أهداف عملية “مخلب النسر-2” التركية في شمال العراق

21 فبراير، 2021
1484

تواصل تركيا مساعيها الرامية إلى مواجهة حزب العمال الكردستاني والمنظمات التابعة له في شمال العراق، وذلك بالتزامن مع العملية الجارية المسماة بـ”نبع السلام” والتي تشنها ضد ميليشيا “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، والتي يمثل المكون الكردي الجزء الأكبر منها، في شمال شرق سوريا. إذ أعلنت وزارة الدفاع التركية، في 10 فبراير الجاري، إطلاق العملية العسكرية “مخلب النسر- 2” في شمال العراق، وأكدت أن العملية الجديدة انطلقت من منطقة كارا العراقية. ورغم أن العملية انتهت في 14 من الشهر نفسه، بعد تحييد 50 هدفاً وتدمير 50 موقعاً لحزب العمال الكردستاني حسب تصريح وزير الدفاع خلوصي آكار، فإن ذلك لا ينفي أن تركيا ربما تشن عمليات مماثلة في المستقبل. لكن اللافت في هذا السياق، هو ظهور تقارير، بعد ذلك بيوم واحد، تكشف عن مقتل 13 تركياً أعلن آكار العثور على جثثهم في إحدى المغارات التابعة للحزب في منطقة كارا.

دوافع عديدة:

تتمثل أهم دوافع أنقرة للسعى لتكثيف جهودها العسكرية ضد الأكراد في شمال العراق في الوقت الحالي فيما يلي:

1- توجيه اهتمام الرأى العام التركي نحو ما يسمى بـ”الخطر الكردي”: يبدو من خلال متابعة مجمل مواقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية في الأعوام الماضية، أنه دائماً ما يحاول اختلاق قضايا أو إشكاليات خارجية يستطيع من خلالها تحقيق مكاسب سياسية داخلية على حساب خصومه الذين يشنون حملات متواصلة ضد “الإخفاقات” التي منيت بها السياسة التركية إزاء الملفات الإقليمية المختلفة. وقد بدا ذلك جلياً في مطالبة المعارضة للسلطات بضرورة الكشف عن الأسباب الحقيقية لوجود القتلى الأتراك لدى حزب العمال الكردستاني، وما إذا كان ذلك نتيجة نجاح الأخير في تجاوز الإجراءات الأمنية في جنوب شرق البلاد، أو تعقب العناصر التابعة لأجهزة الاستخبارات التركية داخل الأراضي العراقية. وقد اكتسبت هذه التساؤلات زخماً خاصاً لاسيما بعد أن قامت السلطات التركية، في اليوم نفسه، بشن حملة اعتقالات في صفوف الأكراد، بينهم قياديين في حزب الشعوب الديمقراطي، بتهمة الانتماء إلى حزب العمال الكردستاني.

 ويبرز الاتجاه نحو اختلاق أزمات خارجية بوضوح في الفترات التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية، أو التي يسعى خلالها الرئيس وحزبه إلى التغطية على الفشل اللافت في السياسات الاقتصادية. ويرغب الرئيس أردوغان في إشغال الرأى العام التركي بقضية “الخطر الكردي على الدولة التركية” بصورة أكبر، باعتبار أنها تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي التركي. ويسعى أردوغان من تركيزه على هذا الملف في هذا التوقيت وشغل الرأى العام التركي بصراع خارجي تخوضه الدولة، إلى الترويج لمزاعم حول “نجاحات خارجية” في المحيط الجغرافي، على أساس أن ذلك سينعكس إيجاباً، وفقاً لرؤيته، على مستقبله السياسي، خاصةً مع تصعيد المعارضة التركية من ضغوطها لإجراء انتخابات مبكرة قبل الموعد المحدد للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة في 2023.

2- استكمال الإجراءات التركية ضد أكراد سوريا: يمكن فهم التصعيد التركي الحالي في شمال العراق في ضوء رغبة أنقرة في استكمال الإجراءات التي اتخذتها على صعيد محاربة الأكراد في الشمال السوري، وكذلك استكمالاً للتضييق الذي تقوم به السلطات التركية ضد أكراد الداخل، وذلك إدراكاً منها أن محاصرة الأكراد يجب أن تكون شاملة ومتزامنة على الصعيدين السوري والعراقي نظراً للترابط الجغرافي بينهما وسعياً لإجهاض أى فرصة محتملة لحدوث اتصال جغرافي بين الجناح الكردي المناهض لها من ناحية الحدود العراقية (وهو حزب العمال الكردستاني) والجناح الكردي الآخر المناهض لها من ناحية الحدود السورية (وهى وحدات حماية الشعب الكردية). ويبدو أن هذا التوجه سوف يتصاعد خلال المرحلة القادمة، لاسيما في ظل محاولات أنقرة تقليص احتمالات فتح قنوات تواصل بين إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن والميليشيات الكردية في شمال سوريا، والتي كانت تعتبرها إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب حليفاً رئيسياً في الحرب ضد تنظيم “داعش”.

ومن هنا، يبدو أن أنقرة تسعى إلى استباق أية خطوة إجرائية أمريكية في هذا السياق، في ظل تزايد احتمالات إجراء تغيير في السياسة الأمريكية إزاء الملف السوري خلال المرحلة القادمة، حيث تتعرض معظم الملفات الإقليمية في الشرق الأوسط لعملية مراجعة من جانب الإدارة الأمريكية الحالية. وقد كان لافتاً أن مراقبين أتراك اعتبروا أن اتجاه أنقرة إلى إنهاء العملية العسكرية الأخيرة يرتبط بضغوط مارستها واشنطن التي سعت إلى توجيه رسالة للأولى مفادها ضرورة احترام السيادة العراقية.

3- غياب ردود الفعل العراقية تجاه العملية التركية: غابت ردود الفعل العراقية بشكل لافت عن مجرد التنديد بالعملية التركية. ويبدو في هذا الإطار أن العراق تتحسب بشدة من إمكانية أن يؤدي تصعيدها المحتمل ضد تركيا إلى دفع الأخيرة نحو الإقدام على التصعيد في ملفات أخرى حيوية لبغداد على غرار ملف المياه، والذي يعتبر ورقة ضغط قوية في يد الحكومة التركية، حيث بناء السدود التي تهدد منسوب المياه في نهر دجلة. وتحاول بغداد في المقابل الاستفادة من التطلع التركي الحالي لتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، والذي كان آخر أبرز ملامحه تسليم تركيا للعراق في 13 فبراير الجاري أول شحنة من صهاريج نقل الوقود على متن القطارات لصالح شركة خطوط سكك الحديد العراقية.

في النهاية، من الملاحظ أن تصاعد تركيز تركيا بصورة أكبر على منح الأولوية لمواجهة ما تطلق عليه “الخطر الكردي” في محيطها الجغرافي يعتبر بمثابة استراتيجية دائمة يلجأ إليها النظام الحاكم لتثبيت أركان حكمه داخلياً. وسيستمر المسعى التركي لاقتناص أي فرصة من شأنها خلق وقائع ميدانية جديدة في الشمالين السوري والعراقي لإجهاض أي جهود محتملة للأكراد من أجل إقامة دولة مستقلة في الجوار الجنوبي التركي.

المستقبل للابحاث والدراسات المتقدمة

التصنيفات : عسكرية