ماجدة نصر الدين والفن التشكيلي

28 يوليو، 2013
151

هل يسعى الفنان إلى تحقيق رغبته الدفينة، بأن يخترع لذاته سماءً ذات قابلية أو طواعية غير معهودة في إبراز العناصر الكامنة وراء سرّ حجابها الأزليّ؟

وهل عملية الكشف هذه تجيء بمنزلة تحقق عن الكثافة المختزنة وراء كل ما نراه من أغطية وأكفان تشكل العازل الحقيقي بين حقيقتين، إحداها تتأكد بالنظر المباشر، وثانيهما تؤكد نفسها وحضورها عقلياً، أي خارج المرئي والملموس؟

 


لوحة الفنانة ماجدة نصرالدين، هي تركيب ثنائي بين مساحة لونية مسيطرة تؤدي دور المقدمة التي تستقبل القارئ البصري، وإفصاحات متحركة تشكّل مجموعة من “الثيمات” التي تدبّ فيها الحياة بفعل توالدها الذاتي، ونموّها وراء الحجاب، قبل أن تصبح حقيقة مرئية أو ملموسة، وهذا التركيب الثنائي الذي طالما أخضعت إليه اللوحة التجريدية المعاصرة، هو تأليف عقلي لمسطح تصويري تقوم عليه معادلات نفسية وفلسفية، كثيرة، حاول العديد من نقاد الفن التشكيلي المعاصر، ربطها بمنطق المدركين العقلي والحسي، أو المرئي وغير المرئي من الحالة التجريدية .

 هنا اللوحة حالة، متحركة غير ثابتة، لكنها لا تتأسس على قلق مزعزع اليقين، بل تكاد تصير هي اليقين الثابت حين يعمد الفنان الذي يمتلك طاقة تأليفية على تجهيز السطح وجعله بالمستوى الذي يصير قادراً على استقبال هذه الحالة التأويلية المعمقة للمسطح التجريدي المطلق .

 

 

إن الفنانة إذ تشتغل على القماشة أولاً وقبل البدء بمشروعها الأدائي، فإنها تدرك بأن شراسة المسطح التصويري وفق المنطق التعبيري، تساوي البعد النفسي، القادر على منح ما سيأتي أو ما سوف يتأسّس حضورية تفسر الجزء الأهم من أسرار التأليف المتنامي للوحة التي تقوم على قاعدة التناقض بين الصدى والسكون .

نتقبل في مثل هذه “النوايا” مرحلة “التوجه” فكما يقول بعض مفكري الصوفية: “ما بين النيّة والتوجّه ينكشف القصد” . لأننا سنصل مع نقطة القصد في مثل هذه الاعمال المستندة إلى فكرة التجريد التعبيري المطلق من ثلاثة محاور أساسية:

المحور الأول: أن اللوحة التجريدية لا تمتلك أي مسافة فاصلة بينها وبين حضورها الفكري، بوصفها القوة الأساسية التي تدفع بالمتلقي لأن يدخل في حوار فكري مباشر معها؟ أي أنه يدلف باب العمل الفني من بوابة السؤال، عن المدى الذي يمكن لهذه الإشارات الملونة التي ترفض أن تتغطى ببرقها الأحادي اللون بأن تقدم ذاتها كعنصر أساسي يهدف الى الكشف عن موضوع العمل، بمعنى إحالة العمل من شكل الى موضوع، أو بشكل أدق الخروج من الشكلانية إلى ما وراء حضورها، أي الى السبب الموضوعي .

المحور الثاني: تحول الإشارة أو الثيمة إلى مجموعة من الاجتهادات الرمزية، أو شبه التصويرية إذا أردنا الدقة، وهي امتازت بقدر رائع من التجانس والوحدة، بحيث أضحت القوة الديناميكية التي حوّلت مسطح اللوحة التجريدية، من تجريد غنائي لوني سلبي، الى تجريد تعبيري نستطيع بواسطته أن نقرأ و”نعنون” اللوحة .

 

المحور الثالث: تمثل بالاشتغال الذكي على اللون الهجين الذي استخلصته ببراعة، وحافظت عليه كعنصر جاذب يسحب القارئ البصري الى جوهر العمل الفني برمّته، وليس على جزء واحد من أجزائه . هنا مبدأ “الكلية” يتحقق بالتوازن ما بين أركان اللوحة، وما بين المساحة الكلية للغة التعبيرية التجريدية الناضجة .

 

إذاً لوحة الفنانة اللبنانية ماجدة نصر الدين، ليست سهلة وفي الوقت ذاته ليست من النوع الذي يفتعل المضمون التعبيري ليلصق فوق المدى التجريدي اللوني، حضوراً لا علاقة له بالسطح الأساسي، والعملية التأليفية هنا ليست عملية أسطح لونية بل هي تكوين “سيميائي” بين حضورات متجانسة ومتكاملة . إحداها هو الكفن الخارجي الذي قد نسميه ستارة او غطاء لا يخفي ما تحته، وثانيها هي العناصر المتحرّكة التي تضاهي السكون وتمزّقه أحياناً، فيما العنصر الأكثر أهمية في لوحة هذه الفنانة، هو أنها جملة متكاملة تفرض ذاتها على القارئ البصري اللبيب، بل وتدفعه لأن يتشارس مع قناعاته التي نرى في الأغلب أن التجريد هو سكون ما بعد الحركة، أو إشارة ما بعد الصورة، أو باطن ما بعد الظاهر، أو هو في أبسط الأحوال، تجاوز للوعي الحسي، وذهاب صوب المدرك العقلي الذي هو شعور “مثخن” بالوعي الزماني .

———————————————————————————————–

ماجدة نصرالدين

* فنانة لبنانية تعيش في الامارات .

* عضو جمعية الامارات للفنون التشكيلية .

* عرضت فردياً في متحف الشارقة، وجمعية الإمارات للفنون وغاليري كورنر كافيه .

* شاركت بمعارض جماعية كثيرة منها بينالي الشارقة ومعرض عيون عربية ومركز دبي التجاري ومهرجان دبي .

* تعرض في بيروت في قاعة نهى الراضي – مسرح المدينة.



التصنيفات : تقارير وتحقيقات