من الذات الإلهية الى الذات الشخصية / بقلم هادي جلو مرعي

15 ديسمبر، 2013
52

قد يخرج الإنسان – وهذا يحدث في الغالب – من دائرة الله ، ويتحول الى دائرة الشيطان ، حين يتخلى عن سر العبودية للرب ويعصيه بمختلف أشكال العصيان ، ولايتورع عن فعل حرام ولايندم عليه ، بل يعتقده فعلا ضروريا لحماية السلطان الذي منحه إليه الله دون أن يحدد تاريخا لنهاية صلاحية ذلك الصك ، ويتكرر صرفه والإنتفاع به مادام هذا الحاكم قادرا على الصمود ،وقد رأينا حكاما فعلوا ذلك من أيام النمرود وفرعون حين ناجزا الأنبياء وأذلوا من معهم من الأتباع والأصحاب والمؤمنين برسالات السماء الحقة وإستمرا الى أن اهلكهما الله وجعل يد المؤمنين به والأنبياء هي العليا ،بل وأذل الله وعذب ودمر أقواما خرجت عن دائرته ،ولم يذكر أن لها حكاما كانت تتبعهم ،وتأتمر بأمرهم مثل الفرعون والنمرود ،بل كان قرارهم جمعا كقوم ثمود وعاد ،وأهل الرس ،وأصحاب الناقة ،وقوم لوط ،وقد تكلموا جمعا ورفضوا أمر الرب جمعا لكنهم لم يتحدثوا بإسم ملك واحد ،أو حاكم متفرد ،كما فعل فرعون والنمروذ ، وكان القرآن يصفهم بالجمع وينعت فعلهم بالسوء .

في السياسة يحصل هذا أيضا ومثلما خرج حكام من تلك الدائرة وأذاقوا شعوبهم الويلات خلال المائة عام المنصرمة ، فإن من تحداهم من معارضين ونافحوهم بالحرب والسلاح ، تحولوا الى دائرتهم بمجرد سقوطهم ، من كوبا الى روسيا وحتى الصين وأوربا الشرقية وبلاد في آسيا ، ولاشك في وجود ذلك عبر تاريخ العرب الطويل حيث تنهشهم الدكتاتوريات لعقود وتنتفض جماعات وتحاول التغيير وقد تنتصر بفعل عوامل مختلفة ،وهذا حصل بالفعل خلال السنوات العشر الأخيرة ، في العراق ومصر وتونس واليمن وليبيا ودول عربية أخرى ، لكن ماحدث بعد ذلك كان مفاجئا للغاية وصادما ، ليتضح بعد وهلة إن المشكلة قد لاتكون بالضرورة مترتبة على فعل الطغيان لوحده ويرتبط ذلك بسلوك جمعي لمواطني البلد المحكوم بالدكتاتورية ، وقد تكون الدكتاتوريات التراكمية سببا في صناعة ثقافة مستمرة تطبع سلوك وفكر وروح الشعوب لتتحول الى صانعة للطغاة وممجدة لهم ،وتنقل تجربتهم بعد إسقاطهم ،وتتطبع بفعلهم ونهجهم في السلطة والحكم والإضطهاد . ليكون معارضو الدكتاتور بعد زواله حاملين لذات الفيروس الذي كان متوطنا فيه ،وتجد إن المجموع البشري المضطهد هو أيضا يحمل ذلك الفيروس القاتل .

نحن في مواجهة الحقيقة إذن ، ولامناص من التعامل معها بهدوء برغم كل مارأيناه من تغيير مؤلم لم يكن بالحسبان ، ولم نكن لنتصور ولو للحظة إنه سيكون تغييرا لصالح الإنتهازيين والفوضويين وأصحاب النوايا السيئة والسلطويين وتجار الدم والكرسي والراغبين بجمع المال على حساب خواء البطون وشحة مايتوفر لها من قوت  ، وهذا الحال هو ماتسيد المشهد العربي بعد سقوط الدكتاتوريات ، فليس من جديد سوى الفوضى للأسف ..

 

هم خرجوا من دائرة الله , ودخلوا في دائرة الشيطان ومنفعة الذات.

 
هادي جلو مرعي

hadeejalu
العراق . بغداد
التصنيفات : مقالات الرأي