خريجون شباب بلا تعيين .. يرسمون للجدران ويلونون للحياة

27 يناير، 2021
120

حنين أحمد الموسوي

 ” حتى الفن أصبح محاصصة حزبية ” عبارة كان يرددها سامر ، وهو يحمل لوحة بيده يحاول ان يعلقها على جدران مرسمه الصغير ،وهو يرتدي ملابس العمل ويديه السمراء تغازل الفرشاة .

فقد إنتهى موسم الألوان كما يقول  سامر كريم الذي يتحدث عن معاناته التي ادت الى ترك الدراسة ”  دخلت كلية الفنون لانني كنت اعشق فن الرسم ، ورسمت لوحات كثيرة منذ كنت تلميذا في المدرسة وبعد ثلاثة سنوات من حياتي الجامعية  قررت ترك دراستي وانا طالب في المرحلة الثالثة بسبب ظروف قاهرة ، فقد انجزت الكثير من الاعمال الفنية خلال دراستي وشعرت بأن هذه الموهبة ستندثر بعد التخرج بسبب فقدان الدعم من الجهات الحكومية بعد ان شاهدت الكثير من المتخرجين بلا تعيين او عمل او اهتمام  “

فسامر الواسطي البالغ من العمر ثمانية وعشرين سنة إلى الآن لم يتلقى دعم يليق برسمه على معدن الألمنيوم فهو يؤكد ” لايوجد أي تشجيع او اهتمام بالمواهب  فلا يمكنني التخلي عن هذا الجمال حتى وان لايمتدحني أحدا أو تهتم الحكومة باعمالي الفنية وتحتويني بمختلف سبل التشجيع أسوة بالجهد المبذول ، لذا تعودت الهروب  من واقعي الى الواقع الفني ، ومن بخل الحكومة بالدعم الواجب إلى العمل التطوعي الذي يغذي مسارات الفن في داخلي ” .

وبحسب احصائيات صادرة من وزارة التعليم العلي والبحث العلمي فان العراق يخرج سنويا اكثر من 5 الاف فنان من جامعات البصرة، الموصل ،بغداد وبابل ، بينما تشير احصائيات وزارة التربية الى تخرج اكثر من 10 الاف من كلا الجنسين من معاهد الفنون الجميلة في بغداد والمحافظات .

 ويضيف سامر “ا يشعر الفنانون في خضم هذه الفوضى من المؤسسات والحكومة بحزن عميق لعدم الاهتمام  بلوحاتهم ونتاجهم الفني فلا تخلو لمساتهم من هذا الحزن الذي يقفز بين الألوان وأحاديثهم إذا ما مر هذا الحديث مهيجا شجونا لا ينضب ” .

 من جانبه يتحدث الفنان مصطفی زهيري ” بدأت مسيرتي كنحات ثم كرست شغفي للرسم ، واسست جمعية تطوعية من تمويلنا الخاص شارك فيها بعض زملائي  المتطوعين من أكاديمية الفنون الجميلة ولكن غلقنا الجمعية فيما بعد ، اذ بالرغم من تسجيلها ضمن المؤسسات غير الحكومية الا اننا لم نتلقى أي دعم يذكر من جانب الدولة التي من أحد واجباتها وأهمها دعم الجانب الفني ، ولا يوجد عمل مما ادى الى ايقاف عملها “

ويضيف ” ان الحكومة لم تدعم القطاع الخاص ولم توفر فرصا للتعيين لذلك اصبح الفنان يعاني ولا يعرف كيف يتصرف في خضم انعدام الدعم للمتخرجين  الذين اصبح عددهم بالاف وبلا تعيين “.

ويرى الفنان التشكيلي حيدر عرب  ” جهود كل الأخوة الفنانين هي جهود مشكورة رغم شح الدعم ، وإن تكثف التوجه نحو العمل التطوعي من قبل الفنانين المتخریجن ، لم يأتي عن فراغ بل بعد اليأس من التعيينات والإحتواء الأمثل وحتى أن العمل التطوعي تنوع بين مغزاه و توجهاته فقليل جدا من يقدم على سجية إنسانية بحتة دون منافع أخرى “.

 ويتابع ” إن الحركة الفنية في العراق رغم الصعوبات الإجتماعية والثقافية والإقتصادية فهي ولادة ومثمرة ، ونتأمل أن تعيد المؤسسات الحكومية نفسها وهي بذلك تعيد الحياة وتنعش الواقع الفني ككل “.

وحول ما يقدم للفنانين فقد أعلنت وزارة الثقافة عن محاولتها لإدراج منح لدعم الفنانين ، بعد ان تم قطعها لأكثر من ثلاثة سنوات  اذ يستلم كل فنان مسجل ما يقارب المليون دينار سنويا .

ويبين عضو نقابة الفنانيين مسلم شاكر ” استلمنا هذه المنحة لسنتين فقط وتم ايقافها في حكومة العبادي ولحد الان ، اذ كانت المنحة من قبل وزارة الثقافة للمسجلين فقط ، وهناك الالاف من الفنانين الذين لم تدرج اسمائهم بسبب قلة التخصيصات المالية ، فحتى هذه المنحة التي لا تتجاوز 84 الف دينار شهريا تم الغائها ” .

الفنان أحمد صلاح عباس  41عاما يوضح ” في كل صباح ابتكر قصة مخضبة بفرشاتي، ، ولم يمنعي مرضي المزمن (شلل وتري الصوتي الأيسر )الذي لا علاج له في العراق ، من التوقف عن الرسم “

ويقول  ” فانا اب لثلاثة اطفال وأسكن في الإيجار ، وبالرغم من قلة الدعم ولا وجود للتعيينات ، الا اني قدمت المئات من الاعمال التطوعية في مدينتي بابل وخصوصا ما ارسمه على جدران المدراس ورياض الاطفال نابع من حب الوطن والأطفال ، لدرجة تمنحني القوة المواصلة ما بدأت به مهما كان الأمر مجهذا ” .

ويؤكد ” كثيرا ما نجد من يتقن التطوع  بكثرته لا بجودته  فجامعة بغداد للفنون الجميلة غرست في داخلي عمق التجربة وإتقان الفن ، ولطالما كان الفن متجسدا في أنامل إنسان حق ليخلق قصة ملونة متشعبة الحكايات ” .

وحول دور نقابة الفنانين  يعبر مصطفی زهيري عن هذا الجانب ” إن نقابة الفنانين والجمعية ، كلا الجهتين ليس لهم دور يفيد الفنان بالتعيين ولا يوجد دعم بما يتناسب مع اهمية الفنان بالشكل الذي يليق بمكانته الصحيحة في المجتمع ، فحتى الفن أصبح محاصصة حزبية ، فهناك متخرج من حزب سياسي او قريبا للمسؤول يعين فورا ، بينما يصطف المئات من الخريجين للتقديم على فرصة ولا يحصلون عليها ” .

وتعتقد مديرة مؤسسة امل الحياة سرى العلي  ” ان الفن يشكل جانب مهم من حياة الشعوب والدول وهو يرسم ثقافتها وحضارتها ، وليس غريبا على حكومات تعد موازنات انفجارية بالتريليونات ولا تخطط تخطيطا يحل جزء من مشكلة المتخرجين الذين يبحثون عن تعيين منذ سنين طويلة ، لا توفر الحكومة قروضا للفنانين لفتح مشغل او مكتب ، فهناك تقصير كبير في دعم الفن بشكل عام والرسامين بشكل خاص “.

وتشير ” لجوء الفنان الى الاعمال التطوعية والرسم على الجدران وخصوصا في تظاهرات تشرين ، وخروج عدد كبير من الرسامات والرسامين الى الشوارع ورسم وتلوين جدران الجسور والمدارس والانفاق والشوارع والساحات هو نوع من الرفض لسياسيات التهميش للفن وللمتخرجين “.

ويختم سامر حديثه ” لا شيء يعوض الفنان عن ما يقدم من ابداع وحياة داخل لوحاته تتحدث عن الظلم الكبير الذي نتعرض له ، سوى اننا نحول الفرشاة والالوان الى سلام ننتقد فيه تهميش الفنان الاكاديمي ، ونامل ان يتغير الواقع وان نجد صدى صوتنا مسموعا “.

التصنيفات : تحقيقات