فضيحة تهريب مجرمي القاعدة من السجون اسقطت هيبة الحكومة العراقية

28 يوليو، 2013
66

يشتد الجدل الآن وتتسع حملات تبادل الاتهامات بين هذا المسؤول وذاك البرلماني للتهرب من تحديد المقصر الحقيقي ، والأصح، المتواطئ والمتورط في تهريب اخطر المجرمين والإرهابيين من سجني أبو غريب والحوت في التاجي والتي أصبحت في نظر الجميع فضيحة كبيرة أسقطت هيبة الحكومة. ونؤكد ان هذه العملية ليست الأولى بل سبقتها صفقات مرتبة في تهريب قيادات القاعدة من المحكومين بالإعدام، وآخرين متورطين بجرائم منظمة روعت الشعب العراقي ، ولذلك فإن المكاشفة الحقيقية وتصاعد الغضب الشعبي وتفعيل ضغوطه من اجل ان لا تمر هذه الجريمة دون حساب، ولذلك سنحاول إن نلخص أسباب وأطراف التقصير والتواطؤ بالنقاط التالية:

 اولا – هجر مؤسسة الرئاسة بشخص الرئيس مام جلال، امد الله في عمره، وهو مغيب عن واجباته منذ سنتين والرجل يواجه الموت ، وكان من الأجدى  البحث عن رئيس جديد والأصح إصدار مراسيم جمهورية في مقدمتها قرارات إعدام الإرهابيين.

ثانيا – ان الصراعات المتفاقمة داخل البرلمان ووجود أطراف متورطة بالإرهاب وساندة له أسهمت في إيجاد المناخ المناسب للخروقات الأمنية وحماية الإرهابيين والمطالبة بالعفو عنهم حتى لو كان ذلك يعني إطلاق سراح قيادات القاعدة.

ثالثا – لم تكترث القيادة العامة للقوات المسلحة وقائدها العام بالتحذيرات التي أطلقتها بعض الشخصيات الأمنية بوجود عملية منظمة وشيكة الحدوث لاقتحام السجون وبالتحديد أبو غريب والتاجي، وترك الأمر لتقديرات مدير مكتب القائد العام وكأن العملية قضية بسيطة لا تهدد الأمن الوطني.

رابعا – لم يكترث القائد العام لمعلومات تحدثت عن فساد داخل القيادات العسكرية والأمنية ووجود عمليات منظمة وصفقات لشراء المناصب بأموال طائلة تصل الى ملايين الدولارات ، ومن الطبيعي ان الذي يشتري هذا المنصب سيقوم بالمتاجرة في واجبه الأمني ويقبض مبالغ ضخمة مقابل الخروقات الأمنية وتهريب الإرهابيين او تسهيل عملياتهم.

خامسا – مازالت الحدود العراقية سائبة امنيا واقتصاديا وهنالك من يثري ويجني المليارات من هذه الفوضى، وأصبحت ارتال  من شاحنات المواد الغذائية الفاسدة وأطنان المتفجرات وآلاف الإرهابيين وتجهيزاتهم القاتلة بما فيها الأسلحة الثقيلة تمر بسهولة كبيرة ولكل ملف ثمنه فهناك من يدفع وهناك من يقبض وينفذ.

سادسا – فشل العملية السياسية المبنية على المحاصصة ، لأن بناء مؤسسات حقيقية في الدولة حتما سيعتمد على الكفاءات والخبرات ولكنها استعانت بدلا من  ذلك على الولاءات والمجاملات، فأوجدت مسؤولين كبارا في الجيش والأجهزة الامنية ومختلف الدوائر الحكومية والهيئات الخاصة يتمتعون بامتيازات خرافية ولكنهم لا يعرفون ابجديات العمل الأمني او الإداري، وأصروا على تهميش وإبعاد المختصين تحت ذرائع مختلفة ليخلوا لهم الجو للاستحواذ على المناصب واستغلالها من اجل الحصول على المغانم والمكاسب والاستمتاع بكل شيء من خلال سطوتهم على هذه المؤسسات.

سابعا – فشل العملية السياسية بترسيخ ثقافة احترام القانون وغاب تطبيقه على كل المستويات للرئاسات الثلاث وعموم المجتمع وصار (قانون) الميليشيات والعشائر هو الذي يتحكم بمصائر الناس.

ثامنا – ظهور طبقة مرفهة تستحوذ على القسم الأعظم من ثروات البلاد بعد ان شرعت لنفسها رواتب ومخصصات وتقاعد لا تتناسب مع أدوارها ولا مثيل لها في العالم مقابل انتشار الفقر والبطالة، واتساع دائرة المستضعفين للملايين الغاضبة على هذا التمايز الطبقي.

تاسعا – أدى الفشل الذريع في توفير الطاقة الكهربائية وشبكات المجاري والماء الصالح للشرب ونظافة المدن وعدم النجاح في حركة الإعمار وبقاء العاصمة بمستوى المدن المتخلفة  لما حل بها من جراء الحروب.

عاشرا _ مهزلة الخدمات في دوائر الدولة في كل اختصاصاتها ، وانتشار الرشوة والمحسوبية والمنسوبية والحزبية والطائفية، وفي المجال الصحي مازالت مستشفياتنا  ناجحة في تصدير الموتى وليس في معالجة الأمراض حيث تفتقر هذه المؤسسات الى المعدات الطبية المتطورة والنظافة والكادر الناجح وشحة الدواء ما جعل العراقيين يبحثون عن المشافي في كردستان والهند وباكستان ولا تستغرب اذا قلنا في الصومال، وتحدث عن دوائر وزارة المالية والعدل والخارجية والعمل والتربية والتعليم والثقافة والدفاع والأمانة وباقي الوزارات فستجد عشرات الآلاف من ملفات الفساد التي مازالت معلقة ولا تجرؤ هيئة النزاهة على تفعيلها.

الحادي عشر – تعاني المحاكم والقضاة المخلصون من تدخلات سافرة واعتداءات وضغوط مباشرة من رموز برلمانية وحكومية وحزبية وميليشاوية تحاول ان تبرئ المجرمين وتطارد من يحاول ادانتهم بالقانون.

الثاني عشر – اما بشان السجون فقد تحولت هذه المؤسسات وبفضل البعض من الشخصيات المتنفذة إلى فنادق فئة 5 نجوم حيث تتوفر الكهرباء 24 ساعة و3 وجبات طعام درجة اولى وهذا الأمر لا يتوفر لعموم الشعب العراقي ، وبذلك يتساوى السجناء من الإرهابيين والقتلة والمجرمين بامتيازاتهم مع سكان المنطقة الخضراء ، وكذلك تتوفر لهم زيارات منظمة وممارسة حياتهم العائلية بصورة منتظمة ويملكون موبايلات حديثة ولهم سلطات تمكنهم من عزل ومعاقبة حراس السجن والمدراء في دائرة الإصلاح، ان أغلبية الحراس مكلفين برعايتهم وأصبح البعض من الحراس ينفذون توجيهاتهم الخاصة او يرضخون لتجنيدهم في هذه المهمات كونهم تورطوا بصفقات قبضوا من خلالها أموالا كبيرة بمقدار حجم العمليات والخرق المطلوب، وبهذا تحولت هذه السجون وبعلم الجميع بما فيهم القائد العام لمدارس وأكاديميات لتعليم فن الإرهاب والجريمة، وذلك ان الذين تم تهريبهم يمتلكون الآن قدرات وعلاقات ستمكنهم من توجيه ضربات نوعية في عمق العملية السياسية ليس لإسقاط الحكومة فحسب بل لإسقاط الدولة بكاملها.

الثالث عشر – لعل من حق المواطن والمختص ان يتساءل عن السر الذي يجعل القائد العام مكبلا وعاجزا من عزل بعض القيادات الأمنية والعسكرية رغم مئات الخروقات التي أدت إلى مقتل عشرات الآلاف من الأبرياء ، وأكدت غياب الكفاءة والوطنية والإخلاص لشخصيات أمنية مازالت تتصدر المشهد والمنصب ولا تكترث لكل ما يحدث وأصبحت تتلقى بدم بارد أنباء الخروقات ومقتل المئات وكأنها عمليات تحدث على سطح المريخ وليس على ارض العراق ، وإذا كنا في السنوات السابقة نعد ونسمي بعض أيام الأسبوع بالدامية أصبحت اليوم كل أيامنا وساعاتنا وكل مدننا تنزف دما ومازال قادتنا يرفلون بالأمن والعز ولا يخضعون لحساب او عتاب وان في ذلك لسر عظيم ولا بد ان يفتضح يوما ويعرف الشعب  من الذي خانه وتاجر بدمائه.

الرابع عشر – الملاحظ ان الرئاسات الثلاث والجهات المتخصصة والهيئات الخاصة تحاول بالطرق كافة استبعاد المختصين في السياسة والإعلام والاقتصاد والأمن وتعتمد على شخصيات هامشية مضللة تجامل ولا تكشف الفضائح والسبب في ذلك إن الحاشيات المحيطة بكبار المسؤولين واغلبهم من الجهلة والطارئين لا يحبذون إحضار أهل الاختصاص والكفاءة أمام أسيادهم خوفا من افتضاح أمرهم وإحراج سيدهم بحقيقة الواقع المرير الذي يعيشه الشعب العراقي من ويلات وهزالة الإدارات العليا بقياداتها وحاشياتها من المقربين والباحثين عن المكاسب والمروجين للانتهازيين والمنافقين وما حدث في التاجي وأبو غريب واكتشاف أكاذيب وزارة الكهرباء والعدل والتجارة والنفط وباقي الوزارات كل هذا دليل على ان الكبار لا يعتمدون على مستشارين من ذوي الكفاءة والاختصاص بل على الدجالين ومنتحلي الصفة، ويمكن لنا ان نستعرض بشفافية أسماء المستشارين والمختصين الذين يلتقيهم أصحاب المعالي لنعرف حجم الكارثة التي تمر بها البلاد.

وفي الختام لا بد ان نقول بان الحكومة فقدت هيبتها في غزوة السجون لأنها فشلت باستئصال القاعدة والمجموعات المسلحة في المحافظات الغربية وديالى واجزاء من بابل واستمرت مدينة الموصل بقبضة الإرهابيين الذين يصولون ويجولون بل يحكمون هذه المدينة ، ان الفشل الذريع للمعالجة الأمنية والسياسية لاعتصامات الانبار وسامراء جعل من هذه المناطق عمقا استراتيجيا للعمليات الإرهابية ولا يستبعد ان تكون الهجمات الأخيرة والهجمات السابقة قد انطلقت من هذه المناطق وبتسهيلات من سياسيين وبرلمانيين  ووزراء محاصصة لهم وجود وتأثير في العديد من التشكيلات العسكرية والأمنية.
firashamdani@yahoo.com

التصنيفات : مقالات الرأي