التعليم العالي ماذا له وماذا عليه رؤية في الفلسفة والمنهج .. / بقلم .. عدنان الزرفي

25 نوفمبر، 2013
49

خلال زيارتي لكلية التخطيط العمراني ولقائي بأساتذتها وطلبتها والاطلاع على العملية التعليمية فيها وجدتُ ما يسر الخاطر من مستوى التعليم والترابط مع الواقع والمجتمع إذ وجدت الطلبة وقد توزعوا على شكل مجاميع في قاعة دراسية لإعداد دراسات ومخططات تخص دراستهم والمبهج في الموضوع إنهم حاولوا أن لا تكون هذه التقارير والبحوث والملخصات تجريدية بل كان الربط بالواقع الاجتماعي المعاشي للعراق ومدينتهم هو المحور الأساس فيما يتداولون فيه لتحقيق النتائج العلمية المطلوبة وحسب ما أطلعت إن الهدف الأساس من التعليم يمكن أن يتحقق وهو تطوير الحياة العامة ودفع مستوى الخدمات الى أعلى مستوياتها عبر الاستعانة بالإحصاءات الرسمية وشبه الرسمية والاستقصاءات الميدانية إذ ينهض الطلبة بمهمة الحصول على المعلومات والمخططات من مصادرها الرئيسية لإجراء دراستهم عليها فعلى سبيل المثال هم أي الطلبة يدرسون مستوى الارتفاع في أعداد السكان في دراسة ديموغرافية لمعرفة عدة أمور أهمها ما تحتاجه البلاد أو المدينة من مساكن وخدمات مجاري وكهرباء وغيرها كما أن هذه الدراسات والبحوث الاستقصائية المستندة الى إحصاءات ومخططات يمكن الإفادة منها في مراقبة التغيرات الاجتماعية الحاصلة على المجتمع سواءً في التغييرات السكانية أو مستوى التقدم الذي وصله وحتى الحاجة الى فتح المدارس والمعاهد والكليات الجديدة لاستيعاب الأعداد السكانية المتصاعدة كما يمكن معرفة نسبة النمو الاقتصادي والثقافي لعموم الأفراد .

ما أبهجني إني وجدتُ ربطاً عملياً بين الدراسة النظرية والواقع الاجتماعي وهذه أنموذج لما نريد ونطمح من التعليم في مراحله المتعددة فلا يمكن أن نفصل بين العملية الدراسية والحالة الاجتماعية إذ أن التعليم والدراسة تتحول في هذا الاتجاه الى مجرد نزهة فكرية أو ترف لا معنى له ويقينا أن دراسة التاريخ البشري وتحديداً التاريخ العلمي الذي قاد الى مراحل من التقدم في كل مجالات الحياة ينبئنا بالجهود الحثيثة التي يبذلها الأكاديميون والعلماء والمفكرون لربط أبحاثهم ودراساتهم بالمجتمع وحاجاته الأساسية فالهدف الأساس من العلوم والمعارف والدراسات هو خدمة الإنسان وترقيته وتطمين حاجاته الضرورية فعلوم الطب والهندسة والرياضيات والعلوم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية راحت تدرس وتبحث وتنقب لإيجاد حلول اجتماعية وتحقيق رفاهية للمجتمع والإنسان الذي يتشكل منه فعملت النخب العلمية لتحقيق طفرات علمية ترفع من المستوى المعاشي والخدمات وتحولت حياة البشر من حالة التخلف وما يكتنفها من مصاعب ومخاطر الى حياة مرفهة فجاءت التطورات الطبية الهائلة التي أنقذت البشرية من الأمراض الفتاكة وحققت الهندسة والرياضيات تقدماً مذهلاَ صَبَ في خدمة الإنسان وتوصلت الدراسات الاجتماعية والإنسانية الى نتائج عظيمة حول المجتمع الإنساني وتطوره وظروفه وما يؤثر عليه ويتأثر منه ولكن هل كانت معاهدنا ومراكزنا التعليمية على هذا المستوى من الربط والحقيقة إننا لم نعتمد الدراسات والبحوث الاستقصائية بل كانت التنظيرات هي السائدة وما ندعوا له أن تتعمق حالة التجسير بين المنهج النظري والحياة الاجتماعية للوصول الى ما نريد وعندما نقول ذلك فأن النزول الى المجتمع والإفادة من قاعدة البيانات المتوافرة في المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية وحتى التي يتم جمعها عن طريق الاستطلاعات والاستبيانات والاستقصاء هي مفيدة في المنهج العلمي فعلى سبيل المثال أن الطالب الجامعي وفي السنة الدراسية الأخيرة لا بد أن يعد بحثاً علمياً ينهي به سنوات دراسته وتحت إشراف أساتذته فمن الأنفع أن يُكلف الطالب بإعداد بحث استقصائي بياني إذ يمكن أن يمنح تفرغاً لإنجاز هذا البحث العلمي كما هو معمول به في أغلب الجامعات العريقة ومن جانب آخر فأن من مسؤولية الدولة (( الحكومة والمؤسسات )) توفير الإمكانات والوسائل المساعدة في العملية التعليمية التربوية ، أجهزة ، معدات ، وهناك أمر آخر لا بد من الالتفات اليه يتعلق بالفلسفة السائدة أو الثقافة السائدة التي ترسخت في عقليات الطلبة المتمثلة في اعتمادهم الأساس على الحكومة في موضوع عملهم وتوظيفهم وهي ثقافة سائدة تعتمد على رعوية الدولة وأبويتها في وقت كانت السياسة الاقتصادية تنحو منحاً اشتراكياً حيث ينهض القطاع العام بكل شيء والمهم هنا إزالة هذه الثقافة عبر إعداد المتخرج ليكون جزءً من مجتمع يعمل في مؤسساته الرسمية وغير الرسمية والاعتماد على قدراته في العمل والنشاط بدل انتظار رحمة الدولة في توظيفه فتغيير هذه الثقافة حتماً سيقود الى مزيد من التنافس والإبداع العادل بين الطلبة للوصول الى أهدافهم بالقدرات العلمية والأكاديمية فعندما يجد الطالب نفسه معتمداً على رعوية الدولة في إيجاد وتوفير الوظيفة له تستقر نفسه وتطمئن حاجته ويبتعد عن التنافس والإبداع ما دام الجميع متساوون في فرصة الوظيفة الجيد وغير الجيد المبدع والجامد .

هذه مجموعة ملاحظات نقدمها وهدفنا تطوير المستوى العلمي والتدريسي فبناء الدولة والمجتمعات يعتمد كلياً على أبناءها من المتعلمين والذين تضخهم الجامعات والمعاهد وهنا نرى ضرورة في الاهتمام بالمعاهد التقنية والمهنية ورعايتها وإبراز دورها فخريجوها يزودون الدولة ومؤسساتها الخدمية والمهنية بالكوادر الوسطية القادرة على العمل والإنتاج .

نعيد القول بضرورة التجسير بين الجامعة والمجتمع ، والعملية التعليمية والإنسان الذي هو الهدف والغاية والتركيز على التقارير والبحوث العملياتية المستندة الى قاعدة البيانات وإحصاءات تغني وتشبع ويمكن لمؤسسات الدولة الإفادة منها في خططها وبرامجها بدل العمل العشوائي الفوضوي 

التصنيفات : مقالات الرأي