبعد -فيما يبدو- احتمالية أن تكون الإصابة الثانية مرتبطةً بالأولى، أو تمثل امتدادًا لها.

وسعيًا إلى إثبات أن كلًّا من الإصابتين تتمّ على نحوٍ منفصل، أقدَمَ فريقا هونج كونج ونيفادا -المشار إليهما آنفًا- على وضع التسلسل الجينومي الفيروسي لكلتا الإصابتين، الأولى والثانية. وانتهى الفريقان إلى أن ثمَّة فروقًا بين الإصابتين، كانت كافيةً لإقناعهما بأن الإصابتين إنما حدثتا بفعل نسختين متمايزتين من الفيروس.

ومع ذلك، في ظل وجود نموذجين فقط لحالات تجدُّد الإصابة بالعدوى، يظلُّ مدى شيوع هذه الظاهرة مبهَمًا. وبالنظر إلى أن عدد الإصابات المؤكدة بفيروس كورونا حول العالم قد بلغ 26 مليونًا، فلعله مما لا يثير القلق -حتى الآن- أنْ تظهر حالات قليلة من عودة المرض إلى المتعافين، على حد قول توماس جايسبرت، عالِم الفيروسات بالفرع الطبي لجامعة تكساس في مدينة جالفيستون، الذي يَعتقِد أننا في حاجة إلى قدر أكبر بكثير من المعلومات حول مدى انتشار ظاهرة تجدُّد الإصابة بمرض “كوفيد-19” بعد التعافي منه.

ولعلَّنا نلحظ أن بوادر هذه المعلومات المنشودة قد بدأت تلوح في الأفق؛ فطولُ مدة تفشِّي الجائحة من ناحية، وضخُّ مزيدٍ من الموارد من ناحيةٍ أخرى يلتقيان معًا ليُتيحا إمكانية رصد المزيد من نماذج تجدُّد الإصابة بالمرض، حيث إنَّ هناك مناطق ما زالت تشهد تفشّيات جديدة للفيروس، من شأنها أن تزيد فرص تعرُّض الأشخاص للإصابة مرة أخرى، كما أن إجراء الاختبارات صار أسرع وأكثر توافرًا.

وفضلًا عن ذلك، بدأ العلماء العاملون في مختبرات الصحة العامة في تلمُّس خطاهم، واستعادة توازنهم من جديد، على حد قول مارك باندوري، مدير مختبر الصحة العامة بولاية نيفادا، الواقع في مدينة رينو، وأحد أعضاء فريق نيفادا البحثي المشار إليه. فخلال الموجة الأولى من الجائحة، كان من الصعب أن نتخيل إمكانية تعقب حالات تجدُّد الإصابة بالفيروس، في ظل الضغط الهائل الذي تعرضت له مختبرات إجراء الفحوص. ويقول باندوري إن مختبره أتيحت له الفرصة -فيما بعد- لالتقاط الأنفاس، وإعداد التجهيزات اللازمة لوضع التسلسل الجينومي لأعداد كبيرة من الجينومات الفيروسية المأخوذة من اختبارات “سارس-كوف-2” الإيجابية.

ما مدى شدة الإصابة الثانية بالفيروس؟

خلافًا لموقف إيواساكي، التي سَرَّها سماع خبر عودة الفيروس إلى مريض هونج كونج، دون أعراض، لم يشعر جوناثان ستوي -عالِم الفيروسات بمعهد فرانسيس كريك الواقع في لندن- بالارتياح نفسه لدى سماعه هذا الخبر. يرى ستوي أنَّ من الصعب الخروج باستنتاجات من حالة واحدة، ويقول: “لست أدري إنْ كانت هذه الحالة تحمل أي دلالةٍ على الإطلاق، أم لا”. ويشير إلى أن شدة الإصابة بمرض “كوفيد-19” تتفاوت تفاوتًا هائلًا من شخص إلى آخر، بل وربما تتفاوت من إصابة إلى أخرى لدى الشخص الواحد. كما أن هناك متغيرات من شأنها أن تؤثر في شدة الإصابة الثانية، من بينها الحِمل الفيروسي الأوَّلي، والاختلافات المحتملة بين سلالات الفيروس، والتغيُّرات التي تطرأ على الحالة الصحية العامة للشخص.

وتجدُر الإشارة -في هذا الصدد- إلى أنَّ من الأهمية بمكان التحقق مما إذا كانت “الذاكرة المناعية” عاملًا مؤثرًا في حدَّة الأعراض المصاحِبة للإصابة الثانية بالمرض، أم ليست عاملًا مؤثرًا، لا سيّما عندما يتعلق الأمر بتطوير اللقاح. فإذا ثبَتَ تراجُع الأعراض بصورة عامة في الإصابة الثانية، فإنّ ذلك يدلُّ على أن الجهاز المناعي يستجيب كما ينبغي.

أما إذا لوحظ –على نحوٍ منتظم- أن الأعراض المصاحبة للإصابة الثانية بمرض “كوفيد-19” أكثر حدَّة من الأولى، فربما يشير ذلك إلى أن الجهاز المناعي يسهم في مُفاقمة حدة تلك الأعراض، وذلك على حد قول جابرييل بيلز، اختصاصية علم المناعة بجامعة كوينزلاند، ومعهد “والتر آند إليزا هول” للأبحاث الطبية، الذي يقع مقرُّه في مدينة ميلبورن بأستراليا. فعلى سبيل المثال، يستفحل بعض الأعراض المرتبطة بالإصابة بمرض “كوفيد-19” بفعل الاستجابات المناعية العنيفة التي تدمر الأنسجة السليمة. وتذكر بيلز أن الأشخاص الذين عانوا من تلك الاستجابات العنيفة خلال إصابتهم الأولى قد تحتوى أجسامهم على خلايا مناعية مهيَّأة للاستجابة خلال الإصابة الثانية بقوةٍ لا تتناسب مع حجم تلك الإصابة.

وثمة احتمالية أخرى، مفادها أن الأجسام المضادة التي ينتجها الجهاز المناعي لصدِّ هجوم فيروس “سارس-كوف-2” تساعد الفيروس خلال الإصابة الثانية، عِوضًا عن مقاومته؛ فيما يُعرف بظاهرة التعزُّز الفيروسي المعتمِد على الجسم المضاد. وهي ظاهرة نادرة، غير أن الباحثين اكتشفوا دلائل مثيرة للقلق على وجودها أثناء محاولتهم تطوير لقاحات ضد فيروسَي كورونا المسبِّبَين للمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (سارس)، ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرس).

ما دلالة ذلك على اللقاحات؟

جرت العادة على أن تكون اللقاحات الأسهل تطويرًا هي تلك المكافِحة للأمراض التي إذا ما أصيب بها الشخص مرة، فإنه يكتسب مناعة دائمة ضدَّها، حسبما أوضح ريتشارد مالي، أخصائي أمراض الأطفال المُعدية بمستشفى بوسطن للأطفال في ولاية ماساتشوستس. ومن أمثلة تلك الأمراض: الحصبة، والحصبة الألمانية.

ويستدرك مالي قائلًا إن احتمال عودة الإصابة بفيروس “سارس-كوف-2” لا يعني عدم فاعلية اللقاح المنتظَر؛ فبعض اللقاحات يتطلب جرعاتٍ “معزِّزة” للمناعة، على سبيل المثال، لضمان استمرارية الوقاية. ويعقب بقوله: “ينبغي ألا يكون ذلك مدعاةً للخوف، أو أنْ يُوحِي بعدم إمكان التوصُّل إلى لقاح، أو استحالة تكوُّن المناعة الطبيعية”.

ويرى مالي أنه في ظل المصاعب التي يواجهها مسؤولو الصحة العامة في سبيل حل الإشكاليات اللوجستية المرتبطة بتقديم اللقاح لجميع سكان العالم، لا شك أن الحديث عن جرعة معزِّزة لن يكون أمرًا مرحبًا به، لكنها -في المقابل- ستزيد فُرص تكوُّن مناعة ممتدة ضد فيروس “سارس-كوف-2”. وعلى الرغم من ذلك.. يخشى مالي من احتمالية أن تقتصر اللقاحات على خفض الأعراض المصاحِبة للإصابة الثانية، بدلًا من منع حدوثها من الأصل، وهو ما قد يُحوِّل الأشخاص المحصَّنين باللقاح -في واقع الأمر- إلى حاملين للعدوى، دون أن تظهر عليهم أعراض، مما يهدد الفئات الأكثر عرضة لأخطار المرض.

ولذلك، يحرص مالي على مطالعة البيانات التي تُنبئ عن كمية الفيروس التي “ينشرها” المرضى عند إصابتهم به مرةً ثانية. ويقول: “يمكن لهؤلاء المرضى أن يكونوا بمثابة مستودعٍ كبير لتفشي فيروسات مستقبلية”، مُضيفًا: “إننا بحاجةٍ إلى أن نقترب من فهم تعقيدات هذا الأمر في المرحلة التالية على تعرُّض الأشخاص للعدوى الطبيعية، وتلقِّيهم اللقاح، إذا ما أرَدْنا الخروج من هذا المأزق”.

التصنيفات : تقارير علمية
الكلمات المفتاحيه :