ارتياحٌ بين العلماء لفوز جو بايدن بالانتخابات الرئاسية الأمريكية

9 ديسمبر، 2020
1624

جيف توليفسون

مِن المزمع أن يتقلَّد جو بايدن منصب رئيس الولايات المتحدة قريبًا. وعلى أثر ذلك، عمَّ شعور بالارتياح بين العلماء في جميع أنحاء العالم، لكنْ تظل هناك مخاوف؛ حيث إنّ نصف الناخبين تقريبًا منحوا أصواتهم الرئيس دونالد ترامب، الذي تسبّبت قراراته مرارًا وتكرارًا في تقويض العلم. وسيواجه بايدن مهمّة صعبة في يناير المقبل مع تولّيه زمام الحكم في بلد يعاني حالةً من الاستقطاب السياسي.

وحول ذلك، تقول ألتا تشارو، وهي اختصاصية في أخلاقيات علم الأحياء، من كلية الحقوق بجامعة ويسكونسن في مدينة ماديسون الأمريكية: “انتهى الكابوس الذي جثم طويلًا على أنفاس هذه الأمة. لا يمكنني أن أجد وصفًا أفضل للوضع”، مستشهِدةً بمقولة الرئيس جيرالد فورد الشهيرة في عام 1974 في حديثه عن عهد سَلَفه ريتشارد نيكسون، بما زخر به من فضائح.

ورغم أن ترامب وحملته قد قَدَّما طعونًا قضائية ضد نتيجة الانتخابات في عددٍ من الولايات، فقد أعلنت منصات إعلامية أمريكية كبرى فوز بايدن بالرئاسة في السابع من نوفمبر الماضي، بعد تأكيد حصوله على نسبة كافية من أصوات المجمّع الانتخابي. وفور تسلُّم بايدن مهام منصبه في العشرين من يناير المقبل، سيسنح له وَقْف العمل بالعديد من السياسات التي أطلقتها إدارة ترامب، وأضرّت بالعِلم والصحّة العامة. ومن بين هذه السياسات ما يتعلق بتغيُّر المناخ، وملف الهجرة، وجائحة “كوفيد-19” التي من المتوقع أن يبلغ عدد ضحاياها أكثر من ربع مليون شخص في الولايات المتحدة قبل تَرْك ترامب رسميًّا منصبه في يناير المقبل.

كما يحدو الأمل الباحثين في إصلاح الكثير من الأضرار الأخرى التي نجمت عن ولاية ترامب؛ حيث يقول بيرفيز هودبوي، وهو عالِم فيزياء واختصاصي في مجال الحد من انتشار الأسلحة النووية في إسلام آباد، إنه بعد خروج ترامب من المشهد، “بدلًا من التناحُر، ربما نتمكّن من تحقيق ولو قدر ضئيل من التعاون الدولي، ومزيد من الالتزام بالقوانين والمعاهدات، ومن الكياسة في السياسة العالمية، والحد من “الأخبار الزائفة”، ونشر الابتسامة، وتخفيف مشاعر الغضب”.

كان بايدن، وهو ديمقراطيٌّ، وشغل منصب نائب الرئيس في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، قد وعد بتكثيف برامج فحوص الكشف عن المصابين بـ”كوفيد-19″، وتتبع مخالطيهم؛ للسيطرة على انتشار فيروس كورونا الجديد. كما تعهّد بتجديد انضمام الولايات المتحدة إلى اتفاقية باريس للمناخ، المبرمة في عام 2015 للتصدّي للاحتباس الحراري، وبرفع القيود المفروضة على منح التأشيرات، التي أضعفت رغبة الباحثين الأجانب في الوفود إلى الولايات المتحدة. وستكون نائبة الرئيس المنتخَبة كامالا هاريس -وهي محامية، وعضو بمجلس الشيوخ عن ولاية كاليفورنيا- أول امرأة تشغل واحدًا من أعلى منصبين في الدولة، وهي أيضًا أول سوداء وأول أمريكية من أصول آسيوية تُنتخب نائبًا للرئيس في بلد مزقته الصراعات العرقية.

وحول ذلك، يقول جيمس ويلسدون، وهو عالِم اجتماع من جامعة شيفيلد بالمملكة المتحدة: “صمود العِلم في الولايات المتحدة على مدار السنوات الأربع الماضية يدلّ على قوته ومرونته. ويمكننا الآن أن نتطلّع إلى فترة من الاستقرار، ما أحوج العِلم إليها!”.

أولويات مهمّة

من بين المهام المُلِحّة التي تقع على رأس أولويات بايدن التصدي للجائحة بإجراءات أكثر حزمًا. وتجدر الإشارة إلى أنه عقب الإعلان عن نتيجة الانتخابات الرئاسية، أعلن بايدن وهاريس عن تشكيل مجلس استشاري لمواجهة جائحة “كوفيد-19″، يضمّ خبراء من مجال الصحة العامة؛ لمساعدتهما على وقف انتشار الجائحة. ففي السادس من نوفمبر الجاري، أعلنت الولايات المتحدة عن إصابة أكثر من 130 ألف شخص بعدوى فيروس كورونا الجديد في يوم واحد، وهو رقم قياسي جديد على مستوى العالم.

وقد عَمَد ترامب إلى الاستخفاف بخطورة جائحة “كوفيد-19″، في الوقت الذي عارض فيه أيضًا الجهود الرامية إلى التصدي لفيروس كورونا، باعتبارها مكلّفة للغاية. وفي المقابل، تعهّد فريق بايدن بالعمل مع المسؤولين على المستويين الوطني والمحلي لتنفيذ قرارات ارتداء الكمامات على مستوى الدولة، وأيضًا تعزيز مَرافق الصحة العامة.

وَعَدَ فريق بايدن كذلك بالاستناد إلى العِلْم في اتخاذ القرارات. فعلى مدار الجائحة، همّشت إدارة ترامب مرارًا وتكرارًا دور العلماء الحكوميين في هيئات الصحة العامة، مثل “مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها”. من هنا، تقول تشارو إنه مع تولّي بايدن منصب الرئيس، “باتت الفرصة سانحة أمام العديد من الهيئات الحكومية لأداء عملها كما ينبغي”.

ومن المزمع أن تفتح إدارة بايدن أيضًا الباب أمام عقد شراكات دولية من جديد في إطار جهودها للتصدي لفيروس كورونا. وكان ترامب قد أعلن عن انسحاب الولايات المتحدة من عضوية منظمة الصحة العالمية في وقت سابق من هذا العام، موجِّهًا انتقادات للمنظمة الدولية بدعم الصين التي ظهرت فيها أولى حالات الإصابة بمرض “كوفيد-19”. وعن ذلك، تقول مارجا جوال سولر، وهي مستشارة معنية بالدبلوماسية العلمية والسياسات العلمية لدى الاتحاد الأوروبي: “يدرك جو بايدن وكامالا هاريس أنه لا يمكن لأي دولة أن تواجه التحديات الحالية بمعزلٍ عن الدول الأخرى. ونأمل أن يجدّدا تلك الشراكات، ويساعدا على إعادة إصلاح المؤسسات العلمية الدولية الكبرى”.

ومن بين الأولويات الرئيسة الأخرى التي سينهض بها بايدن: وقف العمل بالعديد من سياسات ترامب، التي تؤثر سلبًا على المناخ، والبيئة، والصحة والعامة.

وتأتي السياسات المتعلقة باتفاقية باريس للمناخ على رأس هذه القائمة. فقد انسحبت الولايات المتحدة رسميًّا من الاتفاقية في الرابع من نوفمبر الجاري، لكن بايدن صرّح بأنه سيعيد انضمام البلد إلى الاتفاقية بعد تولّيه منصبه في يناير المقبل. وقد أعلن هو وهاريس عن خطة، بقيمة تريليونا دولار أمريكي؛ لدعم الطاقة النظيفة، وتحديث البنية التحتية، والحدّ من الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري.

ويمثّل انتخاب بايدن أهميةً بالغةً للعلماء في “وكالة حماية البيئة الأمريكية” EPA، التي عانت من أثر مساعي ترامب لإلغاء لوائحها التنظيمية، ودعم نفوذ القطاع الصناعي، وتقويض دور العِلْم في وضع السياسات.

ويقول دانييل كوستا، وهو عالِم سموم، ترأس البرنامج البحثي المعنِيّ بالهواء والمناخ والطاقة لدى الوكالة حتى يناير من عام 2018، وأحد العلماء المخضرمين الكُثر في وكالة حماية البيئة ممن اختاروا في نهاية المطاف ترك عملهم خلال فترة ولاية ترامب: “سعت إدارة ترامب إلى تحريف أسس الوكالة”، مشيرًا إلى أن الوكالة ستحتاج إلى وقت للتعافي، لكن ها هي غيمةٌ قد انقشعت. ويضيف: “إنني موقن بأنّ العاملين في وكالة حماية البيئة يتنفسون الصعداء الآن”.

منافسة انتخابية محتدمة

صرح بايدن في بيان له بأن نسبة المشارَكة غير المسبوقة في تلك الانتخابات تؤكّد أن “الديمقراطية راسخة الأساس في الولايات المتحدة”. وأضاف قائلًا: “آن الأوان لنبذ خطاب الغضب والعنف، وأن نحيا معًا بروح الأمّة الواحدة. آن الوقت لأنْ تتوحّد أمريكا، وتُشفَى من جروحها”. لم يعترف ترامب بنتيجة الانتخابات حتى وقت طباعة هذا المقال، وقال إن “النتيجة لم تُحسم بأي حال من الأحوال”.

ويقول علي نوري، وهو اختصاصي في علم الأحياء الجزيئي، ورئيس اتحاد العلماء الأمريكيين في العاصمة الأمريكية واشنطن: “ما زلت أشعر بالقلق؛ فليس واضحًا بعد ما الذي يمكن أن يفعله ترامب للطعن في نتيجة الانتخابات. للأسف، أعتقد أنه قوّض بعض المبادئ الديمقراطية الراسخة، التي طالما تشبثنا بها في هذا البلد”.

لم تحقِّق نتيجة التصويت، التي جاءت متقاربة أكثر من المتوقع، ما تمنّاه الكثير من العلماء من تقريعٍ لترامب، فضلًا عن أنها لم تسفر عن اكتساح الديمقراطيين لمقاعد الكونجرس على النحو الذي قد يسهّل لبايدن المضيّ قدُمًا في أجندته العلمية، إذ خسر الديمقراطيون مقاعد في مجلس النواب، لكنْ من المتوقع أن يواصلوا الاستحواذ على أغلبية مقاعده. وقد لا ينتزعون السيطرة على مجلس الشيوخ، الذي يهيمن عليه حاليًّا الجمهوريون، والذي لن تُحسَم قائمة أعضائه النهائية قبل عقد جولتَي إعادة لانتخاباته في ولاية جورجيا في يناير القادم.

ورغم أن انتخاب بايدن ينبئ بقرب انتهاء عهدٍ رئاسي تجاهَل كثيرًا الحقائق، والعِلْم، والأدلة، يخشى علماء كثيرون مِنْ أنْ تُلاحِق آثار سياسات ترامب الولايات المتحدة، حتى بعد تركه المنصب بوقت طويل.

ويقول زيا ميان، وهو عالِم فيزياء، ومدير مشارك للبرنامج المعنِيّ بالعلوم والأمن العالمي في جامعة برينستون بولاية نيوجيرسي: “لهزيمة ترامب السياسية دلالة بالغة الأهمية، لكنها لا تبطل أثر هذا الاعتداء الهائل على المدنيّة الديمقراطيّة في الولايات المتحدة”. فقد قوّض ترامب القيم الراسخة للحقيقة والمساواة. وعلى حد قول ميان: من دون تلك القِيَم، “لا سبيل إلى حوار ديمقراطي”.

التصنيفات : دولية