تجديد المشروع الحضاري الإسلامي: سيف عبد الفتاح نموذجًا (ج 1)

29 أكتوبر، 2020
1444

هاني الأزهري

مقدمة

تعالج هذه الدراسة قضيةً مركزية تتعلق بالظاهرة الكبرى التي تشغل الأذهان منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، أعني قضية (الإسلامية والإسلاميين) وأثرها في التحولات الكبيرة المتصاعدة في العالم العربي والشرق الأوسط، وانعكاساتها المقلقة في النطاق العالمي.

يحاول البحث أن يقدم إجابات جادة عن أسئلة ملحة ثارت في الأذهان، وتَصاعَد الاهتمام بها بالتزامن مع الاهتمام المتزايد بالظاهرة الإسلامية ومنتجاتها وفي القلب منها: (المشروع الحضاري الإسلامي) الذي كثر الحديث عنه بعد الثورات العربية، وهي الثورات التي كان للإسلاميين –الداعين إلى هذا المشروع- دور بارز في أثنائها وفي المراحل التي أعقبت سقوط الحكام الذين ثاروا عليهم، ثم ازدادت أهمية المشروع الحضاري الإسلامي بعد أن وصل الإسلاميون إلى سدة الحكم في بعض دول الربيع العربي، وصار مشروعهم أمام اختبار تاريخي صعب.

وقد أسفر الاختبار في بعض هذه التجارب عن أزمةِ (ضعفِ جاهزية) نبَّهت المهتمين بالشأن الإسلامي إلى أوجه من القصور تعتري المشروع، أو -بعبارة أخرى- تعتري تصورات الحاملين للمشروع عن المشروع والقضايا الملتصقة به، ما دعا إلى ضرورة إجراء مراجعات ترشيدية تجري على ضوء خبرة هذه التجارب المؤلمة، فجاءت هذه الورقة -في هذا السياق النقدي- خاتمة لمشروع ترشيدي لتطرح قضية: (تجديد المشروع الحضاري الإسلامي) من خلال القراءة في أطروحة تجديدية لنموذج حيٍّ قدم رؤية رصينة في خدمة هذا المطلب الإصلاحي العاجل، أعني: الأستاذ الدكتور/ سيف الدين عبد الفتاح في رؤيته التجديدية للمشروع الحضاري الإسلامي الكبير والقضايا المتعلقة به.

أهمية هذا الموضوع وفائدته:

أولًا- تظهر أهمية هذا البحث أساسًا ببيان وجه الاحتياج إلى موضوعه: (تجديد المشروع الحضاري الإسلامي).

وقد بين الدكتور سيف الدين وجه احتياج الأمة لمشروع حضاري مجدَّد فقال: ((تحتاج الأمة -في ظل الظروف القاسية التي تمر بها والتحديات التي تحيطها- إلى مشاريعَ حضاريةٍ راقية تحفظ لها كيانها السياسي، ووجودها الاقتصادي والعسكري، وقرارها الأساسي في نموذجها التنموي والسياسي، وثروتها التراثية والفكرية والثقافية، وتضمن لها جيلًا واعيًا راشدًا جامعًا بين الوعي والسعي [1])).

ومشروع يحفظ للأمة مقدراتها، ويصنع لها الأجيال الواعية الحاملة لهذه للرسالة.. لا يمكن إلا أن يكون مدروسا بعناية، مصوغًا بإحكام، ويشارك في إنجازه كلُّ حرٍّ غيور على هذه الأمة، ولا يخفى أن البحث الجادَّ من أهم الوسائل التي تعين على تحقيق هذا المطلب، لا سيما إن كان الموضوع هو التجديد الذي يستعيد به المشروع عافيته، ويستمد قدرته على مواصلة البناء العمراني الحافظ. وبهذا يُرجَى أن يكون البحث قد قدم إسهاما مقبولا في خدمة قضية: (البعث الحضاري المنشود).

وتظهر أيضا أهمية هذا البحث في أنه يحاول أن يخدم قضية التجديد الإسلامي -عموما، وتجديد المشروع الإسلامي خصوصا- من خلال القراءة في نموذج تجديدي معاصر قدم إسهامًا فكريا رصينا استحق به أن يكون جديرا بالدراسة؛ إذ جاء مازجًا -مزجًا بديعًا- بين مشاربَ فكرية مختلفة المصادر، متنوعة المرجعيات، وعمِل على توظيفها –أكاديميًّا وتعبويًّا- في محاولة إخراج الأمة من ورطتها الحضارية شديدة البأس. وبهذا المنحى البحثي تلافت الدراسة حديثا معتادا عن التجديد بات ممجوجا؛ لسطحيته ودورانه في فلك أفكار مكررة لم يعد فيها ما يثير القارئَ النهِم.

كما سيأتي بيان العناية بقضية: إعادة صياغة المفاهيم الإسلامية الأصيلة؛ لتحريرها من غبش الصياغة الحداثية التغريبية التي أعادت تشكيلها بما يفرغها من جوهرها الإسلامي، وبهذا يكون البحث قد أسهم في تحقيق مطلب (مقاومة الاستلاب الحضاري)، فهو بحث مقاوِم يستمد من مشروع مقاوم صاغه رمز من رموز (الممارسة الكفاحية) [2] في سياق أزمة حضارية باتت تتحدد قيمة المرء فيه بمقدار ما لديه من نضال في سبيل نصرة الحق.

كما يحاول البحث الإسهام في إثراء المنهجية الإسلامية الضابطة لعملية (الوصل التفعيلي) بين المرجعية التراثية والحضارية للأمة وبين واقعها المأزوم، وسيأتي مزيد بيان لهذا المعنى.

مشكلة البحث:

الفرضية الأساسية التي يناقشها هذا البحث هي: مدى جدوى المشروع الإسلامي وإمكانيته في ظل واقع عالمي (عوْلمي) صاغته يد الحداثة العلمانية التغريبية، وباتت تتحكم في مفاصله منذ حقبة الانحدار التي دخلت فيها الأمة العربية الإسلامية بعد شيخوخة الوحدة الجامعة، وانفراط عقد العالم العربي والإسلامي، وصيرورته إرثا استعماريًا، ثم هو لا يزال يقاوم -على المستوى الشعبي- مخلفاتِ هذا الاستعمار، خاصة السياسية والفكرية، وتتصاعد مقاومته كلما ازداد بصيرة بأن أسوأ مخلفات هذا الاستعمار هي تلك الكيانات الاستبدادية الشائهة التي تحول بين الجماهير العربية والإسلامية وبين حلم النهضة والتحرر الحقيقي.

من هنا تولدت أسئلة إشكالية من قبيل: هل من الممكن -بعد طول إقصاء- أن تعود المرجعية الإسلامية (والمشروع الصادر عنها) لتنافِس المرجعية الحداثية العلمانية التغريبية في مهمة صياغة المجال العام؟

فإذا كانت هذه الجدوى باقية فهل يصلح المشروع الإسلامي -بهيئته الحالية- لتحمل مسؤولية صياغة الواقع العربي والإسلامي على نحو يجمع مطلبي: وصل الأمة بمرجعيتها، وإخراجها من كبوتها؟

أم إن المشروع -بهيئته الحالية- غيرُ كافٍ لتحقيق هذا المطلب النهضوي، ويظل بحاجة إلى تطوير؟

وإن كان بحاجة إلى تطوير .. فما شكل هذا التطوير المطلوب؟

وإن لم تظهر جدوى المشروع وإمكانيته في السياق الحضاري السائد .. فهل غياب هذه الجدوى؛ لأنها مستحيلة التحقق في هذا السياق الحضاري الجديد، أم من الممكن ظهورَ هذه الجدوى لو تحققت شروط معينة مطلوبة لذلك، وما هي هذه الشروط لو فرضنا أن إمكانية المشروع وجدواه متوقفة عليها؟

فيأتي البحث محاولًا تقديم إجابات جادّة تسهم في تبديد غيوم الضباب المعرفي من حول هذه الإشكاليات؛ اعتمادا على استقراء جزئيات الرؤية التجديدية لدى الدكتور/ سيف الدين عبد الفتاح.  

مصادر الدراسة:

اعتمدت –بصفة أساسية- في هذه الدراسة على استقراء الرؤية التجديدية للأستاذ الدكتور/ سيف الدين عبد الفتاح، لا سيما المحتوى الذي تضمنته مقالاته المنشورة تباعًا على موقع (مصر العربية) في سلسلة جعلها تحت عنوان: (المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال) في الفترة من أكتوبر 2015 إلى فبراير 2016؛ حيث تعد هذه المقالات من أواخر الأعمال المنشورة للدكتور، وتعكس رؤيته الرصينة في عامة قضايا المشهد المصري والعربي والإسلامي الجاري.

كما أنه لخص في هذه المقالات كثيرا مما بسَطه في أعماله السابقة، لا سيما أفكاره التأسيسية في المشروع الحضاري الإسلامي، وهي التي حاول أن يجمع فيها بين جانبي التأصيل والتفعيل، وجعَلها مداخلَ تقويمية للنظر التجديدي في واقع الأمة الراهن وما يتصل به من قضايا إشكالية.

وفي هذه السلسلة اهتم الدكتور سيف الدين بشرح معالم المشروع الحضاري الإسلامي، وبيان أصوله الحضارية، وخصائصه التي يتميز بها، ودواعي إقامته، وشروط صلاحيته، والمفاهيم التأسيسية الرافعة له، وما أحاط بهذه المفاهيم من ضباب معرفي نشأ عن إعادة إنتاجها حداثيا وإعادة تصديرها للبيئة الثقافية العربية-الإسلامية محمَّلة بحمولة إيديولوجية تغريبية.

كما اهتم الدكتور بمعالجة الإشكاليات الرئيسية التي تواجه الحاملين للمشروع الإسلامي، وتسليط الضوء على جذورها التاريخية، وقرَّر –في بيان حاسم- عدم قابلية هذا المشروع للإغفال أو الاستئصال لحساب مشروعات أخرى –غريبة عن مرجعية الأمة- يتوهم أصحابها إمكانية هذا الاستئصال، خاصة بعد الإخفاقات التي منيت بها بعض الفصائل المؤمنة بالمشروع الإسلامي[3].

كما تزداد أهمية هذه المقالات بالنظر إلى توقيت نشرها؛ حيث نشرت بعد خمس سنوات من ثورة يناير في وقتِ فرْزٍ وتمحيص انكشف فيه كثير مما كان خافيا، وعرفت فيه الثورة مَنِ الصديقُ ومن العدو؟ ومَنِ الثائرُ الحقيقي -الصادق في ثوريته- ومن المدعي الذي كان يقتات من رفع شعار الثورة، وبان أمر النخبة المزيفة الفاشلة، فجاءت المقالات محملة بخبرة التجربة الكاشفة.

ولم أقتصر على المقالات المذكورة مصدرا وحيدا، بل استعنت -في عرض رؤية الدكتور سيف- بأعمال أخرى له غيرِ المقالات المذكورة؛ طلبا للمزيد من تبيُّنِ المراد، وتفصيل بعض ما جاء مجملًا في هذه المقالات.

خطة الدراسة:

تتألف هذه الدراسة من ثلاثة فصول وخاتمة، عقدت الفصل الأول منها لبيان رؤية الدكتور سيف في ماهية المشروع الإسلامي وخصائصه، فعرضت تعريفه الموسع لهذا المشروع، وأتبعت ذلك التعريف ببيان خصائص المشروع الحضاري وعناصره اللازمة لتفعيله في رؤية الدكتور.

وفي الفصل الثاني عرضت نظرية التجديد كما ظهرت لي من رؤية الدكتور سيف الدين، فتكلمت عن مفهوم التجديد عنده، وأتبعت ذلك ببيان أركان وشروط العملية التجديدية، وختمت الفصل ببيان التجديد في النماذج التفسيرية والبنائية عند الدكتور سيف.

ثم جاء الفصل الثالث والأخير ليحوي ثمرة هذا البحث وهي: محاور واستراتيجيات التجديد في رؤية الدكتور سيف، فعقدت مبحثا أولًا لبيان رؤيته في تجديد الخطاب الإسلامي، وقدمته باعتباره مرتكزا للمشروع الحضاري عند الدكتور سيف، ثم ختمت الفصل بمحاور تجديد المشروع الحضاري الإسلامي التي استخلصتها من رؤية الدكتور سيف.

ثم لم أجد خاتمة لهذا البحث أفضل من المقالة الجامعة التي ختم بها أستاذنا سلسلة مقالاته عن (المشروع الإسلامي الكبير)، فجاءت جامعة لأشتات طرحه الفكري، فاتحة لآفاق دراسات مستقبلية منشودة تواصل العطاء، وتستكمل البناء في وصل حركة العمران البشري بمنهج رب السماء.

وبعد هذا الإيجاز أرجو أن يكون القارئ الكريم قد حصَّل قدرا مناسبا من التصور الإجمالي لهذه الدراسة التي أسأل الله تعالى فيها التوفيق، والهداية إلى سلوك أقوم طريق، وأن يجد القارئ فيها إلى سبيل الإصلاح بابا، وينال بها لمدارج الرشد أسبابا.

كما أرجو أن أكون قد وُفِّقتُ لجودة القراءة والعرض التمهيدي، لمشروع فكري تجديدي، خطَّهُ بَنانُ عَلَمٍ جليلِ القدر، من أعلام المنظور الحضاري الإسلامي في أرض مصر، ما عهدناه إلا صداعا بالحق، قوَّالا للصدق، غيورا على الملة والوطن، حريصًا على وحدة الأمة في زمان المحن، فكان حقا على المنصف من أهل الزمان، التنويه بصاحب هذا الحال والشان، وفقه الله تعالى لحسن العمل، ووقاه شر الزيغ والزلل.

ولا يفوتني في هذا المقام أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير لأستاذتنا صاحبة الفضيلة، العالمة النبيلة، والرائدة الحضارية الجليلة، الدكتورة/ نادية محمود مصطفى، وأسرة مركز الحضارة على ما لقيه هذا البحث من الدعم والتشجيع حتى خرج إلى النور.

الفصل الأول: المشروع الحضاري الإسلامي في رؤية الدكتور سيف: تصورات تأسيسية

إن حجر الأساس في هذا التأصيل المفهومي هو تحديد المفهوم محل الدراسة (المشروع الحضاري الإسلامي)، ثم بيان خصائص هذا المشروع المميزة له، تمهيدا للدخول إلى قضية: تجديد المشروع.

وسِرُّ المسألة: أن شكل التجديد المطلوب يحدده عاملان يتكاملان في صياغة منظومة التجديد:

العامل الأول: هو طبيعة المشروع الإسلامي، فهذه الطبيعة لها أكبر الأثر في تحديد شكل التجديد الملائم لهذا المشروع؛ لذا عنيت هنا بشرح طبيعة المشروع الإسلامي كما تبدو في رؤية الدكتور سيف الدين، ثم أعقبت هذا ببيان خصائصه المميزة التي تصف لنا طبيعته وصفا يزيدها بيانًا.

أما العامل الثاني -المتحكم في صياغة التجديد- فهو طبيعة الظروف والتحديات التي تشغل السياق الذي يوجد فيه المشروع؛ لأن هذه الظروف والتحديات لها دخل كبير في الكشف عن الثغرات التي يتعين على المشروع سدها.

كما أن هذه التحديات تفيد في كشف مواطن الضعف والقصور في ذات المشروع، فتلفت نظر المؤمنين به إلى علاج ما يعتريه من أوجه الخلل، ولا يخفى أن هذا يعد من صلب عمليات التجديد المنشود.

وقد راعيت هذا العامل ودلالاته -الكاشفة عن مطالب التجديد المنشود- في الجزء الأخير من هذا البحث (محاور واستراتيجيات تجديد المشروع الإسلامي في رؤية الدكتور سيف الدين).

المبحث الأول: رؤية الدكتور سيف في تعريف المشروع الحضاري الإسلامي ورسم معالمه

أسهم الدكتور/ سيف الدين عبد الفتاح بتوصيف مهم لماهية المشروع الإسلامي ومكوناته وخصائصه وأهميته، فأنقله بتمامه؛ لنفاسته، ثم أتبعه بتحليل يستخلص معالم رؤية الدكتور في المشروع وخصائصه وعناصره. قال أستاذنا:

((بداية هناك شيء اسمه “المشروع الإسلامي” يمكن أن يُنظر إليه من أكثر من زاوية، وأن يُعبر عنه بأكثر من تعبير، ويمكن أن يُقصد به أشياء مختلفة، لكن المقصود به هنا هو:

تلك الحالة العامة التي تعبر عن أفكار وخطابات وكيانات وممارسات وتفاعلات تجتمع على أن الإسلام مرجعية حضارية وشاملة لتجديد مجالات الحياة في هذه الأمة وفي علاقاتها مع العالم.

هذه الحالة التي تتسع وتتمدد في العالم العربي والإسلامي -وفي نطاقات خارج هذه الجغرافيا- هي (المشروع الحضاري الكبير) الذي لا يفصل الدين عن الحياة، ولا يفصل القيم عن السياسة، ولا يفصل العلوم الشرعية عن علوم الأمة والعمران أو العلوم الاجتماعية والإنسانية، وإنما يجتهد ليقدم للعالم تصورًا يجمع بين المشترك الإنساني والتميز الإسلامي.

المشروع الإسلامي -بحكم اسمه وطبيعته- مشروع حضاري، له فقهه الحضاري، محركُه: عقيدة دافعة بأوسع معاني الدافعية، ووقوده: شِرعة رافعة بأقوى دلالات الرِّفعة والرافعية، وقوامه: قيم قائمة على كل معنى بالتقويم والإقامة (دينا قيمًا.. دين القيمة)، ووجهته: مقاصد كلية عامة حافظة، ووعاؤه: أمة وسط، وإطاره: العالم والإنسانية برُمَّتها[4]، ومجاله: الأرض الواسعة الطهور، وضابطه: سنن شرطية قاضية، وذاكرته وشجرته لها امتداد تاريخي كبير، وأفقه: مستقبل الإنسانية الذي يجب أن يشارك كل إنسان في صياغته وضمان تَجَدُّده لا تَبَدُّده، وواقعه: إحياء وبعث، وصحوة ويقظة، وتجدد وتجديد، وإصلاح وثورة، ودعوة وتعليم وتربية، وخدمة وتكافل، وسياسة ورعاية ومسئولية، وشورى وحكم بالعدل وأداء للأمانات، وحفظ مال ومقدرات جعلها الله للناس قوامًا، وبناء مجتمع البنيان المرصوص والجسد الواحد، وتشييد سفينة الأرض القائمة على أمر البشرية بما يصلحه.

هذا المشروع يتجذر مع وجود الإنسان وحضوره في هذا العالم، حضوره بفرادته وتميزه، بتكريمه وتسخير الأكوان له بأمر خالقه، بحملِه الأمانةَ الكبرى والرسالة العظمى .. إنّه مشروع متكامل تتداعى لإقامته أمة بأسرها، وتستفيد من أصوله وفروعه البشريةُ جمعاء؛ لأنه مشروع للإنسان وبالإنسان بأقوم معاني الإنسان والإنسانية التي تتصل بهدي الخالق الذي يعلم من خلق، ويريد به اليسر ولا يريد به العسر، ولا يفعل شيئا بعذاب الناس إن عدلوا ولم يظلموا وأحقوا الحق وأبطلوا الباطل.

المشروع الحضاري الإسلامي غير قابل للاستئصال؛ لأنه ليس مشروعًا سياسيًا وحسب فيتعثر بتعثر المسار السياسي، ولا مشروعًا فكريًا أو نظريًا وحسب فيتشوش بحملات التشويش والتشويه هنا أو هناك، ولا هو مشروع خدمي أو إغاثي أو تضامني فقط بحيث إنَّ محاولات ضربه بما يسمى تجفيف المنابع -أو ترهيبه باسم الإرهاب- يمكن أن تقطع شرايينه أو أوردته.. المشروع الحضاري الإسلامي في قلبه المسجد لكنّه لا ينحبس في المساجد، إنما يجعل “الأرض” -كلَّ الأرض- مسجدًا وطهورًا، فالعبادة فيه حياة كما أن الحياة كلها يجب أن تكون عبادة، والتوحيد فيه حرية لا تتقيد باستبداد أو استعباد من مخلوق كائنا من كان؛ ومن ثم فلا يمكن اعتقال مشروع كهذا بما يجري من تأميم للدين واحتكار للحديث باسمه، أو هيمنة على المساجد والخطب والأئمة.

المشروع الحضاري ثورة وإصلاح؛ ثورة على الخرافة وتغييب العقول بالمخدرات مختلفة الأنواع، لا سيما مخدرات الأفكار والتصورات الفاسدة، ثورة على خرافة العبيد والأسياد …، ثورة على خرافة الشعب القطيع الذي لا يعقل ولا يسمع ولا يرى ومن ثم يجب ألا يتكلم أو يتصرف إلا كما يقرر له المستبد وأعوانه .. ثورة على خرافة أن الإرهاب هو الحل، وأن الإنسان كائن جبان لا يحرِّكه إلا الخوف، وخرافة التعذيب والتنكيل؛ لتغيير الأفكار والقناعات، وثورة على خرافة أن السياسة قذارة وفساد، وإصرار على أن هذه ليست السياسة التي هي تدبير وإصلاح ورعاية ومسؤولية وقيام الأمة على أمرها بما يصلحه.

المشروع الحضاري الإسلامي مشروع أمة أوسع من مفاهيم الدولة والقطرية والقوميات الحابسة، إلا أن تتحاضن فيحتضنها ويرقى بها للمصاف الحضاري والتنافس العالمي والموضع الذي يليق بها؛ وبالأولى: فهو ليس مشروع حركة أو تيار أو مؤسسة أو مفكر أو فقيه، وإن كان ذلك كله من لبناته وأدوات بنائه؛ حيث تتضافر الدولة والمجتمع، والفرد والجمع، والمرأة والرجل، والريف والمدينة، والمؤسسات العلمية الدينية والدنيوية ووحدات الإنتاج الزراعي والصناعي والشركات التجارية والهيئات الخدمية الرسمية وغير الرسمية، والجاليات المسلمة عبر العالم، والكفاءات والقوى العاملة في كل مكان.. تتضافر قدر الوسع وقدر ما يسعنا التنظيم والتخطيط والتنسيق والتكامل.. لكي تتجلى الأمة من جديد في بللوريتها الجامعة.

المشروع الحضاري مشروع شباب الأمة الذي لم تتلبسهم العُقد الذهنية والنفسية لأجيال سابقة بهرها بريق الغرب ولو كان يقتلها ويقمعها، أو أذعنت لوضعية الضحية والفريسة أمام جلاديها المستبدين، ورضيت بخدمتهم ولو أذاقوا الأمة مرّ الهوان، إنما فتحو عيونهم على فورة الوعي وثورة التحرير والنموذج الحضاري للانتفاضة الشعبية في عالم العرب والمسلمين، ولم يتكلسوا وراء أوهام العلمنة والتغريب والاستلاب، أو دعوات الجمود والانغلاق.

إن العقلية الشابة التي تصرّ اليوم على استكمال مشوار التغيير والتجديد السياسي والاجتماعي والتقني وإعادة بناء مجال عام حر منفتح مشارك .. هي أَولى المكونات الراهنة بحمل شعلة المشروع الحضاري وتنشيط محركاته[5])).

حضارية المشروع الإسلامي في رؤية الدكتور سيف الدين:

من المصطلحات المهمة التي عني الدكتور سيف بتحريرها: مصطلح (الحضاري) حين يكون وصفا للمشروع الإسلامي، أي: معنى (الحضاري) في قولنا: (المشروع الحضاري الإسلامي)، وقد حلل الدكتور عناصر هذا المفهوم وجعله ذا أبعاد أربعة هي: البعد المرجعي، والبعد المنهجي الموضوعي، والبعد الواقعي الاجتماعي، والبعد العالمي الإنساني.

وفي هذا الإطار يقول الدكتور سيف:

((أما عن صفة الحضاري، التي ترتبط بمفهوم “الحضاري” فيمكن تحديدها تحديدًا منهجيًا.. فمفهوم “الحضاري” يتضمن أربعة أبعاد أساسية يتشكل ويوظَّف بها المفهوم؛ وهي:

* البعد المرجعي (الجذور والأصول): ويعني أنْ تُجسِّد المعرفةُ أو العلم أو الفكر – في مضمونه – أبعاد المرجعية وقيمها الكونية والحضارية والعقائدية.

* البعد المنهجي الموضوعي (أصول المنهاجية): فالمنهجية في أي فكر حضاري هي الجهاز الإجرائي الذي ينسق الفكر وينظمه بصورة تبيّن موضوعيته ومنطقيته. فبالبعد المنهجي يصبح مفهوم “الحضاري” ذا قيمة موضوعية يمكن تحليلها وإخضاعها للمقاييس العلمية، ويمكن اختبار مقدماته ومسلّماته ومضمونه ونتائجه، والتأكد من صحة هذه الأمور أو خطئها.

* البعد الواقعي الاجتماعي (اعتبار الواقع): بهذا البُعد يَقدِر الفكر الحضاري على الاستجابة للواقع وملابساته وتحولاته وتغيراته الجزئية والكلية، الشكلية والمضمونية. فوصف الفكر بالحضاري يحوِّله إلى وعي اجتماعي مؤثر بفعل النشاط الإنساني، ويجعله أكثر تعلقًا بالحياة والحركة والسلوك.

* البعد العالمي الإنساني (العالمية والأنسنة): ومعناه: أن تُدرَس الأفكار وتُحلَّل المشكلات في عمقها الجغرافي العالمي الإنساني الذي يفتح الآفاق للفكر ليمتد إلى ما وراء وجوده الخاص، فيعانق أفكار الآخرين ويتحاور مع الثقافات الأخرى. فالفكر الموصوف “بالحضاري” هو فكر إنساني متجاوز لجغرافية الشخص وجغرافية وعيه الشخصي وثقافته الخاصة، ومتوجه نحو الإنسان عمومًا والعالم شمولًا. فمفهوم “الحضاري” يجعل من العلم والفكر قيمة عالمية عامة.

وصف “الحضاري” إذن يشير إلى إطار مرجعي معياري، ومنهج موضوعي متناسق، وخطاب واقعي عملي يواجه مشكلات الإنسان والحضارة، وشمول باتجاه استيعاب الآخرين عالميًا وإنسانيًا، منطلقًا في هذا الصدد من مقومات عقيدية وحركية ونظمية[6])).

وفي المبحث التالي أعرض حصيلة القراءة لهذا التوصيف النفيس للمشروع الإسلامي وقضاياه، مستخرجا سمات المشروع وخصائصه المنبثة في رؤية الدكتور سيف المبسوطة فيما تقدم ..

المبحث الثاني: سمات المشروع الحضاري الإسلامي في رؤية الدكتور سيف

فرغنا في المبحث السابق من بيان تعريف الدكتور سيف بالمشروع الحضاري الإسلامي، من حيث بيان المقصود بالمشروع الإسلامي، ومعنى حضارية هذا المشروع، وأبعاد هذه الحضارية، وغير ذلك من قضايا متصلة بهذا الشأن..

وبتحليل هذا التوصيف النفيس للمشروع الإسلامي نستخلص أن المشروع الحضاري الإسلامي يتَّسِم في رؤية الدكتور سيف الدين بالسمات الآتية:

– المشروع الحضاري الإسلامي حالة عامة: فهو من الاتساع بحيث يستوعب –بعطائه الإصلاحي- مختلف مجالات النشاط البشري، وهو من الاتساع بحيث يتميز عن وجهات النظر الفردية أو المؤسسية المحدودة؛ يقول الدكتور سيف: ((ومن الأمور المهمة فى هذا المقام أن نميز بين مشروع التغيير الحضاري من منظور إسلامي وبين أشكال أخرى قد تتقاطع معه ولكنها لا تستوعب كل كمالاته وفاعلياته، من مثل البرنامج السياسي والبرنامج الحزبي وكذا البرامج الانتخابية، وكذلك من الواجب أن نميز بين المشروع الحضاري للتغيير وبين ما يمكن تسميته بالمشروعات الفكرية التي تُنسب لمؤسسات أو أفراد من مفكري هذه الأمة، وغاية الأمر في التوقف عند هذه الفروق: أن نؤكد أن ما يمكن تسميته بـ (المشروع الحضاري للتغيير) يتسم عن غيره بالشمول الواجب لاستيعاب متغيرات الساحة الحضارية وامتداداتها، كما أنه محدد في مرجعية تأسيسه … وتصير أهمية مثل هذه المشاريع الحضارية أنها تُصاغ على مدى أطولَ زمنيًا، بينما تُصاغ الأشكال الأخرى لاعتبارات آنية مؤقتة، أو لاعتبارات زمنية أقل. كما أن هذه المشاريع ترتبط بشروط فكرية وأخرى نظمية مؤسسية، وثالثة تتعلق بالشروط الحركية المرتبطة بالواقع والممارسة[7])).

وسمة العمومية هذه فيها وقاية للمشروع الحضاري الإسلامي من أن تحتكِره فئة، فهو عامل تجميع وتكافل، ومانع إقصاء واستئثار. كما أن هذا الاتساع يقضي بضرورة التكاتف والتعاون في حَمله والتبشير به، والتغيير بواسطته. وبهذا فالمشروع الحضاري الإسلامي يصنع الأمل، ويمنح الأجيال القادمة فرصتها في تحقيق النهضة دون وصاية من أجيال سابقة تحتكر رسم هندسة النهوض بِاسم الخبرة، وليس في هذا تقليل من قيمة الخبرة، وإنما المقصود منع الاحتكار ووقف مصادرة حق الأجيال الصاعدة في صناعة التغيير.

-المشروع الحضاري الإسلامي حالة إنسانية، فهو يسعى إلى سعادة الإنسان من حيث هو صنعة الرب، ولا يسعى فقط إلى رفاهية الإنسان الذي ينتمي إلى بيئة التأسيس التي انطلق منها المشروع، وهو بهذا يتميز عن مشروعات أخرى عنصرية في منبتها، ضيِّقة في أفق عطائها. بينما المشروع الإسلامي يجعل من كل إنسان رفيقا في درب الإصلاح، وشريكا في ربح عوائد هذا الإصلاح، لا مُسخَّرا لخدمة صاحب المشروع كما هو الحال في مشروعات أخرى ذات أغراض انتهازية. وبهذا يظهر أن ربانية المشروع الحضاري الإسلامي هي منبع إنسانيته، كما أنه يرفع من قيمة الإنسان؛ حيث يجعل الدولة في خدمة الإنسان وليس العكس، فيحصن الأمة من غائلة الاستبداد.

-المشروع الحضاري الإسلامي أخلاقي (قيمي): فهو يستند إلى منظومة قيم يستمد منها خاصية التقويم، فهو لا يستبعد القيمة الأخلاقية لحساب قيمٍ نفعية مصلحية لا مجال فيها لمعنى الفضيلة، ورغم استناد المشروع الإسلامي إلى منظومة القيم التقويمية إلا أنه على قدر من المرونة لا تجعله مكبَّلا بالسياج الأخلاقي، وفرية تكبيل الأخلاق للحركة من أعظم الفِرَى التي أفسدت السياسة وكثيرا من مشروعاتها، بل سياج الأخلاق يحمي الحركة من الانحراف الذي يجعلها تحقق ضد المقصود منها، فهو تحويط حفظ ورعاية، وليس تحويط حبس وتعويق؛ لذا تعد هذه من أهم الخصائص المميزة للمشروع الحضاري الإسلامي.

-المشروع الإسلامي أصيل أصالة الشجرة المباركة التي تفرع عنها، فهو ليس وليد تجربة بشرية حديثة النشأة، وليس ردَّ فعل متشنِّجا على أوضاع جائرة حركت في نفوس الشعوب بواعث الثورة المستعجلة. يقول الدكتور سيف في بيان الرابطة بين المشروع الحضاري الإسلامي وبين التراث والأصول الإسلامية: ((الأمر الذي لا يجوز الاختلاف عليه: أن المشروع الحضاري للأمة الواحدة -المؤكِّد على معنى جامعيتها- يقوم في الحقيقة على تراثها وأصولها، ومن قيمها ومبادئها، ونجاح هذه الأمة يعتمد -بصورة أساسية- على مدى أصالة هذا التراث، وهذه القيم والمبادئ، واستثمار كل إمكانات هذه الأمة ومكنوناتها، فتحولها إلى مكانة وتمكين[8])).

وبهذه الأصالة يكون المشروع الحضاري الإسلامي غير قابل للاستئصال؛ لأنه يحمل من عوامل الصلاحية والاستمرار أعظم مما تحمله المشروعات القاصرة التي سلكت سبيل الطفرات التغييرية التي لم تنل حقها من الإنضاج المهتدي بإرشاد الهداية الربانية، ولله در أمير الشعراء إذ يقول في بيان الفرق بين منهج السماء ومناهج الأرض:

داويتَ مُتَّئِدًا وداوَوا طفرةً … وأخفُّ من بعض الدواءِ الداءُ

يعني أن المنهج النبوي يعالج البشر والمجتمعات بحكمة وأناة تتلاءمان مع الطبيعة الإنسانية، بخلاف المناهج الأرضية التي استعجلت التغيير فأحدثت طفرات حققت إنجازات مادية لكنها لم تراع مناسبةَ المنهج التغييري للفطرة الإنسانية والطبيعة البشرية، فأحدثت تشوهات في الطبيعة البشرية لا تزال الإنسانية تعاني منها حتى اليوم؛ وبناء على هذا فكل مسلك تغييري يجافي مقتضى الحكمة فالمشروع الحضاري الإسلامي بريء منه ولو صدر ممن يقال عنهم: إسلاميون. وهذا لا يعني أن المشروع الحضاري الإسلامي لا يعترف بالثورة، بل هو مشروع ثوري حين تكون الثورة هي مبضع الجراح الماهر الذي لا يصلح سواه لاستئصال موضع الداء، وبهذا تفترق ثورية المشروع الحضاري الإسلامي المتعقلة عن ثورية من يثور لأجل الثورة ثم لا يقدم لأمته بناءً أجمل يستحق تحمل ضريبة التغيير.

-المشروع الحضاري الإسلامي حالة واقعية: فالمشروع الحضاري لا يفقد صلته بالواقع لزومًا، على ضوء القاعدة الذهبية وهي: (إعطاء الواجب حقه من الواقع، وإعطاء الواقع حقه من الواجب) … كما أن هذا المشروع الحضاري لا يتوقف عند إشكالات الواقع، بل تمتد به الأمور ليقدم رؤية للمستقبل، كما أنه لا بد أن يفيد من خبرات الذاكرة الحضارية ونماذج التاريخ[9].

-المشروع الإسلامي بسيط في فلسفته وأدواته بساطة الأصل الذي صدر عنه؛ ولهذا فهو مشروع العامة كما هو مشروع النخبة المتفلسفة، فكل إنسان بصير مدعو إلى المشاركة في صياغته وإنضاجه والإصلاح به.

-المشروع الحضاري الإسلامي ذو وظيفة تفسيرية: فهو يعبر عن خطابات … إلخ، ومن ثم فهو ذو وظيفة تفسيرية لكثير من الظواهر المتعلقة بالحالة الإسلامية وتفاعلاتها في الواقع. وهذا البعد غائب عن أنظار كثير من الحاملين للمشروع الإسلامي؛ إذ يقتصر نظرهم على الوظيفة (التغييرية) للمشروع الإسلامي مع غض الطرْف عن وظيفته التفسيرية، مع أن صحة التفسير مقدمة مهمة لسلامة التغيير.

-التغيير المقصود من المشروع الإسلامي يعني الإصلاح والعمران: أما مجرد الانتقال من حال إلى حال فلا يعتد به المشروع الحضاري الإسلامي طالما لم يتحقق فيه معنى الإصلاح، بل إن الشعوب إذا انقطعت عن مصدر الهداية الربانية قد تطرَب لتغيير هو في حقيقة أمره داء يعود بها إلى أسوأ مما كانت عليه.

-التحرير المقصود في المشروع الحضاري الإسلامي تحرير حكيم: فهو يسعى إلى كسر القيود التي تَحُوْل حقيقةً بين الإنسان وبين أن يعيش بكامل إنسانيته، بينما نجد مشروعات أخرى لا ينضبط معنى التحرير الذي تسعى إليه، فتراها تجرد الإنسان من عقيدته الدافعة وشريعته الرافعة باسم الثورة على القديم كله!

المبحث الثالث: عناصر المشروع الحضاري الإسلامي في رؤية الدكتور سيف

يرى الدكتور سيف الدين أن كل مشروع حضاري لا بد له من عناصر ستة يلزم توافرها؛ كي يكون مشروعا حضاريا فاعلا صالحا للبقاء، وهي:

المرجعية: ووضوح المرجعية عملية مهمة؛ حتى تتضح الغايات والأهداف والبرامج، وتبين فيما سبق أن مرجعية المشروع الإسلامي هي تراث الإسلام وحضارته ورؤيته للحياة والكون والإنسان، مع خبرات التجارب الإنسانية المتراكمة. وتقدم قول الدكتور سيف في التعريف بالمشروع الحضاري الإسلامي إنه: ((تلك الحالة العامة التي تعبر عن أفكار وخطابات وكيانات وممارسات وتفاعلات تجتمع على أن الإسلام مرجعية حضارية وشاملة لتجديد مجالات الحياة في هذه الأمة وفي علاقاتها مع العالم)).

الشرعية: وتعني قدرة الناس على التجاوب مع المشروع في إطار من القبول الاجتماعي.

الجامعية: لا بد أن يحوز المشروع نوعًا من الاجتماع الذي يقبل أن يحمل المشروع بفاعلية (أمة- فئة) وبالتالي يضر بالمشروع الإسلامي النزعة الفردية التي تعمل تحت اسم الكاريزما، فالمشروع الإسلامي جامعي يؤدي للجامعية، وكل مشروع يؤدي للفرقة فليس إسلاميا. يقول الدكتور سيف: ((إن خرائط الاتجاهات التي قد تتنوع مسارًا وأولويات واهتمامات حتى إنه يمكن الحديث عن مشروعات مختلفة أكثر مما يمكن الحديث عن مشروع واحد جامع إلا إذا تكاملت هذه المشروعات وتقدمت إلى معنى الجوامع والموافقات فيما بينها؛ تحقيقًا لجامعية الأمة كأهم شرط من شروط مواجهة التحديات كمقدمة لنهوض الأمة واستئناف مشروعها الحضاري مكانة وتمكينًا[10])).

ومما سبق يظهر لنا أن الفرق بين الشرعية والجامعية يكمن في أن الشرعية تعني قبول المشروع في ذاته والقناعة به، أما الجامعية فتعني استعدادا اجتماعيا لحمل المشروع والتبشير به والعمل على تحقيقه تحت مظلة تجميعية لا مكان فيها للفردية (الارتجالية) التي طالما كانت سببا في إخفاق تجارب انعقدت عليها الآمال.

الدافعية: التي تدفع للفعل الحضاري، ومنها تأتي سنة التدافع الذي يحدث في حالة التفاعل، ووجود الدافعية يقتضي وجود قدرة تجديدية. يقول الدكتور سيف: ((وحينما نؤكد أنه لا يقبل الاستئصال فإن ذلك يعني ضمن ما يعني تحريك حالة من تجديد الوجود والحضور في الواقع وامتدادته وبما يرتبط من ناحية أخرى الاتساق مع متطلبات الحفظ الدائم. إنها طاقات وحركة التدافع في المشروع التي تستنفر كل إمكانات ومسالك التعامل والمقاومة ومسارات الاجتهاد والتجديد وكل بنيات الوجود والصمود[11]))

التجديدية والرافعية: فالتجديد سنة زمانية مستمرة كلما حدث ضعف أو انحراف، والتجديد رافعة النهضة؛ يقول الدكتور سيف عن تجديد الخطاب الإسلامي: ((يتجدد هذا الخطاب؛ لاعتبارات تتعلق بمفاصل النهضة الداخلية وشروطها التي تسهم في تحقيقها على أرض الواقع[12])).

الفاعلية: وهي محصلة التفاعل بين العناصر الخمسة السابقة[13].

وقد جعل الدكتور سيف هذه العناصر مرتكزات للحكم الصالح الرشيد فقال: ((يقدم الحكم الراشد رؤية رحبة تتعلق بنموذج الحكم وارتباطه بالأصول الشورية والعلاقة بين معايير الحكم ومعايير المساءلة والشفافية بما يؤسس لحكم صالح: فيؤسس لعلاقة سياسية سوية من جانب، ويُشيّد معمار العلاقات بين الدولة والمجتمع من جانب آخر، بحيث يستلهم في صياغاته معاني المرجعية والشرعية والدافعية والجامعية والفاعلية [14])).

خاتمة الفصل الأول: أزمة المشروع الحضاري الإسلامي، وآفاق الخروج

لا يخفى على متابع أن المشروع الحضاري الإسلامي يواجه تحديات عاصفة مصحوبة بحملات عنيفة من التشكيك في كل ما يتعلق بالظاهرة الإسلامية.

ولا يكفي هنا أن نعزو سبب الأزمة إلى ما يقوم به خصوم المشروع من حملاتِ تشويه وقمعٍ ممنهجة، فهذا تسطيح للقضية، بل على كل مخطئ أن يعترف بخطئه، وأن يصحح بالعلم ووعي خبرة التجربة.

ولا حرج أبدا في أن نُرجع بعض أسباب الأزمة إلى قصور في المشروع ذاته؛ لأنه ليس معصومًا، فهو وإن كان رباني المنشأ لكنه بشري الصياغة والتسويق والتطبيق كما أسلفنا، فمن المتوقع –والحالة هذه- أن تقع أخطاء منشؤها قصور الخبرة البشرية.

ولهذا مسّت الحاجة للتجديد الذي يصحح الخطأ وينبه على مواطن القصور، ويطرح البدائل التي يكتسب بها المشروع صلاحيته لإنجاز الإصلاح المنشود.

الهامش

[1] د/ سيف الدين عبد الفتاح، المشروع الحضاري الإسلامي غير قابل للاستئصال (2): إشكال الاختزال، مقال منشور على موقع مصر العربية بتاريخ: الأحد, 18 أكتوبر 2015.

[2] هذا المصطلح صكه الدكتور/ سيف، وتأثر فيه بأستاذه الدكتور/ حامد ربيع، وجعله من خصائص العمل السياسي المنتج للتغيير. وسيأتي تنبيه الدكتور سيف على ضرورة رد الاعتبار لمفهوم السياسة وتحريره من حالة (الاستعمار المفاهيمي) التي ابتعدت به عن جوهره الإسلامي (الإصلاحي) الأصيل.

[3] د/ سيف الدين عبد الفتاح، المشروع الحضاري الإسلامي غير قابل للاستئصال (2): إشكال الاختزال، مقال منشور على موقع مصر العربية بتاريخ: الأحد, 18 أكتوبر 2015.

[4] أي: جميعها.

[5] د/ سيف الدين عبد الفتاح، المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال، المقال الافتتاحي، بتصرف، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 11 أكتوبر 2015 .

[6] المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال.. خاتمة فاتحة، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الإثنين, 29 فبراير 2016.

[7] المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال.. خاتمة فاتحة، بتصرف، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الإثنين, 29 فبراير 2016.

[8] د/ سيف الدين عبد الفتاح، المشروع الحضاري الإسلامي غير قابل للاستئصال (2): إشكال الاختزال، مقال منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 18 أكتوبر 2015.

[9] المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال.. خاتمة فاتحة، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الإثنين, 29 فبراير 2016.

[10] المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال.. خاتمة فاتحة، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الإثنين 29 فبراير 2016 .

[11] المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال.. خاتمة فاتحة، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الإثنين, 29 فبراير 2016.

[12] د/ سيف، الحلقة الـ 16 من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. تجديد الخطاب الإسلامي، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 24 يناير 2016. وينظر أيضا: النظرية السياسية ص 13-14.

[13] د. سيف الدين عبد الفتاح، المشروع الحضاري الإسلامي غير قابل للاستئصال (2): إشكال الاختزال، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 18 أكتوبر 2015.

[14] د/ سيف الدين عبد الفتاح، الحلقة الـ 17 من سلسلة “المشروع الإسلامي الكبير غير قابل للاستئصال”.. التجديد والحكم الراشد، منشور على موقع مصر العربية بتاريخ الأحد 31 يناير 2016.

التصنيفات : دينية واسلامية
الكلمات المفتاحيه :