كورونا يلقي بظلاله على حياة آلاف الأسر …. نساء بلا معيل يواجهن ظروفاً قاهرة

27 يناير، 2021
80

هيلين الكردي / النجف

تنتظر “معجزة سماوية” لا شيء آخر يمكن ان ينقذها مع أولادها من الفقر الذي وجدت نفسها فيه، بعد ان تخلى عنها زوجها وتركها أهلها وسط سيل متطلبات الحياة في بلد يرقد على بحر من النفط لكنه يعاني من قلة فرص العمل وغياب المؤسسات المعيلة للفقراء.

تواجه “أم سارة” مثل مئات النساء المنسيات، ظروفاً عصيبة بعد تخلي زوجها عنها وعن أطفاله الثلاثة من جهة، ومع تغاضي عائلتها عن مساعدتها على تحمل أعباء معيشتها وأطفالها من جهة اخرى، وفي ظل عدم اهتمام الدولة باعانة النساء الفقيرات ممن لا يملكن أي دخل، او التي اللواتي يواجهن تخلي أزواجهن وعائلاتهن عنهن.

أطفال “أم سارة” مازالوا صغاراً فأكبرهم لا يتجاوز العاشرة من العمر، يكابدون معاً تحت سقف بيت خرب، على اطراف مدينة النجف، لا يكاد يقيهم من برد في الشتاء ولا حر في الصيف، سارة البنت الكبرى ذات التسع أعوام و نرجس التي تصغرها بعامين يليهما سيف الذي لم يتعدى عمره  العام الواحد.

تقول أم سارة، وهي ربة بيت لم تكمل دراستها لأن اَهلها أجبروها على ترك المدرسة والزواج من ابن عمها، ان زوجها تركها بعد ولادة طفلهم الثالث بفترة قصيرة “لأنه لم يعد يستطيع تحمل مسؤولية تربية ثلاثة اطفال خاصة بعد خسارته لعمله في احد المطاعم بمدينة النجف”.

اغلاقات كورونا دمرت الاقتصاد

دفع انتشار فيروس كورنا في العراق الى قيام الحكومة بعدة عمليات اغلاق كاملة للمرافق العامة في البلاد ولفترات طويلة ما تسبب بخسائر كبيرة للعديد من القطاعات بما فيه قطاع المطاعم والفنادق، حيث تم تقليص عدد العمال في ظل تراجع اعداد الزوار الأجانب للمدينة التي كانت تستقبل مئات آلاف الزوار سنويا والذين كانوا يشكلون المصدر الأساسي لتحريك اقتصاد المدينة وتوفير فرص العمل.

كما أدى انتشار فيروس كورونا الى تراجع اسعار النفط التي هبطت الى ما دون الـ40 دولارا لتزيد من المشاكل الاقتصادية في البلاد التي تعتمد على النفط كمورد اساسي لتحريك الاقتصاد.

تقول أم سارة:”زوجي تخلى عني وعن اطفالي ولا اعلم عنه أي شيء منذ فترة، والتواصل معه منقطع فهو لا يسأل عن أطفاله، كما ان أهلي لا يستطيعون تحمل اعباء معيشتي ومعيشة اطفالي الثلاثة خاصة انها ايضا محدودة الدخل”.

وتضم عائلة أهل “أم سارة” ١٤ فردا، يسكنون في بيت واحد ولا يملكون مكان يكفي لسكن ابنتهم، لذلك اضطرت الى استئجار بيت متهالك قريب من محل سكناهم ويتكفل احد المحسنين بدفع الإيجار في فترات متقطعة.

وتلفت الى انها لا تعرف الى أين تلجأ وبمن تستعين من اجل انقاذ حياتها وحياة أطفالها، مبينة انها “تأمل ان تجد مؤسسات حكومية او منظمات مدنية او جهات دينية تعيينها على تأمين متطلبات حياتها “لكنها لم تتلق غير مساعدات غذائية محدودة”.

مساعدات غذائية

يؤكد “أبو علي” وهو احد العاملين في منظمة للمجتمع المدني تعنى بتوزيع المساعدات الغذائية، ان “سبعة اشهر من الإهمال الذي عاشته ام سارة اضطرها للجوء الى منظمات مجتمع مدني للحصول على بعض المساعدات لتعيل نفسها وأطفالها”.

ويستدرك: ”لكن هذه المساعدات تظل بسيطة ولا تسد حاجة العائلة لفترات طويلة، كما ان العائلة في حاجة الى متطلبات اخرى غير الطعام”.

وينبه “ابو علي” الى ان الوضع الاقتصادي “لشريحة واسعة من العراقيين شهد تراجعاً كبيراً عقب تدهور أسعار النفط في العام 2020، فكيف الحال مع العوائل محدودة الدخل التي تعتمد بشكل أساسي في تأمين قوتها اليومي على قطاعات عمل تعطلت لأشهر مثل الأسواق التجارية والمطاعم والمرافق السياحية في النجف، حيث فقد آلاف العاملين في تلك القطاعات مصادر قوتهم في ظل جائحة كورونا وانقطاع الزوار الدينيين عن المدينة”.

وفي وقت تنتظر آلاف العوائل النجفية التمكن من ايجاد حل نهائي لفيروس كورونا سواء بتلقي اللقاحات الفعالة او اكتشاف ادوية للعلاج بما يدفع الى انهاء الاغلاقات وفتح الحدود امام الزوار الدينيين، وتحسن اسعار النفط لاستعادة النشاط التجاري والاقتصادي، فان أم سارة لا تملك قوة مواجهة اوضاعها الصعبة لنحو عام كامل آخر هو السقف الذي ربما سيتحقق خلاله الخروج من دائرة التداعيات المباشرة للوباء.

الوضع الاقتصادي الهش

الدكتور احمد الصائغ التدريسي في جامعة الكوفة يبدي خوفه من الوضع الاقتصادي الحرج للعوائل محدودة الدخل، قائلا: “الأزمات الاقتصادية المتتالية من شأنها ان تدخل آلاف العوائل الأخرى في محافظات الوسط والجنوب في دوامة الفقر، مع تردي وضعهم المعيشي نتيجة تزايد نسبة البطالة الى اكثر من ٣٥ ٪؜ في هذه المناطق وفي ظل عجز حكومي واضح عن احتواء مثل هذه الأزمات”.

وبحسب ارقام حكومية فان نسبة الفقر في عدة محافظات جنوبية كالمثنى وصلت الى ما يفوق الـ50%، فيما بدأت محافظات الوسط كالنجف وكربلاء ايضا تواجه تزايدا في معدلات الفقر.

تقول أم سارة بصوت خافت بينما تلتمع الدموع في عينيها “أنا يائسة لا اعرف ماذا أفعل وكيف سأربي أطفالي؟.. حتى عائلتي التي وعدتني بالمساعدة لم آرَ منهم ما يعينني!.. تمر علينا أوقات لا نملك فيها قوت يومنا، فكيف سأتدبر ثمن الدواء لمن يمرض وبقية الاحتياجات لمن يدرس”.

وتعلق على امكانية ان تقوم بالعمل من أجل تأمين احتياجاتها:”لا اعرف ماذا يمكنني ان اعمل، وهل يمكن ان أجد عملاً يناسبني فأنا لم اكمل دراستي؟.. حتى الرجال في مثل هذه الظروف يعانون من البطالة فكيف بامرأة مثلي”.

وتستدرك:”هناك قيود اجتماعية تمنع النساء من العمل، ولا اعرف هل يمكنني مواجهتها… أتمنى ان أجد عملا مناسباً يجنبني انا وأطفالي العوز والفقر، كل ما أحلم به ان أربي أطفالي بأمان دون أن نمد أيدينا للآخرين”.

قلة فرص العمل المناسبة للنساء

السيدة وفاء، وهي ناشطة نسوية من النجف، تؤكد صعوبة عمل النساء: “رغم الانفتاح في الكثير من المناطق النجفية الذي مكن بعض النساء من الخروج الى العمل جنباً الى جنب مع الرجال، الى ان الحصول على فرص عمل للنساء في مثل هذه الظروف الاقتصادية أمر  صعب لقلة فرص العمل المناسبة للمرأة من ناحية، وبقاء بعض القيود العشائرية والمجتمعية من ناحية اخرى”.

أم مصطفى، وهي ارملة لديها خمسة اطفال، تعاني بدورها من صعوبة تأمين متطلبات عائلتها حتى مع تلقيها راتب تقاعدي، وهو ما دفعها للعمل كعاملة تنظيف بأجر يومي.

تقول “انا استلم راتبا تقاعديا لزوجي المتوفي لا يتجاوز ٢٧٥ الف شهرياً، هذا لا يسد اغلب احتياجات المنزل، لذا اضطررت للعمل بأجر يومي كعاملة تنظيف في مدرسة أهلية لعلي أستطيع تربية أولادي دون اللجوء الى طلب المساعدة من الآخرين”.

لكن أم مصطفى تخشى أن تخسر عملها اليومي الذي يؤمن مبلغا زهيدا لها، ففرص العمل تتراجع، وعدد الفقراء ممن يبحثون عن عمل يزدادون.

أمام ذلك الواقع الصعب، لا تملك أم سارة، الا أن تتأمل تحسن الاوضاع الاقتصادية وعودة زوجها الى بيته وعمله، او أن تجد عملا يناسبها.

تقول:”آمل ان يعود زوجي الى عائلته، أو أن أجد عملاً مناسباً وان تتقبل عائلتي ذلك، لكن اذا لم يتحقق الامر، فلن يكون امامي الا ان أنتظر معجزة من السماء تنقذني وأطفالي من قاع الفقر بكل ما يمكن ان يحمله من فواجع لنا”.

بحسب إحصائيات وزارة التخطيط العراقية فإن نسبة الفقر بعد انتشار كورونا بلغت أكثر من 30% كمعدل في عموم البلاد، رغم كونها واحدة من كبرى الدول النفطية وتملك موارد طبيعية هائلة. وتسجل في المناطق الوسطى والجنوبية معدلات فقر أكبر تصل في بعض المحافظات الى أكثر من 50% في ظل برامج تنموية معطلة وفساد كبير تعاني منه البلاد وهو ما جعلها تتصدر قائمة الدول أكثر فسادا في العالم.

أم سارة مستعدة لقبول أي عمل يناسبها، لكنها حتى ان وجدت ذلك فهل ستتقبل عائلتها عملها خارج المنزل؟ في ظل التقاليد الاجتماعية القاسية. وأين ستترك أطفالها الثلاثة؟.. انها حلقة الفقر والحرمان والقلق التي تعاني منها آلاف النساء مع الفساد المستشري في الدولة وضعف المؤسسات المعنية باطلاق المشاريع الصغيرة وعجز منظمات المجتمع المدني على القيام بتلك المهمة.

التصنيفات : تحقيقات