رسلان الكردي.. تركماني اشتهر بتدريس الرياضيات في مدينة النجف

29 يناير، 2021
170

وسام الرازقي
يقف الأستاذ رسلان امام مدرسته متوسطة الفارس العربي صباحا ليستقبل طلابه متوجهاً الى صفه ماسكا بيه قلم السبورة وبعض الأوراق مخطوط عليها بعض المعادلات الرياضية.
كان صخب المدرسة يسبق جرس الدرس الاول لينطلق الأستاذ (رسلان) ذو الأربعين عاماً الى صفه ينادي طلابه : ” يله شباب اجريكل” بمعنى ” ادخلوا ” فيبتسم بعض الطلبة الذين يفهمون بعض مفردات اللغة التركمانية، فيتدافعون بسرعة نحو باب الصف لحضور درس الأستاذ رسلان.
اصطحبني رسلان الى بيته الذي يقع في حي شعبي بسيط في النجف، لنلتقي بزوجته واطفاله ”جنا وعلي” اللذان كانا يلعبان في باب الدار، فينزع نظارته ليحضنهما، ويبدأ بتقبيلهما بحنان ابوي فياض.
تحدث رسلان عن نزوحهم من قرية بشير بكركوك فقال: ” لم يكن لدي أطفال حين بدأ نزوحنا من قريتنا قبل سقوطها بيد داعش، فبعدما سقطت الموصل بيد داعش في العاشر من حزيران عام 2014، أصبح من السهولة السيطرة على المدن والقرى القريبة منها او التي تنشط فيها داعش”.. يضيف قائلا: ” كانت توقعاتي لسقوط قريتنا كحل المعادلة الجبرية بشكل سريع والتوقع بنتائجها كون تنظيم داعش يستبيح دماء الجميع دون التفرقة بين من هو سني او شيعي او تركماني او كردي، وباعتبارنا كفارا في نظرهم سبقت الاحداث وهربت بأمي وابي وزوجتي الى مكان اكثر امناً، فكانت النجف خيارنا المفضل“.
بيشير قرية زراعية تقع على بعد 27 كم إلى الجنوب الغربي من كركوك، وتتبع لناحية تازة خورماتو التي تبعد عنها 7 كيلومتر، ويمر من القرية خط سكة الحديد الذي يربط كركوك ببغداد. وكان في بيشير عام 2010م حوالي 1400 بيت سكني وحوالي 7 مدارس و 10 مساجد وحسينيات.
وكانت قوات الجيش العراقي انسحبت بشكل مفاجئ من كركوك وخضعت القرية لسيطرة تنظيم (داعش) في 17 يونيو حزيران 2014، وبعد اقتحام داعش قرية البشير شهدت القرية جرائم مروعة من قتل وسبي ونهب وتفجير مساجد وحسينيات من قبل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وعلى اثر ذلك نزح معظم اهالي البشير.
يضيف رسلان راويا تلك اللحظات الصعبة : ” كانت مراحل الهروب مرعبة تتزامن مع سقوط المدن والقرى واحدة تلو الأخرى، حيث بدأت سيارات داعش تقترب من أبواب قريتنا”، استعان رسلان بجاره ” وهو من الطائفة السنية” كما يقول، لنقلهم بسيارته التكسي الى بغداد، ناقلا عنه القول” انا سأخلصكم واعود لأجلب عائلتي فلا اطيق منظر المدينة بدونكم” ، ترك رسلان خلفه ” دارا صغيرة ودكان والدي في وسط سوق قرية بشير وكل ما نملك من اغراضنا ” .
كان تفكيره كيف يبتعد عن خطر داعش، من دون ان يحدد وجهته النهائية، يقول رسلان ” كانت لدينا عدة خيارات في طريق الهروب اما الذهاب الى بعقوبة، او طوزخرماتو حيث يتواجد اخوتي، او بغداد، ولم تكن مدينة النجف في حساباتنا”.
ويضيف قائلا ” عند وصولنا الى بغداد كانت المعاناة في ايجارات الدور المرتفعة والمعيشة الصعبة، فنزلنا مع مئات العوائل النازحة بجامع الحيدر خانة الذي يقع وسط العاصمة بغداد بداية شارع المتنبي، المخصص لبيع الكتب، حيث انتظرنا لأيام حتى سمح لنا بالذهاب الى مخيمات على اطراف العاصمة”. ولسوء الاوضاع ” كان القرار ان نتوجه مع مئات العوائل الى مدينة النجف والتي سمعنا ان هناك اكثر اماناً وان المجتمع في النجف متسامح ويتمتع بحب استقبال الضيوف بسبب المراقد المقدسة فيها“.
تقع مدينة النجف 176 كم جنوب بغداد، وهي إحدى المدن الدينية المقدسة لدى المسلمين الشيعة حيث مرقد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام .وقد احتضنت النجف عشرات آلاف النازحين من مختلف مناطق العراق التي شهدت اضطرابات امنية. وتتميز بكونها مقرا للمرجعية الدينية الشيعية على مستوى العالم الاسلامي، وتنتشر فيها العشرات من المدارس الدينية التي تعنى بالشؤون العقائدية والفقهية.
وبحسب مدير الهجرة والمهجرين في النجف جواد فاهم العبودي إن عدد النازحين من كل المحافظات إلى النجف بلغ (86,646) الف مهجر، وكان نازحي قرية بشير وامرلي قليلين قياساً بنازحي الموصل وتلعفر حيث بلغ عددهم حوالي (6709 ) عائلة .
وعلى الرغم من تحرير قرية بشير وامرلي ومدن العراق الاخرى من تنظيم داعش عام 2017، الا ان اكثر من (2500) عائلة تركمانية فضلت البقاء والاستيطان في مدينة النجف واندمجت بشكل كبير مع السكان الاصليين في المحافظة.
وتبين لجنة الهجرة والمهجرين النيابية في تقاريرها دراسة حقيقية حول تعداد التركمان في العرق ،بان عددهم حوالي ثلاثة ملايين ونصف المليون نسمة ، أي 2% من السكان ، الذين يتوزعون في محافظات كركوك ونينوى واربيل وديالى إلى جانب مدينة تلعفر وآمرلي وطوزخورماتو وكفري والتون كوبري وداقوق وقرية بشير، إذ يعتبر التركمان القومية الثالثة في العراق بعد العرب والكورد.
وأوضحت زوجة رسلان الذي باتت تعمل في صناعة الكبة البيتية كمصدر للرزق بعد استقرارهم في حي الأنصار بالنجف الاشرف ” سكنا حال وصولنا النجف في حسينية على الطريق بين النجف وكربلاء، وكنا سبعة عوائل، تعدادنا خمسون فردا ، كلنا نقيم في قاعة صغيرة ، إذ بقينا لمدة شهرين على هذا الحال قبل الانتقال الى دار استأجرناها في حي الأنصار داخل المدينة وبعد ان اكمل زوجي رسلان أوراق النقل والاستقرار كمدرس في احدى مدارس المدينة ” .
” بادر أبناء الحي بمساعدتنا ببعض الأغراض عندما علموا باننا نازحين إذ جهزونا بأدوات المطبخ وبعض الافرشة والمواد الغذائية” تضيف الزوجة في حديثها ” اضطررت للعمل بصناعة الكبة وبيعها على ربات البيوت في الحي لشراء أثاث للبيت” معربة عن تمسكها بمنطقة سكنها الجديد وجيرانها الطيبين، وانها ” لا تريد الانتقال لأي مكان أخر او حتى العودة الى قريتنا” .
الكثير من التركمان وجدوا في النجف موطنا ملائما لهم لا سيما على الصعيد الاجتماعي وكانت ” اللغة هي العائق في السابق إلا إننا ألان نجيد التحدث بالعربية إذ يتحدث غالبية التركمان في قرية بشير وامرلي اللغة التركمانية وحدها، وهنا أصبحت اللغة العربية دارجة الاستخدام بفضل الاندماج والتواصل بين السكان المحليين والنازحين ”، كما تقول زوجة رسلان التي ختمت بالقول” “إن عائلتي تحب النجف، فزوجي وأطفالي الذين ولدوا في النجف يقيمون علاقات وثيقة مع الجيران وزملائهم في المدرسة، وقد تعلمت طبخ الأكلات النجفية الطيبة مثل الفسنجون والقيمة النجفية الاصيلة واحببنا ( دهين أبو علي) إحدى الحلويات التي تشتهر بها النجف، ونتبادل مع الجيران أطباق الطعام ومنها الكبة الموصلية على الطريقة التركمانية“.
مدير مدرسة الفارس العربي
بدوره يتحدث مدير مدرسة الفارس العربي الأستاذ احمد كاظم الذي احتضنت مدرسته عدد من المدرسين والطلبة التركمان ، ان أبناء المنطقة ” قدموا المساعدة لاخوانهم النازحين وعوائلهم والتي تعتبر ديدن البيوت النجفية التي اعتادت على استقبال زوار العتبات المقدسة في المحافظة.

واسترسل مدير المدرسة “سبق وان كانت لي معرفة ببعض التركمانين في الكلية ببغداد قبل ان تنكب مدنهم على يد الارهاب “.
ويضيف “مع موجة النزوح الاولى توجهت الى الحسينيات والجوامع في طريق النجف كربلاء شمالي مدينة النجف لاستقبال العوائل الوافدة خصوصا ان اغلب السكان النازحين في حالة يرثى لها من عدم وجود الغذاء والماء والمستلزمات الضرورية للمبيت”. ويقول احمد انه قام بكفالة اكثر من كفالة 12 عائلة بضمنهم عائلة رسلان.
رسلان مدرس الرياضيات المشهور
بعد استقرار رسلان وعائلته في مدينة النجف الاشرف واتمام أوراق نقله الى ملاك مديرية التربية فيها، استطاع كسب ود الطلبة بأسلوبه الشيق وطريقة تدريسه المطعمة بالكلمات التركمانية، حيث اصبح من المدرسين المميزين بعد تحقيق نتائج جيدة في امتحانات البكلوريا للصف الثالث المتوسط.
يقول رسلان: “ تمكنت من اثبات وجودي بين المدرسين المميزين في المحافظة، وبدأت المدارس الاهلية تفاتحني بالتدريس فيها، وهنا فتحت امامي أبواب جديدة وأصبحت علاقاتي بالطلبة قوية جدا، وبدأوا يطالبوني بفتح دروس تقوية بسبب اسلوبي المبسط في طرح المادة، وكانت شهرتي بينهم رسلان الكردي“. وبين رسلان بأن ” المعاملة والود الذي وجده في سكنه الجديد ومدينة النجف قررت عدم العودة الى قرية بيشير رغم عودة الأوضاع فيها الى سابق عهدها”.
حالة حب يتبعها زواج
وعند خروجنا من باب دار رسلان، صادفنا شاب نجفي جاء ليدعو رسلان بالحضور الى مجلس قرانه على احدى الفتيات من العوائل التركمانية النازحة، وهنا بدأ فائز ( 30 عاما) وهو صاحب أسواق في حي الأنصار يروي لنا ” قصة الحب التي ربطته بالفتاة عندما كانت تتردد الى محله، مما دفعه لاختيارها كشريكة لحياته دون الاكتراث الى كونها من غير قومية” معتبراً ان ” الزواج هو توافق بين شخصين لا يستند الى القوميات المختلفة”.
النجف مدينة التعايش
وعن طبيعة العلاقات واستقرار النازحين يقول الباحث في شؤون النزاعات المحلية في جامعة الكوفة الدكتور قاسم الزاملي ” إن النازحين التركمان مواطنين عراقيين ولم يغيروا من واقع المدينة امنياً او اجتماعياً على الرغم من إعدادهم الكبيرة فهم يؤمنون بالسلم المجتمعي وأبناء النجف احبوهم كثيرا لاحترامهم لعادات وتقاليد المحافظة لذلك كانت محافظة النجف مثالا للتعايش السلمي واندماجه مع مجتمعات مختلفة عنه قومياً ولغوياً وحتى عقائديا” .
وانخرط معظم التركمان الوافدين في سوق العمل والوظائف دون اي عوائق، سيما انهم اكتسبوا مودة وتعاطف المجتمع النجفي ، كما هو الحال مع رسلان الذي اصبح من اشهر مدرسي الرياضيات في محافظة النجف.

التصنيفات : تحقيقات