وليم هيوول ومكانته في فلسفة العلم في القرن التاسع عشر

28 أكتوبر، 2020
1277

د. محمود محمد علي

في هذا المقال نختم حديثنا عن مناظرة جون ستيوارت مل مع هيوول؛ حيث  يمكن القول بأنه: عندما قرأ جون ستيوارت مل كتاب فلسفة العلوم الاستقرائية لوليم هيوول، قرر أن يناظر هيوول حول القضايا الجديدة التي صاغها في كتابه وقد سجل مل تلك المناظرة عبر فصول كتابه ” نسق المنطق” system logic،ثم قام هيوول بالرد علي تلك المناظرة، وذلك في الجزء الثالث من فلسفة العلوم الاستقرائية والمسماة بفلسفة الكشف .

نبدأ أولاً: بالخلاف حول كلمة الاستقراء فقد اتفق كلا منهما مبدئيا علي استخدام الكلمة للدلالة علي أي إجراء علمي يبدأ من وقائع خاصة ومحدودة وينتهي بقضية عامة سواء علي تلك الحالة موضع البحث أو علي غيرها وعلي استخدام كلمة الاستقراء أيضا علي عملية ملاحظة النظريات ككل وعملية ربطها معا .

وإذا كان مل وهيوول اتفقا حول معني الاستقراء، إلا أنهما اختلفا حول الأمثلة التي يقدمها كل منهما، فمل يري أن الاستدلال القائل: ” كل البشر فانون ” المشتق من القضية ” بيتر وجون وبول …. الخ فانون “، هو مثال للاستقراء . إلا أن الإجابة المفاجئة هو أن هيوول استدل علي أن ” كل ما ينتمي إلي ب من القضية القائلة ” كل ما يمكن ملاحظته لـ أ يمكن ملاحظته لـ ب  ” وصف لا يتوائم مع الاستقراء .

ويشرح هيوول ديناميكية أمثلته التي يعطيها للاستقراء قائلاً ” أنه قد يبدو أن الأمر يتكرر تخيله  بأن القضية العامة ناتجة عن وضع الحالات جنبا إلي جنب أو من خلال ربطها وتمديدها معا . ولكننا إذا أخذنا بعين الاعتبار تلك العملية بصورة أكثر دقة، فسوف نجد أن كل ما سبق وصف غير كافي . الوقائع الجزئية معا هكذا، ولكن هناك عنصر جديد يضف للمزيج في كل حركة من حركات الفكر، ولعل تلك العناصر هي ما تجعلها متجمعة. هناك مفهوم متقدم في القضية العامة ولا يوجد في أي من وقائع الملاحظة  .

ويترتب علي ذلك أن مفهوم الاستقراء في تصور مل يختلف عن تصور هيوول له، فهيوول يصر علي أن في كل عملية استقرائية تحمل بداخلها ما لا تقدمه الظاهرة، وإنما ما يقدمه العقل أيضاَ، وما يقدمه العقل لا تستطيع الظاهرة تقديمه، ألا وهو تقديم الفكرة العامة والمفهوم الجديد في كل مرحلة ضروري للوقائع، فهو الذي يجعلها تقفز سوياً لتصل إلي مرحلة القضايا العامة، والتي يتكون منها العلم .

ويصر هيوول أيصاً علي أن أي استقراء حقيقي لا بد من أن تكون الوقائع معروفة، ولكنها معزولة Insulated وغير مترابطة unconnected في البداية … اللؤلؤ Pearls موجود هناك في انتظار شخص ما يأتي ليربطه في الخيط ليصنع حلية مترابطة .

وهنا اللؤلؤ علي حد تعبير هيوول هي معطيات الملاحظة     Data والموجود بالفعل مسبقا، والخيط String هو المفهوم الجديد الذي يربط ويوحد تلك المعطيات . والقضية ” كل البشر فانون ” هي قضية لا يصنفها هيوول تحت مفهوم العام، فهي لا تضم مفاهيم جديدة لـ ( البشر / و / صفة الفناء) فهي لا توصف بأنها موجودة في أي من وقائع الملاحظة.

أما القضية ” كل أ هو كل ب ) تحمل قضية تندرج تحت العام . وللتوضيح أكثر نضرب المثال الآتي ” كل الكواكب تدور حول الشمس ” قد يكون المفهوم السابق نتيجة لاستقراء حقيقي خاصة إذا كان مفهوم الدوران حول الشمس، قد جاء ليقدم خصائص شائعة وعامة لكواكب معينة، نعم قد تدور حول الشمس، ولكن ليس من خلال الاستخدام الفعلي لنفس المفهوم . الاستقراء لا يعرف من خلال نتيجة العملية ولكن من خلال العلاقة بين المقدمات والنتيجة .

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة، وهي أن مل قد اتفق مع هيوول في كل شئ بشأن ربط الوقائع، فيما عدا إصرار هيوول علي أن ربط الوقائع جزء ضروري وأساسي في كل استقراء . مل اتفق علي الربط أمر مشترك و شائع في العلم . كما اتفق أيضا علي أن المفاهيم تضاف من خلال عقول العلماء . ولكن علي خلاف هيوول ، يري مل أن الربط يأتي في مرحلة واحدة، وهذه المرحلة سابقة علي الاستقراء، وفي تلك المسألة يكمن الخلاف بينهما .

يفترض أن هيوول اخطأ فيما يتعلق بالعملية النموذجية للاستقراء، إذ يعتمد الاستقراء عند هيوول خاصة علي تقديم مفهوم جديد . وهذا خطأ في رأي مل لأنه يخلط بين أمرين مختلفين هما الاختراع والبرهان، وفي هذا يعارض مل بشدة كل ما يخص الاستقراء من حيث النظر إليه يوصفه وسيلة لاجتلاب مفهوم جديد . ويقول مل في ذلك أن المفهوم الجديد يمكن الإتيان به بشأن نتيجة استقرائية، وبذلك يتساوي كل من الوصف والاستقراء، ولا تتم التفرقة بين الوصف وبين الاستقراء إلا بسبب خاصية علي شئ غير مرئي ابتداء من شئ خاضع للملاحظة . خذ هذه القضية مثلا:” كل إنسان فان “، إنها بالتأكيد عبارة عن نتيجة استقرائية، وبرغم ذلك فهي لا تقدم أي مفهوم جديد .

ومن ناحية أخري يري مل أن المفهومات غير المتصورة لا يمكن إدراكها إلا من خلال الأشياء وخلال الإجراءات التي تؤدي إلي تكوينها فهي تملك إذن دلالة فاعلية، ومن الصحيح أن مثل هذه العمليات الوصفية البحتة تستلزم إزاءها مفهوما ذهنيا، إذ يقوم المفهوم في عقلنا لا في الواقع، ولكن برغم ذلك لا بد في المفهوم من شئ متصور . وإذا لزم أن يوافينا المفهوم ببعض المعرفة الخاصة بهذه الوقائع لزم أن يكون مفهوما ” عن شئ ” ما موجود حقيقة بين الوقائع أو عن خاصية بهذا الشئ يملكها فعلا ويبديها لحواسنا إذا كان من طبيعة هذا الشئ أو هذه الخاصية أن يؤثرا علي حواسنا .

ولا يتجاهل مل دور مفهوماتنا في دراسة الوقائع، ولم يعارض أحد في أن البرهنة علي شئ تقتضي وجود مفهوم ذلك الشئ، وعندما نشمل عدا من الأشياء في تعبير عام يكون مفهوم شئ ما مشترك في كل هذه الأشياء – متضمنا في التعبير، ولكن لا يلزم عن ذلك إطلاقا أن يكون المفهوم سابق الوجود ولا أن يكون المفهوم قد تكون في الفكر بغير مواد خارجية . ويجب أن يكون مفهوم الاهليج قد خطر علي فكر كبلر قبل أن يكون قد تعرف علي مدار الكواكب السيارة بشكلها الاهليجي .

ويري مل إذا كان هيوول يؤكد علي أن المفهوم يشبه شيئا مضافا إلي الوقائع، ويوحي كلامه من بعد بأن كبلر قد وضع شيئا في الواقع بطريقته في تصورها، غير أن كبلر لم يفعل شيئا من ذلك، وكان الاهليج قائما في الوقائع قبل أن يتعرف عليه كبلر تماما، كما أن الجزيرة جزيرة قبل أن ندور حولها، ولم يسقط كبلر علي الوقائع ما فكر فيه، ولكنه أسقط عليه ما رآه فيها، ولا شك أنه لا يوجد اختلاف من حيث طبيعة ما نراه  وما نتصوره، فالمفهوم شبيه بالإدراك . ولكن تعقيد التفصيلات التي يلزم وصفها فيما يتعلق بالمفهوم أكبر بكثير من التعقيد الذي يلزمنا استشعاره إزاء الإدراك: فمثلا إذا تركت الكواكب خلفها أثر مرئيا في الفضاء وكان المراقب قادرا علي رؤية أجزائه بأكملها علي التوالي لا دفعة واحدة – فسيكون قادرا بفضل المواءمة بين ملاحظاته المتقطعة، علي أن يكتشف أن المدار اهليجي وأن الكوكب يتحرك في مدار اهليجي في وقت واحد، ولا فرق بين هذا المراقب وبين الملاح الذي يكتشف أن قطعة أرض جزيرة في الواقع بمجرد دورانه حولها .

ولن يعارض أحد كما يقول مل في أنه إذا كان الطريق بالكواكب مرئيا في الفضاء فسيتم تقرير الهوية بينه وبين الاهليج عن طريق تعمد وصفه، وعلي ذلك فعلي الرغم من أن المدار لم يكن مادة حسية مباشرة فقد كانت كل نقطة من نقاطه قابلة للتحديد الدقيق كما لو كان ذلك المدار مادة حسية مباشرة، وهذا من شأنه أن يذلل من ثم عملية العثور علي تفصيلات ذات دلالة فيما يتعلق بالمفهوم في إطار العمليات الخارجية التي تشير إلي الوسائل التي يمكن عن طريقها تكوين المفهوم ذاته .

من علي صواب بشأن الأمثلة العلمية ؟ فهيوول ومل قد تناقشوا وتجادلوا حول الطبيعة الدقيقة لاكتشاف كبلر، حيث يبدأ كبلر بملاحظة وضع حركة المريخ بالنسبة للشمس في أوقات مختلفة . وتلك الملاحظات يجب أن ينظر إليها علي أنها تمثل نقاط مبعثرة حول الشمس التي استنتج منها كبلر علي أن المدار الذي يدور فية المريخ اهليجي. هل يمكن أن يكون هذا المثال مصاغ علي أنه مثال للاستقراء بالمعني الذي تصوره مل ؟ هيوول ومل أتفقوا علي أن نتيجة الاستدلال الذي يقول أن ” كل النقاط المتمثلة في مدار المريخ تقع في الاهليج  ب، حيث ب تمثل اهليج     معين “. ولذلك في هذا المثال فإن التنبؤ بـ أ، معناه وضع المريخ، والتنبؤ بـ ب معناه أنه يقع في الاهليج ب .

ولكن مل أصر علي أن الوصف جزء من العملية والعملية التي تصف تلك النقاط علي أنها تقع في الاهليج ب تحدث بشكل سابق علي الاستقراء ذاته . معني هذا أنه قد قال بأن معطيات الخاصة بصورة الاستدلال تحدث في الوقت س1، والمريخ يقع في الاهليج ب وفي زمن س 2، والمريخ يقع في الاهليج ب وهلم جرا . ومن الملاحظ أنه بالنسبة لمل فإن التنبؤات التي تظهر في القضية العامة تظهر أيضا في وصف المعطيات، ولذلك فإن الاستدلال يكون منبثق من تلك القضية ” كل ما يمكن ملاحظته أنه ينتمي إلي أ، فإنه ينتمي إلي ب ” بالنسبة للنتيجة ” كل أ هو ب” .

أما هيوول فيصر علي أن مفهوم الاهليج مقدم أثناء   الاستقراء . وبالنسبة لهيوول فإن المعطيات لا تصف استخدام مفهوم الاهليج، وإنما تصفة في معاني لها أفكار أولية مثل ” الوضع ” و ” الزمن”، ففي زمن س1 فإن المريخ يكون في الوضع ص1 وفي الزمن س2، والمريخ في الوضع ص 2.. وهلم جرا. وهنا في تلك اللحظة فقط الوقائع تتجمع معا من خلال مفهوم الاهليج، بحيث يبرز من خلال ذلك القضايا العامة التي منها يتكون العلم .ولذلك فإن النتيجة التي توصل إليها كبلر ليست مجرد ” توحد للأجزاء ” أو مجرد جمع للوقائع ” Collection of prticulars .أو الملاحظات المختلفة البسيطة، لأن الملاحظات لا تحتوي علي تصور الاهليج وأن كبلر لم يلاحظ مطلقا مثال التعميم . الأمثلة والشواهد قد يستدل عليها من التعميم بعد الاستقراء الذي قد اكتمل . وأمثلة التعميم هي الكتل التي تبني الاستقراء وتمثل النواتج العرضية للاستقراء . والنظام الذي توصل إليه ما كان خاطئاً وكذلك فهمه للتاريخ كان  فهما خاطئاً .

وإذا كان مل يري أن خاصية وقوع الاهليج ب مستدل عليها من البيانات والمعطيات من تلقاء نفسها، ليس في الأمر جديد أضفناه، ومن ثم كان تأكيده علي أن كبلر لم يضف ما تخيله علي الوقائع، ولكن شاهد هذه الوقائع بما فيها من خصائص .Kepler did not put what he had conceived into the facts، but saw it in them ، ” نعم المفهوم موجود هناك في الوقائع ” قالها هيوول، ولكن هل يوجد ذلك المفهوم من تلقاء ذاته، وإن وجد فهل يفهم بدون مجهود ؟ لقد وجد كبلر مفهوم الاهليج داخل الوقائع التي لاحظها، لنه كان يوجد بداخلها دون شك لسبب ما، ولكن أيضا لسبب آخر قد حمل بعقله تلك العلاقات والملكات التي جعلته يدرك هذا المفهوم ويحل شفرته . أما مل فلا يعطينا إجابة مقنعة  ؛ حيث يفترض أن   يفترض جون مل أن المسار المريخي ليس علي شكل اهليج بمعني الكلمة، فربما أخفق نيوتن أو اخفق كبلر عندما جمع مل بين نيوتن وكبلر، إلا أن هيوول وبذكاء شديد لا يتخذ من افتراض مل فرصة للهجوم   عليه، فهيوول لا يترك مساحة لاحتمال وجود خطأ في الاستدلال الاستقرائي أو مجرد وجود خطأ في الفرض، وحتي لو وجد هل الخطأ فإنه لا يمثل مشكلة بقدر ما قد يمثل هذا الخطأ دور إيجابي فيمل يقول هيوول فيما بعد .

علي أية حال يقول هيوول ” إن القول الذي يجب ان نتذكره دوما هو أن الفرض سيكون دائما في خدمة العلم، حتي وإن كان يحمل نصيب من النقصان وعدم الاكتمال، بل وحتي إذا كان خاطئا، فإنه يستحق منا الاهتمام به، وهل الاهتمام يتمثل في تجميع هذه الوقائع وفرضياتها معا، ليصبحوا في نسق واحد، ومن ثم فسيخرج وبصورة أوتوماتيكية الفرض الخاطئ، سنستبعده، بل سيستبعد نفسه عندما نفسر الظاهرة وفرضياتها، وبالأحرى عندما نربط أطرافها معا “.

وبعد هذه الجولة السريعة من عرض مكانة وليم هيوول في فلسفة العلم في القرن التاسع عشر، فإنه يمكننا أن نخلص إلي أهم النتائج، وذلك علي النحو التالي:

1- إذا كان وليم هيوول قد هيأ  نفسه ليكون تابعا لفرنسيس بيكون في منهجه الاستقرائي، إلا أنه كان مطالبا بإعادة إحياء منهج بيكون في الاستقراء علي أن هناك دائما عنصر جديد يضاف إلى مجموعة المراحل الفكرية، لكل حركة عقلية مجردة من هذه المراحل الفكرية المجتمعة، هذه الحركة العقلية كما يقول هيوول هي عملية ” التأليف”، وهو يشرح هذه العملية العقلية بتجميع عدد من الحقائق التجريبية و” تأليفها” ليكون مفهوم يجمع هذه الحقائق و ويوحدهم تحت قانون عام، وهذا المفهوم هو فكرة الفرض العلمي.

2-  إن الفلسفة العامة للعلم عند هيوول  تتصف في ملامحها العديدة بأنها حديثة علي نحو قوي . فقد اهتم هيوول ولكن علي نحو غير بدائي بما يشار إليه الآن علي أنه منطق العلم وتوقع الروابط الصورية بين أجزاء الأنساق العلمية الكاملة .وقد حاول هيوول أن يصوغ  القواعد العامة لمنهج البحث العلمي، وبالأخص الاهتمام بالقواعد المنتجة والمعتمدة حقا من قبل نتائج العلماء، خاصة وأن مثل هذه التعميمات المنهجية تنتج منطق العلم . كما حاول هيوول أن يقدم لنا أعمالاً ابستمولوجية كانت مثار إعجاب واهتمام الفلاسفة المعاصرين، وهذه الأعمال كشفت عن مصداقية النتائج العلمية .

3- بالنسبة لهيوول، بمجرد أن تخرج النظرية إلى حيز الوجود من خلال “إستقراء” الباحث، لابد وأن تعبر العديد من الاختبارات الأستنتاجية قبل اعتبارها مؤكدة كنظرية مبنية على الاختبار والملاحظة، وهذة الاختبارات هي مجرد سلسلة من التنبؤات المترابطة منطقيا، هذا التصنيف من خلال هيوول قصد بة أولا أن يكون الفرض هو الظاهرة المتكهن بها التي لم تلاحظ بعد، وثانيا أن يكون فهم وتحليل هذة القضايا بطريقة مختلفة عن تلك التي تكون بها الفرض في بدايتة من خلال تأملنا وتنبؤنا، فالأمر الآن مختلف في هذة المرحلة عن سابقتها، وثالثا وهو الأهم ان تصبح الفرضيات التي نطرحها أو طرحناها أكثر تماسكا عبر الوقت وإلا فهناك خلل

4- أحد المواضيع الهامة التي تشغل بال فلاسفة العلم الآن وسابقا هي العلاقة بين العلم كممارسة وكتأريخ وبين الكتابة في فلسفة العلم، ولعل إهتمام هيوول بذلك الجانب إنما يرجع إلى كونه أحد الممارسين للعلم وأحد المؤرخين له والكاتبين في فلسفة العلم أيضا، والبؤرة تتضح في كتابة تاريخ العلوم الاستقرائية كانت مسحة تاريخية حول العلم منذ القدم وحتى عصرة، معتمدا معرفة العلم من خلال تاريخه، ولعل كتاباته ومقالاته ودراساته في مختلف الفروع هي أكبر دليل على ذلك بل وله أهمية كبرى. إذا إلى أي مدى تظهر أهميته في فلسفة العلم؟

5-  عندما قرأ جون ستيورت ميل كتاب فلسفة العلوم الاستقرائية لوليم هيوول قرر أن يوسع بحثه عن منطق الاستنباط ليتضمن كتابا عن المنطق الاستقرائي . ومن ثم فقد جمع ميل كل ما يمكن أن يعطيه إحساسه تجاه ويل الذي كان يمثل في تلك المرحلة واحدا من أكثر مؤرخي العلم . ولقد كان كتاب ميل المسمي system logic بمثابة البذرة المنطقية لفلسفة هيوول العلمية التي هبت عليها بعض الرياح فأزاحت بعيدا تلك القشرة عن كل ما غير منطقي أو علي الأقل كان هذا يعد اعتقاد الذين لم يفهموا الأجزاء التي كان يتحدث فيها هيوول والتي ظن البعض أن ميل قد رشحها له . ومن ثم يمكن القول بأن كتاب system logic يعد بداية الخلاف ثم تشعب هذا الخلاف ليشمل نقاط أخري ولعل من أهمها المنهج المتبع في العلم، وقد وصف المنهج الفرضي الاستنباطي عند ميل بأنه يكاد يقترب في محتواه مما عرض في فلسفة العلوم المعاصرة ولما كان ميل يعد رجلا من رجال المنطق فقد نظر للغة علي أنها وعاء لخبرات الإنسان السابقة وبأنه علي الرغم من أن لغة العلم خصبة إلا أنها يجب فصلها عندما ننظر للعمليتين داخل العلم كعلم وكإجراءات علمية . وقد كانت وجهة نظر هيوول مختلفة فقد نظر للغة بأنها أحد عوامل التتابع والمقدمة التي يجري الاستفادة منها وأخذها في الاعتبار عند عرض مفاهيم جديدة أو لشروح قديمة علي أنها خطوة لحل جزء من تلك المعضلة، ولقد كانت الاختلافات السابقة بين هيوول وميل تقودنا إلي خلاف حول المنهج والنسق ولنظام الذي يجب أن يتبعه أي إجراء علمي وشكل بذلك سلسلة من القضايا .

6-  وهيوول اعترف أيضا أن تاريخ العلم يحتوي علي العديد من الأمثلة للفروض الكاذبة التي قامت ببعض التنبؤات الصحيحة ( مثل نظرية الفوجستون)، ولذلك فهو لم يعتقد أن القدرة التنبؤية المحددة تكفي لاقتناعنا  بصدق الفرض . وحين يجتاز الفرض أكثر من اختبار صارم، فإن ربط ارستقراءات طبقا لهيوول تمثل البينة التي تقودنا إلي إثبات أن النظرية صادقة .

الاختبار الثالث: ربط الاستقراءات تمثل البينة الأكيدة علي مصداقية الفرض في أكثر من طرفين هما: حين يمكننا الفرض من تفسير وتحديد الحالات التي من نفس النوع تكون مختلفة عن تلك التي تأملناها في تشكيل فروضنا .

حين نفسر اثنين و أكثر من الأنواع المختلفة للظاهرة، كدوران الكواكب وسقوط الأحجار ومبادرة الاعتدالين . فإن هذا يؤدي بنا إلي نفس السبب، ومثل هذه الصدفة، تضفي واقعية للسبب . وفي الحقيقة لدينا في مثل هذه الحالة “

7- إن هيوول شأنه شأن كارل بوبر أراد أن ينكر الدور الاستقرائي للملاحظة وذلك من أجل حفظ كيان العقل والقوي الخلاقة ويرفض أن يحيل أن يحيل الإنسان إلي آلة صماء، تقصر عملها علي تسجيل انطباعات التجريب، وتعمم نتائجها لتصل إلي القانون . وكأن الإنسان حسا فحسب وليس حسا وعقلا وقدرات علي الابتكار العلمي والخلق الفني … وسائر مكونات العالم الثالث . هذا درس عميق للتجريبين و وقد نصت كتابات بوبر علي أنه يناصبهم العداء . أولئك الذين بالاحتفاظ بالمدركات الحسية خالصة صافية بقدر الإمكان بلا اضافة أو نقصان، فتكون بهذا المعرفة اليقينية حتي جاء كانط ليقول لهم: ” المعطيات الحسية لا تشكل إلا المادة الخام “.

8- أن مفهوم الاستقراء في تصور مل يختلف عن تصور هيوول له، فهيوول يصر علي أن في كل عملية استقرائية  تحمل بداخلها ما لا تقدمه الظاهرة، وإنما ما يقدمه العقل أيضا، وما يقدمه العقل لا تستطيع الظاهرة تقديمه، ألا وهو تقديم الفكرة العامة والمفهوم الجديد في كل مرحله والمفهوم الجديد ضروري للوقائع، فهو الذي يجعلها تقفز سويا لترتع إلي مستوي القضايا العامة والتي يتكون منها العلم.

9- هناك بعد حدسي يميز فكرة هيوول، وهو أن الاستقراء الحقيقي هو استدلال للتفسير الجيد، وهذا التفسير يجب أن يقدم الأسباب النظرية التي توحد وتوضح وقائع الخبرة. ” كل البشر فانون” لا تفسر لماذا جون وبيتر وبول فانون بالمعني المعقول، بينما ” كل الكواكب تدور حول الشمس ” تفسر تكون الحركة الرجعية للكواكب البعيدة جدا عن أنظارنا موجودة، ويمكن تحديد السبب استقرائياً، ولذلك فإن الاستقراء عند هيوول ينزع نحو أفضل تفسير ممكن ونحو أكثر واقعية، إلا أنه يتطلب شرحاً أكثر لعناصره  الاستقرائبة .

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

التصنيفات : فلسفية وفكرية