ما بعد خسارة ترامب…لماذا يتجه اليمين الأمريكي للمنصات الإلكترونية البديلة؟

21 نوفمبر، 2020
465

 سارة عبد العزيز سالم

 في حين ساد العالم أجمع حالة من الترقب أثناء متابعة نتائج تصويت الناخبين الأمريكيين في انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2020، وتتبع نتائج الفرز في الولايات، والتي اختتمت بإعلان المرشح الديمقراطي “جو بايدن” الفوز على منافسه “ترامب”، وفي حين توالت التحليلات والسيناريوهات حول سياسات “بايدن” سواء في الداخل أو الخارج؛ إلا أن التطور الجديد الذي يعد بمثابة أحد الآثار المترتبة على هزيمة “ترامب”، هو تدفق أعداد كبيرة من المستخدمين وبصفة خاصة من الجمهوريين المحافظين إلى المنصات الإلكترونية البديلة مثل (Parler) و(Gab) و(Me We) و(Newsmax) و(Rumble) وغيرها، وهو ما يمثل إعادة تشكيل لصناعة وسائل التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة الأمريكية، ويخلق مجالًا آخر لنشر الأفكار المتطرفة بعد محاولات ضبط المنصات الرئيسية. وفي إطار ذلك التحول، يتناول المقال الحالي أسباب التحول نحو المنصات البديلة، وأهم المزايا التي تقدمها، ونوعية المستخدمين التي لجأت لتلك المنصات، وكذلك التحديات التي تواجه تلك المنصات الجديدة.

التحول نحو المنصات البديلة:

على الرغم مما مثّلته المنصات الكبرى الرئيسية للتواصل الاجتماعي ممثلة في (فيسبوك، وتويتر، وغيرها) من انطلاقة إيجابية نحو حرية التعبير وعولمة الأفكار بما يسمح بتدفقها وانتشارها بسرعة أكبر عبر المجتمعات؛ فإنها أضحت -في الوقت ذاته- منصة جديدة لتهديد الأمن القومي للدول من خلال ثلاث صور أساسية للتهديدات، وهي: دعم الإرهاب والتطرف، وتسهيل الاختراق الخارجي وبصفة خاصة خلال فترات الزخم السياسي المرتبط بالانتخابات، والمساهمة في نشر الأخبار الكاذبة، وكذلك خطاب الكراهية بما يحمله من تهديد للاستقرار الداخلي للدول والمجتمعات. وقد دفعت تلك التهديدات مجتمعة الدول إلى محاولة إيجاد الحلول التي يمكن من خلالها ضبط محتوى مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك مساءلة الشركات المسؤولة عن إدارتها.

وقد أدت تلك الضغوط التي مارستها الدول على المنصات الكبرى لفرض المزيد من الرقابة على المحتوى الذي يتم بثه من خلالها، وبصفة خاصة على خلفية الاستخدام المتزايد لتلك المنصات، سواء في التأثير على الانتخابات والتي جاءت بدايتها مع الانتخابات الأمريكية في عام 2016 أو الانتخابات التي جرت في الدول الأوروبية فيما بعد.

إلا أن ذلك الضبط لم يلقَ قبولًا لدى كافة المستخدمين، وبصفة خاصة بين أولئك المنتمين للتيارات اليمينية، حيث ترسخ لديهم شعور بأن تلك المنصات الرئيسية تشن ضدهم حملة تستهدف من خلالها حجب أفكارهم التي يتم التعبير عنها من خلال المنشورات والتغريدات والتضييق عليها أو ما أسماه البعض (Anti- right-wing bias). وقد زاد من حدة ذلك الشعور ما أثاره “ترامب” من توترات مستمرة مع تلك المنصات، دفعت بعضها لحجب تغريدات الرئيس الأمريكي، أو وضع التحذيرات عليها بصفتها تحض على الكراهية والعنف، الأمر الذي تجدد لأكثر من مرة، خاصة بعد الاحتجاجات التي خرجت اعتراضًا على مقتل المواطن الأمريكي ذي الأصل الإفريقي “جورج فلويد”، واستمرت طوال فترة الانتخابات الرئاسية.

ومن ثم وجد هؤلاء المستخدمون المتضررون من قيود المنصات الرئيسية في المنصات البديلة التي بدأت في الظهور في عام 2018 منفذًا آخر لهم بعيدًا عن عمليات التدقيق المتزايد في منشورات كل من (Facebook) وتغريدات (Twitter)، وبصفة خاصة خلال موسم الانتخابات الأمريكية في 2020. ويمكن استعراض أهم تلك المنصات البديلة على النحو التالي:

1- منصة (Parler): وهو الاسم المشتق من الكلمة الفرنسية (Par- lay) أي تحدث، تم تدشينها في عام 2018 على يد خريجي جامعة دنفر وهم: مؤسسها ومديرها التنفيذي جون ماتيس (John Matze)، وجاريد طومسون (Jared Thomson)، باعتبارها المنصة البديلة للمنتمين لليمين بعيدًا عن تويتر الذي يتسم -وفقًا لرؤيتهم- بنقص الشفافية والقمع والإساءة لخصوصية المستخدمين. وفي حين تتيح ضوابط أقل من المنصات الرئيسية، إلا أنها تعد أكثر تشددًا، خاصة فيما يتعلق بنشر المواد الإباحية. أما عن مستخدمي تلك المنصة، فأغلبهم من المنتمين لتيار اليمين وخاصة الجماعات العنصرية مثل (Proud Boys) والمحافظين، وإن كان هناك بعض المستخدمين ذوو الميول اليسارية المرتبطون بحركة (Black Lives Matter)، والذين انضموا إلى التطبيق لمواجهة الأفكار التي يطرحها المحافظون.

وقد شهد الأسبوع التالي لإعلان فوز “بايدن” تجاوز نسب التنزيل الخاصة بكل من تطبيقي (Parler) و(MeWe) من متاجر (iTunes) و(Google Play)، بعض التطبيقات الأخرى الأكثر شهرة، وهما: تيك توك، وزووم. كما جاءت أغلب هذه التنزيلات في الولايات المتحدة الأمريكية. فمنصة (Parler) وحدها شهدت زيادة في حجم التنزيلات قدرها (353 %) تقريبًا عن معدل التنزيلات في أكتوبر الماضي، وذلك وفقًا للبيانات التي نشرتها شركة التحليلات (Apptopia) بالتعاون مع (Rolling Stone). فخلال الفترة من 3 إلى 9 نوفمبر، تم تنزيل (Parler) أكثر من (2) مليون مرة في الولايات المتحدة. وتتيح المنصة التعليق على المنشورات وإضافة علامات التصنيف.

كما أن هناك ميزة تسمى “echo” والتي تعمل مثل زر إعادة التغريد على (Twitter)، وهناك رمز للتصويت الإيجابي لميزة تشبه “الإعجاب” بالمنشورات على منصات التواصل الاجتماعي.

2- منصة (MeWe): وهو تطبيق للتواصل الاجتماعي يصف نفسه بكونه بديل “حرية التعبير” المفتقدة على الـ(Facebook).

3-  منصة (Gab): وهو موقع للتواصل الاجتماعي أسسه “أندرو توربا”، وأصبح إلى حد كبير ملجأ لتجمع المتطرفين من النازيين الجدد إلى جانب حركة الميليشيا المعروفة باسم (Boogaloo Bois). حيث ينشر بانتظام نظريات المؤامرة ومنشورات من جانب المتطرفين اليمينيين.

دوافع متعددة:

أما عن أسباب ذلك التدفق الهائل للمستخدمين لتلك المنصات فتعود إلى ما يلي:

1- الشعور بالاستهداف: حيث يسيطر على أنصار اليمين من الشعبويين فكرة الاستهداف من قبل المنصات الرئيسية (Anti- right-wing bias)، وكذلك الرغبة في استبعادهم لخدمة الأجندات الخاصة التي تتوافق مع مصالح تلك الشركات. وهو ما حفزهم للتوجه للمنصات البديلة الأصغر نتيجة للمزايا التي تقدمها، والتي يأتي في مقدمتها ما تتيحه من مساحة أكبر للتعبير دون القيود التي تفرضها المنصات الرئيسية على المحتوى المقدم من خلالها. ولعل في تصريحات “ترامب” الأخيرة ما يدلل على ذلك الشعور بالاستهداف، حيث ألقى باللوم على شركات منصات التواصل الاجتماعي بالتسبب في هزيمته في الانتخابات، حيث تم وضع إشعار على معظم تغريداته الخاصة بإعلان الفوز على أنه محتوى مضلل.

2- تناقض المنصات الرئيسية: والتي تقوم بتطبيق القواعد الصارمة لضبط المحتوى المقدم عبر منصاتها من خلال أدوات التحقق وغيرها، والتي يترتب عليها حذف المحتوى المسيء من وجهة نظرها، أو وضع إشعار عليه بكونه غير ملائم ويحض على الكراهية، أو في حالات أخرى إيقاف حساب المستخدم بشكل دائم. وفي الوقت ذاته تقوم تلك الشركات ببيع المعلومات الخاصة بالمستخدمين لشركات الإعلانات واستطلاعات الرأي وغيرها، بما يتسبب في اختراق خصوصية المستخدمين.

3- الخلاف بين “ترامب” ومنصات التواصل الاجتماعي: حيث اتهمت حملة “ترامب” المنصات الاجتماعية الرئيسية، بما في ذلك (Facebook) و(Twitter)، بتشديد الرقابة على المحتوى المقدم من قبل الرئيس وأنصاره، وذلك بعد أن اتخذت تلك المنصات إجراءات ضد بعض منشورات الرئيس التي تنتهك سياسات تلك المنصات. فقد حجب تويتر تغريدة لترامب في يونيو، متهمة إياه بانتهاك سياسات الشركة في نشر محتوى يدعو للعنف.

4- المفاضلة بين الخيارات البديلة: ونتيجة لما سبق طرحت حملة “ترامب” ثلاثة بدائل أساسية للوصول إلى المؤيدين، والتغلب على القيود المفروضة من قبل المنصات الرئيسية، وتتمثل في: الانتقال إلى منصة بديلة قد تكون أصغر إلا أنها تتيح متسعًا أكبر لحرية التعبير، مثل (Gab) و(Parler)، أو بناء منصة اجتماعية خاصة بها؛ ويتمثل المقترح الأخير في تشجيع المؤيدين على الانتقال إلى تطبيق الهاتف الذكي الخاص بالحملة، والتواصل من خلاله.

5- التدقيق المتزايد خلال موسم الانتخابات: حيث فرضت شركات التواصل الاجتماعي المزيد من القيود على منصاتها مع بداية انطلاق الحملات الانتخابية لكل من المرشح الجمهوري “دونالد ترامب” والمرشح الديمقراطي “جو بايدن”، وذلك لتجنب تكرار التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية لعام 2016، حيث ثبت تورط الكتائب الروسية في نشر الأخبار الكاذبة واستخدام الحسابات غير البشرية (Social Bots) وحسابات التصيد (Trolls) للتأثير على الرأي العام في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وفرنسا خلال الحملات الانتخابية. وعلى الرغم من أن الشركات طورت في البداية استراتيجيات لمنع تدخل الجهات الأجنبية؛ إلا أنها فرضت رقابة أشد على انتشار المعلومات المضللة المحلية، والتي غالبًا ما يتولى “ترامب” وحلفاؤه نشرها، باعتبارها تمثل تهديدًا أكبر مع اقتراب انتخابات 2020. حيث أساء أنصار “ترامب” استخدام منصات التواصل الاجتماعي للشكوى من صحة بطاقات الاقتراع عبر البريد في الأشهر الأخيرة للانتخابات، وذلك على الرغم من الأدلة على أن التصويت بالبريد آمن ومضمون.

6- التضييق على حملة “أوقفوا السرقة” (Stop the Steal): والتي تشكلت مع بداية بوادر فوز “بايدن” في الانتخابات الرئاسية بدعوى أن الديمقراطيين يريدون “سرقة الانتخابات” الرئاسية عبر عمليات تزوير واسعة، حيث سرعان ما حظيت الصفحة الخاصة بالحملة على فيسبوك على مئات الآلاف من المتابعين في أقل من 48 ساعة. كما انتشر الهاشتاج الخاص بها #أوقفوا_السرقة “#STOP_THE_STEAL”، ودعوا خلاله إلى تنظيم احتجاجات ضد عمليات فرز الأصوات. إلا أن فيسبوك أغلق تلك الصفحات بوصفها إحدى أكبر المجموعات للتحريض على العنف، ونشر المعلومات المضللة حول العملية الانتخابية؛ وهو ما أثار غضب الجمهوريين، ومن ثم حثوا الآخرين على متابعتهم عبر المنصات البديلة مثل (Parler) و(Me We).

7- الاستقطاب السياسي السائد: حيث يأتي الانضمام لتلك المنصات البديلة كنتيجة طبيعية لثقافة الانقسام والاستقطاب السياسي التي سادت في الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية مع قدوم القادة الشعبويين. حيث بدأ الأمريكيون في اختيار خدمات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بهم، بناءً على اعتبارات الهوية السياسية لتلك المنصات.

مزايا المنصات البديلة:

تتمثل أهم مزايا المنصات البديلة فيما يلي:

1- مساحة أكبر من الحريات: حيث إن تلك المنصات توفر درجات أعلى من الخصوصية والأمان وعدم التدخل في المحتوى المقدم من خلالها.

2- ضعف الرقابة المفروض على المنصات البديلة: وهو الأمر الذي قد يرتبط بصغر حجم المستخدمين المتعاملين عليها، وكذلك ضعف التأثير الذي يمكن أن تحدثه في المجتمعات المنضمة لها.

3- الطفرة في أعداد المستخدمين الجدد: حيث شهدت منصة (Parler) وحدها تسجيل أكثر من (2) مليون مستخدم في يوم واحد بعد إعلان المرشح الديمقراطي “جو بايدن” عن فوزه في الانتخابات، كما تضاعفت لأربع مرات أعداد المستخدمين الفاعلين خلال أيام الأجازة الأسبوعية.

تحديات منصات اليمين:

على الرغم من أن هجرة أعداد كبيرة من اليمينيين من مؤيدي “ترامب” لتلك المنصات قد تسبب في مكاسب كبيرة لها؛ إلا أن ذلك لا يمنع من وجود بعض التحديات التي تجعلها لا تنمو بحجم المنصات الكبرى الرئيسية، ولعل من بينها:

1- المشاكل التقنية: حيث تسببت الطفرة الكبيرة في أعداد المستخدمين الذين قاموا بتحميل التطبيق والتعامل من خلاله في إحداث العديد من المشاكل التقنية المتعلقة بمشاكل في الولوج للمنصة ذاتها، أو سرعة التحميل عليها، وهي المشاكل التي وعد مؤسس المنصة “جون ماتيس” بحلها بصفتها مؤقتة، وجاءت نتيجة للتدفق المرتفع والمفاجئ للمستخدمين في وقت متزامن.

2- فرض العزلة: يرى بعض الخبراء أن ما قام به المستخدمون اليمينيون والمحافظون الجمهوريون من الانتقال إلى المنصات البديلة هو جوهر الهدف من عمليات تدقيق وضبط المحتوى، حيث إنهم يفرضون على أنفسهم عزلة اختيارية في منصات بديلة يطرحون من خلالها أفكارهم التي تحض على العنف والكراهية، وهو ما يمثل عملية تطهير تلقائي للمنصات الرئيسية، وذلك على الرغم من أن أغلبهم لم يترك تلك المنصات بشكل كامل. حيث إن ما قام به بعضهم من الانسحاب من تويتر، لم يكن إلا محاولة للمراوغة وإظهار القوة، وهو ما سبق وهدد به “ترامب” من أن انسحابه قد يكلف تويتر الكثير من الخسائر.

3- التعرض للمحتوى المحفز للكراهية: في حين تدرك تلك المنصات أن السبب الرئيسي وراء انضمام ذلك الحجم من المستخدمين لها بعد هزيمة “ترامب” يرتبط بمساحة الحرية في التعبير عن الأفكار التي تتيحها، دون فرض القيود على المحتوى المقدم؛ إلا أن ذلك السبب ذاته قد يفرض على تلك المنصات أن تظل محدودة الاستخدام دون أن تصل إلى حجم المستخدمين في المنصات الرئيسية باعتبارها أقل اعتدالًا وأكثر تطرفًا. ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أنه أضحى هناك وعي عالمي من جانب المستخدمين يحد من رغبتهم في التعرض للأخبار الكاذبة والمعلومات المغلوطة بل والمحتوى المتطرف الذي يحض على الكراهية والعنف.

وختامًا، يمكن القول إن التوجه نحو تلك المنصات البديلة قد يكون أمرًا مؤقتًا، بل هو بمثابة فقاعة مؤقتة، حيث يقترن بلحظة انفعالية نتيجة الخسائر المتوالية التي واجهها “ترامب” خلال الفترة الأخيرة وانتهت بخسارته الانتخابات، ورغبة المؤيدين في التعبير عن آرائهم بحرية أكثر. إلا أن الأمر قد لا يعني منافسة كاملة من جانب تلك المنصات البديلة، نتيجة لفقدانها للضوابط من ناحية، ومن ثم صغر حجم المستخدمين وإمكانية الوصول لقاعدة كبيرة من الجمهور، حيث إنهم لا يمثلون سوى جزء محدود جدًّا من مستخدمي المنصات الرئيسية. كما أن أغلب من يمتلكون حسابات على تلك المنصات ما زالوا في الأغلب يحتفظون بحساباتهم على المنصات الأخرى الرئيسية. ومن ثم فإن البقاء على تلك المنصات البديلة يمكن تشبيهه بمن يتحدثون مع أنفسهم، وهو ما سيفقد الأمر أي مغزى مع مرور الوقت نتيجة لمحدودية التأثير.

التصنيفات : تقارير