في تفخيم الذات السياسية / بقلم عبد المنعم الاعسم

11 مايو، 2014
51

 

منذ القديم رصد ابن خلدون معايب المديح المفرط للسلاطين والساسة بعد ان ترتفع حظوظهم بـ “الترف والنعمة” حيث تحيطهم “ثلة من المرتزقين والوصوليين” فينتهي الامر بهم الى المغالاة وتفخيم الذات، ويظهر ذلك على شكل سلوك طاووسي. الخيلاء الفارغة. الزهو بالمظهر. الاستعراضية. الانفة. تصغير الاخرين وإذا ما أمكن قهرهم، وتحفظ الذاكرة الشعبية الفلوكلورية روايات كثيرة عن الفجائع والمفارقات والمعارك المسرحية او الكارثية التي ترتبط بهذه النزعة حين تكون سلوكا للسياسيين والحكام.

تفخيم الذات مركب من مركبات السايكولوجية المعتلة تاخذ صاحبها الى ادعاء القوة، او الاستيهام بها. تمثيلها او الشعور بها، ويؤكد محللو هذه الشخصية ان اصحابها يعانون في دواخلهم نوعا من الضعف يصل حد الجبن، فليس غير الجبان من يحتاج الى الزعم بانه قوة لاتقهر، ولاتُكسر، ولاتبارى. الفارس يتحدث الاخرون والتاريخ عن مآثره وشجاعته وانتصاراته.

النفس المُفخّمة والمغالية بقدراتها تضيق بالتواضع، وتمتنع من الاعتراف بقوة الآخر ولا حتى بخذلانات صاحبها. انها، في بعض ممارساتها، ذرائعية مقيتة، ولاتتورع عن تسمية الاشياء بنقائضها. الهزيمة انتصارا، مثلا، وحين يُمرغ انفها بالتراب، لاتشعر بالعار. انها، من زاوية معينة، تقف وراء قناع مصنع لاخفاء حقاراتها وهوانهم واضطرابهم النفسي.

خارج السياسة يترك صاحب هذه العقدة اثارا مؤذية محدودة قد تقتصر على صاحبها، او على دائرة من المضللين والاتباع، لكنها في السياسة قد تلحق الاذى بدائرة اوسع. اوطان كثيرة وامم دفعت ثمن مغالاةٍ ضربت قادتها، فالسياسي المتغطرس عدو للحسابات الواقعية للامور والقوى والحجوم. عدو للنصيحة والتبصير والاستشارة. عدو للحكمة ودروس الاخرين وخبرتهم.

السياسي المُتَفخّم يضيق بحكم التغيرات وتقلبات الاقدار واتجاهات الرياح فينزل منزلة دون كيشوت في مقارعة الانواء بسيف من خشب، ويخوض معاركه حتى نهايتها على الرغم من انها خاسرة، وهو الى ذلك مولع بالخطابات والتصريحات التي توحي له بالقوة الاسطورية الماحقة لـ”العدو” واكثر ما يعنيه من ذلك ان يسمع مديحا لما يقول، ثم يتوهم ان ما يقوله يتحول الى نص ساحر، مقدس، سرعان ما يدخل افئدة الملايين فتذعن له، اما اعداؤه فهم نشارة خشب، لا قيمة لهم، وهو بخطاب واحد، كما يتوهم، سيجعل كل واحد منهم تحت نجمة.. والنجوم بين يديه.

تفخيم الذوات السياسية لحد التمرد الجمعي على منطق الاشياء تبدو كما لو انها عقوبة للامم التي لم تتعظ من التاريخ.

 

 

التصنيفات : مقالات الرأي